تخيل مشهدًا: على بعد كيلومترات قليلة منك، حرب تدمر البيوت، وتقتل الأطفال، وتهجر العائلات. وفي مسجد قريب منك، خطيب يتحدث عن نوافل الصلاة وفضل العمرة وعن “التدين المغشوش” كما يصفه ابن الجوزي. أليست هذه خيانة؟ أليس هذا هروبًا من المسؤولية؟
ما هو “التدين المغشوش”؟
المصطلح ليس جديدًا، لكن الدكتور حسن يحييه ويضعه في سياقه المعاصر. يستعير المصطلح من ابن الجوزي وغيره من العلماء:
«تمارسوا ما ذكره كثير من العلماء مثل ابن الجوزي وغيره، أن تمارسوا التدين المغشوش. التدين المغشوش هو الذهاب إلى المناطق الآمنة وترك المناطق الساخنة، المناطق التي فيها مجادلة، فيها صعوبات».
كلمة “مغشوش” تحمل دلالة على التخفيف والترخيص والهروب من المشقة. إنه دين بلا تضحيات، بلا مواجهات، بلا ثمن. دين يختار أخف العبادات وأسهلها، بينما الأمة تحترق.
ويصف الدكتور حسن مظاهر هذا التدين في واقعنا المعاصر:
«الذهاب إلى المناطق الآمنة، وترك المناطق الساخنة، التي فيها مجادلة، فيها صعوبات. والله عز وجل لا يريد هذا».
هذه الجملة القصيرة تحمل حكمًا شرعيًا واضحًا: الله لا يريد هذا النوع من التدين. فدين الله ليس للنوافل فقط، بل للمواجهات والصعاب والتضحيات.
فتوى الغرياني التي أثارت الزلزال
يستحضر الدكتور حسن فتوى شهيرة لمفتي الديار الليبية، الدكتور الصادق الغرياني، كأبرز نموذج على محاولة كسر هذا النمط من التدين:
«فتوى مشهورة لمفتي ليبيا الدكتور الصادق الغرياني، طلب فيها عدم تكرار العمرة. يعني: ذهبت مرة، لا ينبغي أن ترجع مرة أخرى، لأن الضرر والمفسدة أكبر كبير أو أكبر كثيرًا من المنفعة، باعتبار أن هذه العائدات تذهب لدولة السعودية، وأنها تصرفها في الحروب التي توجه أغلبها ضد المسلمين للأسف».
هذه الفتوى صادمة للمسلم العادي الذي تربى على أن العمرة والحج من أفضل الأعمال. ولكن الدكتور الغرياني لم يقل إن العمرة حرام، بل قال: لا تكررها إذا كان ثمنها أن تموّل دولتك التي تقتل إخوانك.
ويشرح الدكتور حسن المنطق الذي يقف وراء هذه الفتوى:
«لا يعقل أنت تريد أن تحج وتعتمر، وأنت حجيت واعتمرت، يعني أديت الواجب وأديت الفرض، وكل سنة ماشي إلى الحج والعمرة، بينما إخوانك في قطاع غزة وغيرهم، إخوانك في السودان، إخوانك في اليمن يموتون جوعًا، وأنت تسمع التقارير عن أطفال اليمن وعدد الذين ماتوا، وتسمع عن أطفال العراق، وتسمع عن أطفال سوريا، وكل ذلك لا يشكل عندك أي حرج شرعي».
هنا تكمن المفارقة: حساسية مفرطة تجاه نافلة العمرة، ولا حساسية تجاه مقتل إخواننا. نحن نبكي على تفويت العمرة، ولا نبكي على تفويت نصرة المظلومين.
ويضيف الدكتور حسن:
«أراد الشيخ -والله أعلم- أن يصدم الناس بهذه الفتوى للالتفات إلى منطق الأولويات».
“يصدم الناس”! نعم، الفتوى مصممة لتكون صاعقة، لكسر الجمود الفكري، وإيقاظ الضمائر النائمة. ولكن هل استجاب الناس؟
لماذا لم تُقبل الفتوى؟ تشخيص الداء
يوضح الدكتور حسن سبب رفض العامة لهذه الفتوى ولأمثالها:
«لا نرى تقبلًا لمثل هذه الفتاوى. خاصة وأن المواطن البسيط أو السواد الأعظم من الناس لا يفهم الخط الفاصل أو الشعرة بين الاجتهادات وبين هذه الأحكام الشرعية التي تربى عليها، والتي يتطلع لها روحيًا».
هنا تشخيص دقيق للداء: الناس تربوا على نمط معين من التدين، وألفوه، وأصبح جزءًا من هويتهم الدينية. أي محاولة لتغيير هذه الأولويات تُقابل بالرفض والاستنكار.
ويضيف الدكتور حسن بُعدًا آخر:
«العامة لأنهم تم تأهيلهم وتربيتهم على الإطار الدعوي وعلى الإطار الروحي، نرى مثلًا تعلقهم بالشعائر مثل العمرة».
إذاً، المشكلة ليست في الناس وحدهم، بل في منهج التربية والتأهيل الذي صمم لتخريج مسلمين يركزون على الشعائر ويتجاهلون القضايا الكبرى. هذا المنهج هو الذي خلق هذه الفجوة.
أصل المشكلة.. تجريد الدين من مقاصده
يرفع الدكتور حسن التحليل إلى مستوى أعمق: إنها مشكلة في فهم الدين نفسه:
«أصلًا قضية الصلاة والصيام، ولماذا شرعت هذه؟ لابد أن ننظر إليها. إذا لم نفهم أن التعمق في التعبد المقصود منه هو إصلاح الحياة، لم نفهم الشريعة بشكل صحيح».
هنا يضع الدكتور حسن إصبعه على الجرح: العبادة ليست غاية في نفسها، بل هي وسيلة لإصلاح الحياة. الصلاة تصلح القلب، والقلب المصبوغ بالإيمان يخرج إلى السوق فيعامل بالحق. الصيام يعلم التقوى، والتقوى تمنع صاحبها عن الظلم والفساد.
ويضرب مثالاً جميلاً:
«أنت عندما تذهب إلى المسجد تذهب إلى بيت الله لتذكر الله. طيب لكننا نعبد الله في الأسواق. أنا دائمًا أميل إلى أن المساجد لا نسميها دور عبادة، ولكنها دور الذكر. العبادة هي الطاعة في شؤون المسلمين في كل شيء».
فإذا انفصلت العبادة عن الحياة، وإذا كان المسجد للذكر فقط والسوق للهوى فقط، وإذا كانت السياسة خارج “دائرة الدين”، فهذا هو بالضبط “التدين المغشوش”.
ويؤكد الدكتور حسن على أن هذا الفصل هو في الحقيقة تدمير للدين:
«الحديث عن أنه يمكن أن نقيم نظامًا سياسيًا يصلح واقع التدين الشعائري ويفسد واقع التدين العام، هذه إشكالية. الإسلام بريء منها ولا يعترف بهذا النوع من التعاطي».
نموذج طرابلس.. الحرب على بعد كيلومترات
«إحنا كنا في طرابلس، على أبواب طرابلس كان حفتر يحارب مدعومًا من الإمارات وفرنسا وغيرهم من الدول الكبيرة، وكان بعض المشايخ المدعومين مثلًا من الإطار المدخلي يتحدثون عن الطهارة والزكاة وعن النوافل، والحرب على بعد كيلومترات بسيطة».
هذه الصورة ترسم التناقض المأساوي: دوي المدافع يعلو، ودوي خطبة الجمعة يعلو بـ”فضل الوضوء”! لقد تحول المسجد من مركز قيادة وحكم إلى ملجأ للهروب من الواقع.
هذا النموذج هو التطبيق العملي لـ”التدين المغشوش”: اختيار المناطق الآمنة (المسجد) وترك المناطق الساخنة (ساحة المعركة). والنتيجة أن الأمة تخسر معركتها تلو الأخرى، بينما “المتدينون” منهمكون في النوافل.
أفضل الأعمال تتغير بتغير الأحوال
يعود الدكتور حسن إلى التأصيل الشرعي، مستشهدًا بالإمام ابن القيم رحمه الله:
«الإمام ابن القيم رحمه الله لما تكلم عن أفضل الأعمال، قال: أفضل الأعمال تختلف من حالة إلى حالة. ففي حالة وجود المجاعات قد يكون أفضل الأعمال الصدقات، وفي حالة وجود الجهاد ووجود اجتياح الكفار لبلاد المسلمين هو الجهاد. فأنت لابد أن تتقلب مع مراد الله وأحكامه بحسب حاجات الأمة ومصالحها الكبرى».
لذلك، فإن العالم الذي يصر على الحديث عن نوافل الصلوات بينما الأمة تحترق، هو -عن غير قصد أو عن قصد- خارج عن مراد الله في تلك اللحظة.
من أمانة العالم ألا يتكلم في الجزئيات عند الحاجة للكليات
يصل الدكتور حسن إلى قاعدة ذهبية في العمل الدعوي:
«من الأمانة العلمية لأي عالم أنه لا يحاول أن يتكلم في الجزئيات مع حاجة الناس للكليات. هذه خيانة لله ورسوله، من خيانة الأمانة».
إنها خيانة، وليست مجرد خطأ في التقدير. لأن إشغال الناس بالجزئيات عن الكليات يضيع الأمة كلها. فإذا كان الناس مشغولين بـ”كيفية الوضوء” بينما العدو يحتل الأرض، فمن المسؤول عن هذه الكارثة؟ إنه العالم الذي حوّل انتباه الأمة إلى ما لا ينفع في هذه المرحلة.
ويضرب مثالاً آخر:
«إذا كان هنالك تنتشر الفواحش مثلًا من زنا وخمر وغير ذلك، وأنت تتكلم عن نوافل الصلوات، فهذه خيانة لله».
هذه العبارة القوية يجب أن تعلق في كل مجلس علم، وفي كل منبر، وفي كل قناة دعوية. لقد حان الوقت لمراجعة الأولويات.
لماذا يمارس الناس هذا النوع من التدين؟
لا يكتفي الدكتور حسن بنقد الظاهرة، بل يحلل أسبابها النفسية والاجتماعية:
- السبب الأول: الهروب من الصعاب
الإنسان بطبيعته يحب الراحة ويهرب من الألم. و”التدين المغشوش” يقدم له بديلاً مريحًا: اذهب إلى المسجد، صل، اذكر الله، اعتكف، اعتمر. كل هذه أعمال سهلة لا تحتاج إلى مواجهة. بينما نصرة المظلومين تحتاج إلى تضحيات، وقد تحتاج إلى مواجهة النظام، وقد تحتاج إلى مال، وقد تحتاج إلى سلاح. الأسهل هو العمرة.
- السبب الثاني: التربية الخاطئة
منذ الصغر، نُربى على أن “الدين هو الصلاة والصوم والحج”، ونادرًا ما يُذكر أن الدين هو أيضًا “نصرة المظلوم، وإقامة العدل، ومحاربة الظلم، والجهاد”. هذه التربية الخاطئة أنتجت جيلاً لا يربط بين العبادة والسياسة، بين المسجد والسوق، بين الصلاة والجهاد.
- السبب الثالث: خوف العلماء
يلمح الدكتور حسن إلى أن بعض العلماء يختارون هذا النوع من التدين (التحدث عن النوافل فقط) ليس جهلاً، بل خوفًا:
«يتجنبون الخوض في السياسة ويرضى بالحالة الدعوية، تارة تحت حجة أنه هذا تخصصه وهذا وضعه وهذا المتاح له، وتارة أن الدخول في السياسة سيدخلنا في إشكالات ويحرمنا من موضوع الدعوة. وهو في حقيقة الأمر طلب للسلامة».
إذاً، العلماء أنفسهم يمارسون “التدين المغشوش” هربًا من السجون والملاحقات. وهذا التحليل يفسر لنا لماذا تنتشر هذه الظاهرة في المجتمعات المستبدة أكثر من غيرها.
طريق الخلاص.. كيف نخرج من هذا المستنقع؟
يقدم الدكتور حسن، في ثنايا كلامه، خريطة طريق للخلاص من “التدين المغشوش”:
- الخطوة الأولى: العودة إلى مقاصد الشريعة
فهم أن العبادات وسائل لإصلاح الحياة، لا غايات في ذاتها. الصلاة تمنع عن الفحشاء والمنكر، فإذا كانت لا تمنع، فهي ناقصة. الصيام يزرع التقوى، فإذا كانت التقوى لا تمنع صاحبها عن الظلم، فهو ناقص.
- الخطوة الثانية: استعادة دور المسجد
المسجد ليس للذكر فقط، بل كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قيادة وحكمًا وقضاءً وعبادة. استعادة هذا الدور تعني أن يتحول المسجد من مكان للتعبد الفردي إلى مركز لقيادة الأمة.
- الخطوة الثالثة: تثقيف الناس بمنطق الأولويات
الناس بحاجة إلى من يفسر لهم لماذا قد تكون العمرة في زمن الحرب أقل أجرًا من التبرع بمالها للمقاومة. وهذا يحتاج إلى علماء شجعان، لا يخافون في الله لومة لائم.
- الخطوة الرابعة: محاسبة العلماء الصامتين
وإن كانت هذه المحاسبة من مهام الأمة وليس من مهامنا هنا، لكن الإشارة إليها ضرورية: العلماء الذين يسكتون عن المنكرات الكبرى ويتحدثون في النوافل، يجب أن يُسألوا يوم القيامة.
الخلاصة: أي تدين تختار؟
في نهاية هذا التحليل، يمكننا أن نلخص رؤية الدكتور حسن سلمان لهذه القضية في هذه العبارات:
- التدين المغشوش هو تدين الهروب، تدين المناطق الآمنة، تدين النوافل والشعائر، بينما الأمة تحترق.
- فتوى الغرياني بمنع تكرار العمرة كانت صاعقة أراد بها كسر هذا النمط، لكن الناس رفضوها لأنهم تربوا على نمط آخر.
- أفضل الأعمال تتغير بتغير الأحوال، وما كان أفضل عمل في زمن السلم قد يكون أقل الأعمال في زمن الحرب.
- العالم الذي يتحدث في الجزئيات عند الحاجة إلى الكليات هو خائن للأمانة، حتى لو كان يقصد الخير.
- الخلاص يبدأ بإعادة تعريف التدين: من تدين شعائري إلى تدين شامل، من مسجد للذكر فقط إلى مسجد للقيادة والحكم، من أمة تلهث وراء النوافل إلى أمة تواجه الطغاة.
والسؤال الذي يبقى لكل واحد منا: أي تدين نختار؟ هل نختار التدين المغشوش الذي يرضي النفس ويهرب من المسؤولية؟ أم نختار التدين المواجه الذي يضعنا في المناطق الساخنة حيث تحتاجنا الأمة؟
«والله عز وجل لا يريد هذا التدين المغشوش».
المصدر
بودكاست شرعي مع د. حسن سلمان – عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين (مقتبسات حرفية من حواره حول التدين المغشوش وفتوى الغرياني).
اقرأ أيضا
العلماء والسياسة: لماذا يتجنبون الخوض؟ ولماذا يجب ألا يتجنبوا؟


