تصميم صور المنشورات 16 2

واحدة من أعمق الأزمات التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم ليست سياسية فقط، ولا اقتصادية فقط، بل هي أزمة ثقة بين الأمة وعلمائها. المسلم البسيط يرى بعينه المسارح المليئة بالفحش في أرض الحجاز، ويرى الحروب تدمر بلدانًا إسلامية، ويرى التطبيع يقوده إسلاميون، ويرى العلماء ساكتين أو متجنبين أو مكتفين ببيانات باردة لا تحرك ساكنًا. فيسأل نفسه: أين دور العلماء؟ ولماذا يتجنبون الخوض في السياسة؟ ولماذا تركوا الساحة لمن لا يخاف الله؟

تجزئة الدين.. كيف تحول العالم من قائد إلى مبرر للعبادات فقط؟

يبدأ الدكتور حسن بوصف الواقع المؤلم:

« تراهم يصفون المتدين بمن يذهب للمسجد، بمن يؤدي الصلاة والزكاة، بمن يحسن حتى للجيران. لكن لما نصل إلى شؤون السياسة يقول لك: لا، السياسة شيء والدين شيء آخر. وأصبح هذا الحال الغالب للمسلمين للأسف».

هذه التجزئة بين الدين والسياسة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج منظومة تعليمية وتربوية متكاملة صممت لإخراج هذا النموذج من “العالم” و”الداعية”. يشرح الدكتور حسن الآلية:

«نحن في النهاية منتج ومخرج لمدخلات. طبيعة الدولة الحديثة منذ لحظة تسلم المستعمر لها، في التدين مفهومها هو التدين الكنسي، لا علاقة له حتى بتدين المسجد».

ثم يرسم صورة تاريخية للمسجد في عصر النبي عليه الصلاة والسلام:

«المسجد بالنسبة لنا في السابق كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه، ويعقد فيه الألوية، ويفض فيه الخصومات، وتمارس فيه الحالات الرياضية ، فكان بيت الحكم. للأسف الشديد الأنظمة راق لها هذا الوضع، هي تريد أصلًا تدينًا لا يتدخل في شؤونها».

ويضرب مثالاً خياليًا لكنه حارق:

«تصور لو أن موسى عليه السلام جاء لفرعون وقال له فقط: أنا مشكلتي بعيدًا عن قصرك وعن ملكك وعن تدخلك في استعباد الناس، كان فرعون يقبل ما في إشكال. ».

الجذور التاريخية.. كيف وُجد العلماء في “فراغ هائل”؟

لا يمكن فهم واقع العلماء اليوم دون فهم القطيعة التي حدثت بعد سقوط الخلافة الإسلامية. يشرح الدكتور حسن:

«لما سقطت هذه المنظومة، وجد العلماء في فراغ هائل، وهو الفراغ الذي كان يمارسه الخليفة وحاشية الخليفة والسلطة السياسية. خبرة بهذا الوضع، كانوا يعيشون في حياتهم التعليمية في التربية، لكن لم يعيشوا حالة الصراع والمدافعة مع الأنظمة السياسية. الآن صاروا خط الدفاع».

لكن الدكتور حسن لا يلقي اللوم فقط، بل يقدم رؤية بديلة:

«لو أن الحركة العلمية ذهبت في اتجاه أنها تعمل على بناء وتأسيس منظوماتها التربوية والتعليمية والوقفية بعيدًا عن هيمنة وقبضة السلطة، أنا أعتقد كان المخرج سيكون أفضل بكثير من أن تكون الدولة ذات الطابع العلماني هي التي تصنع لنا المناهج وتخرج لنا الطلاب».

فالدولة العلمانية تنتج علماء لا يفكرون بمنطق الشريعة في حاكميتها:

«بطبيعة الحال إذا كان المحتل يعمل في مناهجه على تخريج موظف وكاتب، فالدولة الحديثة أيضًا تسعى إلى أن طبيعة الذين ستخرجهم لا يفكرون بمنطق الشريعة في شموليتها لحاكمية الدولة».

طلب السلامة.. العذر الذي يبطله واجب البيان

يرصد الدكتور حسن ظاهرة نفسية منتشرة بين العلماء والدعاة:

«فكرة أن الدعاة يتجنبون أو كثير من العلماء يتجنبون الخوض في السياسة ويرضى بالحالة الدعوية، تارة تحت حجة أنه هذا تخصصه وهذا وضعه وهذا المتاح له، وتارة أن الدخول في السياسة سيدخلنا في إشكالات ويحرمنا من موضوع الدعوة. وهو في حقيقة الأمر طلب للسلامة بعيدًا عنه».

وهنا يضرب الدكتور حسن الخط الفاصل بين الواقع المفترض والواقع الفعلي:

«بينما حركة المجتمع تتطلب أن يكون هذا العالم هو الذي يتصدر الشأن العام بكل أطيافه».

ويستحضر نماذج التاريخ:

«العلماء عبر التاريخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، العز بن عبد السلام، وغيرهم من النماذج، كان العالم في لحظات الانهيار هو الذي يتصدر المشهد. إذا كان هنالك احتلال هو الذي يقود حركة المقاومة، إذا كان هنالك استبداد هو الذي يواجه حالات الاستبداد، إذا كان هنالك انحراف عن الشريعة وانحرافات مجتمعية هو الذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا واقع الصدام مع الباطل أينما وجد. هذه طبيعة الداعية».

ثم يشرح لماذا هذه هي طبيعة الداعية:

«لأن شخصية الداعية الذي نسميه وريث النبي عليه الصلاة والسلام، العلماء ورثة الأنبياء. عليك أن تنظر إلى شخصيته عليه الصلاة والسلام: شخصية الداعية المبلغ، شخصية المجاهد الذي يرفع السلاح، شخصية القائد الذي يبرم الاتفاقيات، شخصية رجل الدولة الذي يسوس الحياة، شخصية القاضي الذي يفصل بين الخصوم. هذا كان شخصية النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ما نرجوه».

واجب البيان.. الميثاق واللعن والخشية

لا يترك الدكتور حسن الأمر للاجتهاد الشخصي، بل يستحضر النصوص الشرعية التي توجب على العالم البيان ولو كلفه ذلك غاليًا:

«العالم واجبه كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ}. فالميثاق مع الله تجاه هؤلاء العلماء أن يبين ما نزل الله سبحانه وتعالى بغض النظر عن الظروف».

ويضيف آية أخرى:

«{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}، الله عز وجل رتب عليها اللعن: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}. فأنت معرض إذا لم تبلغ رسالة الله سبحانه وتعالى».

وآية ثالثة:

«{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رَسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}. فالعالم في كل الأحوال هو مطالب به».

لكن الدكتور حسن، بإنصافه، لا يغفل عن الجانب النفسي والبشري:

«أنا أتكلم كحالة تحليل نفسي اجتماعي: هذا العالم بشر. قد يقول: أنا مستعد أضحي بنفسي، لكن يقول: هل أضحي بأسرتي؟ هل المجتمع فعلًا قادر على أن يتولى بعد ذلك كل مهام هذا العالم من استخلافه؟».

هنا تظهر معادلة صعبة: العالم بحاجة إلى حاضنة قوية تقف خلفه. يشرح الدكتور:

«لابد إذا أردت عالمًا قويًا، اصنع له حاضنة قوية. عندما يكون هنالك شخص بارز وعالم وجريء، ويكون له مجموعة من الطلاب لسنوات طويلة جدًا، ثم فجأة يقول كلمة أو يقف موقفًا من السلطة السياسية، واليوم الثاني يُحبس في سجون الطغاة والشعب يسكت، هل تتوقع بقية الدعاة والعلماء سيندفعون نحو هذا؟».

فالعالم والنظام بحاجة إلى دورة متكاملة: أمة قوية تنتج علماء أقوياء، وعلماء أقوياء يقودون أمة قوية. وعندما تتراجع الأمة، يتراجع العلماء.

الفرق بين العالم السني والعالم الشيعي.. مقارنة صادمة

في واحدة من أكثر المقارنات جرأة، يضع الدكتور حسن إصبعه على جرح عميق:

«لو قارنا بين النموذج السني وما بين النموذج الشيعي، ستلاحظ هنالك الفارق الهائل جدًا بين طبيعة التركيب والتأهيل هنا وطبيعة التأهيل هناك. ستجد أنه يؤهل ليكون رجل دولة. وببساطة شديدة جدًا، بتلقي المعممين هم الذين يقودون دولة ويترشحون».

ثم يوجه السؤال الحارق إلى الواقع السني:

«لكن تعال اليوم خلّي واحد في العالم العربي بعمامته يقول: أنا سأترشح للرئاسة مثلًا، أبواب جهنم!».

هذه المقارنة ليست دعوة للتشيع، بل هي صرخة ألم من واقع سني يرزح تحت وطأة استبداد لم ينتج علماء سياسيين، بل علماء طلب سلامة أو علماء تبرير.

الثمن الباهظ للصمت.. السجون المبكرة والملاحقات

يكشف الدكتور حسن عن عملية منهجية لتحييد العلماء عبر التاريخ الحديث:

«كم حجم الذين قبل أن تتم هذه التحولات، كم الذين تم الزج بهم في السجون في وقت مبكر؟ آلاف مؤلفة. الذين سُجنوا تحت حجة أنه متوقع أن يكون منهم، حتى قبل أن يتكلم. قبل أن يتكلم، بعضهم تستقال أشياء طفيفة جدًا، بمجرد تغريده، أو أحيانًا الصمت عن موقف».

ويضرب مثالاً بأحداث الخليج:

«الشخصيات اللي كان لها وزن علمي وكذلك وزن جماهيري وسمعة كبيرة جدًا، وكانت مستقلة إلى حد كبير ولم تكن جزءًا من دولاب الدولة، كل هؤلاء تم الزج بهم مبكرًا وإسكاتهم مبكرًا. وبالتالي سبحان الله، مهد المشهد العام لهذه التحولات».

ثم يضيف عاملًا آخر في تشكيل العقل الجمعي:

«تضخيم مسألة مفهوم “ولي الأمر”، وإبراز حتى لو قلنا رأيًا من الآراء الفقهية: الحاكم ينصح سرًا لا ينصح جهرًا، لا تتكلم، لا تشكل منظومات تعارضه. هذا كله يُصيّر في النهاية تشكيل العقل الجمعي لهذا المكون».

ويستمر في تفكيك الهندسة الفكرية التي أوصلت إلى هذا الواقع:

«أوجد تيارًا مصنوعًا بشكل دقيق، وهو ما يعرف بـ التيار المدخلي، ليكون التيار المعبر عن الصوت الذي يواكب هذه المرحلة: يفعل الحاكم ما يشاء ويفتي الشيخ بما يشاء الحاكم».

ويصف المعادلة الكاذبة التي يُحبس فيها المجتمع:

«كانت المعادلة: إما أن نسكت ونرى كل المنكرات، وإما أننا سنخرج عن ولي الأمر بالسيف والقتال. ليش المعادلة تبقى؟ يمكن للمجتمع أن يطور من أدواته السلمية إذا أتيحت له أصلًا فرصة الأدوات السلمية».

ماذا يحدث عندما تسكت المؤسسة الرسمية؟

يخصص الدكتور حسن جزءًا مهمًا لانتقاد دور المؤسسات العلمائية الرسمية، خاصة في السعودية:

«منذ اللحظة التي تحالف فيها الشيخ مع السياسي في الحركة الوهابية والدولة السعودية، وكان أشبه ما يكون بأن تنازل الداعية والعالم عما يتعلق بالشأن السياسي لصالح السياسي. وبالتالي نشأت حالة أن الشأن السياسي، حتى كنمط تربوي في الأمة، أنه لا علاقة للأمة بهذا الشأن السياسي».

ويصف أثر ذلك على العقل الجمعي:

«ندركها في العقل الجمعي للمجتمع: شأن السياسة الدعاة على المجتمع يرونه ليس شأنهم، لا علاقة لهم به».

هل تيار الصحوة (الإصلاح) كان يروج لذلك؟

يرد الدكتور:

«لا، تيار الصحوة كان مختلفًا بعض الشيء، لكنه أيضًا في أدواته لم يكن بالمستوى المطلوب. لم يكن يعني، أنت عندما تعبئ ثم ليس هنالك أفق ورؤية فيما يتعلق بماذا بعد الاشتباك السياسي. الاشتباك السياسي ما عندك فيه رؤية، ولم تطرح شيئًا. ظلت الصحوة لمدة طويلة جدًا لم تطرح شيئًا، يعني أنت لم تقل للناس: أريد مثلًا ملكية دستورية، ولم تقل: أريد كذا. لا، أقصى ما كان يملكه الإصلاحيون هو أن يقدموا مذكرة لذات السلطة».

النتيجة.. العلماء في غياهب السجن والأمة تسير إلى هوان

يعود الدكتور حسن إلى الواقع الأليم:

«لما العالم يخشى على نفسه، الأمي بعيد عن مدارات الشريعة والسياسة، الأمة تسير إلى هوان أكبر وإلى ضعف أكبر. نرى بعض المجتهدين من علماء الأمة تركوا وحدهم، فأصبحوا في غياهب السجن. فأصبحوا بين مطرقة الدعوة ومطرقة مناكفة هذا السلطان الجائر المتغلب، وبين سندان المدافعة عن الإسلام والمسلمين والمجاهرة بالحق في وجه السلطان الجائر».

ويطرح سؤالاً مصيريًا:

«فما هي العواقب التي يمكن أن يخشاها العالم؟ كيف يمكن يتعامل معها؟ هل في مخارج معينة يمكن، وإلا سيضطر للهجرة واللجوء أو سيذهب للسجن؟».

لا بد من العودة إلى سيرة العلماء الأوائل، وإعادة النظر في منظومة التربية والتأهيل، واستعادة الدور القيادي للعالم في الأمة.

الخلاصة: العلماء ورثة الأنبياء.. فهل يرثون القيادة أم القعود؟

في كلمة أخيرة، يمكننا أن نلخص رؤية الدكتور حسن سلمان في هذه العبارات:

  • العالم ليس مبررًا للعبادات فقط، بل هو قائد أمة، مجاهد، مصلح، قاضٍ، رجل دولة.
  • تجنب السياسة ليس حكمة شرعية، بل هو طلب سلامة يتناقض مع واجب البيان الذي أخذ عليه الميثاق.
  • التاريخ يزخر بنماذج عظيمة كابن تيمية والنووي والعز بن عبد السلام، لم يسكتوا عن الباطل ولو كلفهم ذلك السجن أو الملاحقة.
  • الأمة التي تريد علماء أقوياء، عليها أن توفر لهم حاضنة قوية، لا أن تتركهم وحدهم في وجه الطغاة.
  • إسكات العلماء مبكرًا، وتشويه صورتهم، وإحلال تيارات مدخلية محلهم، هي هندسة مقصودة لتجريد الأمة من قيادتها الحقيقية.

فهل آن الأوان لعودة العلماء إلى موقعهم الطبيعي؟ أم أن الأمة ستظل ترزح تحت وطأة “التدين المغشوش” الذي يخاف من الاقتراب من السياسة كما يخاف من النار؟

المصدر

بودكاست شرعي مع د. حسن سلمان – عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين (مقتبسات حرفية من حواره حول دور العلماء والهيئات العلمائية).

اقرأ أيضا

العلماء ومسؤولية البلاغ

التعليقات معطلة