تصميم صور المنشورات 18 3

هل تعلم أن الاستعجال قد يكون قاتلاً للدعوة قبل أن يولد أبطالها؟ في هذا المقال نغوص في أعماق آفة “الاستعجال” كما وردت في كتاب “آفات على الطريق”؛ لنكشف معناها الحقيقي، ونظرة الإسلام إليها، ثم نتعقب آثارها المدمرة.

معنى الاستعجال

  • لغة :

الاستعجال والإعجال كلها بمعنى واحد وهو : الاستحثاث وطلب العجلة أي السرعة أو استعجل الرجل الرجل حثه ، وأمره أن يعجل في الأمر ومنه قوله تعالى: { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم } . أي لو عجل الله للناس الشر إذا دعوا به على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم وأولادهم واستعجلوا به كما يستعجلون بالخير فيسألونه الخير والرحمة لقضى إليهم أجلهم فماتوا1(1) معنى الاستعجال لغة: ينظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (عجل). والآية من سورة يونس آية 11، بتفسير ابن كثير..

  • اصطلاحا :

ومعناه في اصطلاح الدعاة إرادة تغيير الواقع الذي يحياه المسلمون اليوم في لمحة أو في أقل من طرفة عين دون نظر في العواقب ودون فهم للظروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع ، ودون إعداد جيد للمقدمات أو للأساليب والوسائل . بحيث يغمض الناس عيونهم ثم يفتحونها أو ينامون ليلة ثم يستيقظون فإذا بهم يرون كل شئ عاد إلى وضعه الطبيعي في حياتهم : زالت الجاهلية من طريقهم ، ورفعت الراية الإسلامية من جديد ، ووجد كل إنسان إنسانيته ، وخلصت الفطرة من كل ما يكدرها ويعكر صفوها2(2) معنى الاستعجال اصطلاحاً: السيد نوح، آفات على الطريق، ص24 (بتصرف)..

نظرة الإسلام إلى الاستعجال

ولما كانت العجلة والاستعجال من طبيعة الإنسان بشهادة خالقه وصانعه ، ومدبر أمره { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً } [الإسراء:11] ، { خلق الإنسان من عجل } [الأنبياء:37] فإن الإسلام ينظر إلى الاستعجال نظرة عدالة وإنصاف ، فلا يحمده بالمرة ، ولا يذمه بالمرة ، وإنما يحمد بعضه ، ويذم البعض الآخر :

فالمحمود منه : ما كان ناشئاً عن تقدير دقيق للآثار والعواقب ، وعن إدراك تام للظروف والملابسات ، وعن حسن إعداد وجودة ترتيب . ولعل هذا النوع من الاستعجال هو المعني في قوله تعالى حكاية عن موسى – عليه السلام – { وما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى } [طه:83-84] إذ الظروف مناسبة والفرصة مواتية والعاقبة محمودة والنفس صافية مشرقة فما الذي يحمل موسى على التواني والتأخير ؟3(3) نظرة الإسلام للاستعجال المحمود: المرجع السابق، ص25، والآيتان من سورة طه آية 83-84..

المذموم منه : ما كان مجرد ثورة نفسية خالية من تقدير العاقبة ومن الإحاطة بالظروف والملابسات ، ومن أخذ الأهبة والاستعداد . وهذا النوع الأخير هو الذي عناه رسولنا الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – حين قال لخباب بن الأرت – رضى الله تعالى عنه- وقد جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – يشكو ما يلقاه هو وإخوانه من الأذى والاضطهاد ، ويطلب منه أن يستنصر ربه ، وأن يدعوه قال له : ( كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق اثنتين ، وما يصده ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) وهو الذي نعنيه هنا أيضاً4(4) الاستعجال المذموم وحديث خباب بن الأرت: رواه البخاري (3612) واللفظ له. ورواه أحمد في المسند (21146)..

مظاهر الاستعجال

والاستعجال له مظاهر عديدة منها :

1- ضم أشخاص إلى قافلة الدعاة قبل الاستيثاق، والتأكد من مواهبهم وقدراتهم واستعداداتهم .

2- الارتقاء ببعض الدعاة إلى مستوى رفيع قبل اكتمال نضجهم واستواء شخصيتهم .

3- القيام بتصرفات طائشة صغيرة تضر بالدعوة ولا تفيدها 5(5) مظاهر الاستعجال: السيد نوح، آفات على الطريق، ص26..

آثار الاستعجال

وكل هذه المظاهر المذكورة آنفاً ، وغيرها تكون لها آثار ، وعواقب :

1- فهي قد تؤدى إلى الفتور على النحو الذي ذكرناه في الآفة الأولي [ الفتور الإيماني – مفهومه وأسبابه الكلية ] ، وقليل دائم خير من كثير منقطع : ( …. وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ )6(6) الفتور نتيجة الاستعجال: حديث “إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل” متفق عليه: البخاري (6465)، مسلم (783)..

2- وقد تؤدى إلى موتة غير كريمة ، وذلك حين لا يكون من ورائها عائد أو ثمرة ، وهنالك تكون المسئولية والمعاتبة بين يدي الجبار الأعلى ، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ، والأمر يومئذٍ لله والقصة التالية برهان عملي لما نقول :

( كانت الحركة الإسلامية بمصر في نهاية الثلاثينات تعيش أزهي أيامها فها هي : تشق طريقها بين جميع البيئات ، والأوساط كما تشق السفينة البحر الهادئ والريح رخاء وها هو صوتها مسموعاً في جميع القضايا سواء على المستوى المحلى أو على المستوى العالمي ، في هذه الأثناء وقف أحد أبنائها هو : ( أحمد رفعت ) يعترض على كل ما تتخذه الحركة من أساليب ويدعو إلى أساليب أخرى . ولم يكن في هذا ما يلفت النظر ابتداء ، فلكل عضو في الحركة الحق في نقد ما يرى أنه يستحق النقد ، ثم تكون مناقشة بين الأطراف تنتهي إلى الأصوب و الطريق الأقوم بيد أن الذي استرعى الانتباه ، ولفت النظر هو أن هذه الدعوة لقيت آذاناً صاغية واستجابة سريعة لدى كثير من شباب الحركة ، ولا نريد أن نخوض الآن في البحث عن أسباب ذلك ، وإنما الذي يعنينا هو أنه عقد لقاء لمعرفة اعتراضات ، ومطالب أحمد رفعت وانحصرت في ثلاثة :

الأول : أنه يرى أن الحركة تجامل الحكومة وتتبع سياسة اللف والدوران ، والواجب يقتضي مواجهة الحكومة بالحقيقة التي قررها القرآن الكريم : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44].

الثاني : أنه يرى أن الحركة لم تتخذ أي إجراء عملي في موضوع سفور المرأة وتبرجها ، مكتفية بالنصيحة والكلام ، والواجب يقتضي أن توزع الحركة نفسها في شوارع القاهرة ومع كل واحد من أبنائها زجاجة حبر ، وكلما مرت أمامه فتاة أو امرأة متبرجة ، ألقى عليها من هذا الحبر ، حتى يلطخ ملابسها ، فيكون هذا رادعاًً لها .

الثالث : أنه يرى أن وقوف الحركة في مساعدة مجاهدي فلسطين عند حد الدعاية لهم وجمع المال إنما هو تقصير في حق هذه القضية ، وقعود عن الجهاد ، وتخلف عن المعركة ، وعلى جميع أبناء الحركة أن يتركوا أعمالهم ويتطوعوا في صفوفهم وإلا كانوا من المخالفين.

وتصدى بعض الحاضرين للرد على ( أحمد ) بشأن المطلبين الأولين فقال :

إن مواجهة الحكومة يجب ألا يكون إلا بعد توفر عاملين :

أ- توعية الشعب بالحقائق الإسلامية التي لا زال حتى اليوم خالي الذهن منها لا سيما علاقة الإسلام بالحكم وعلاقة الإسلام بالتشريع .

ب- اكتساب الحركة قوة شعبية تستند إلى مواجهة أي ظروف تتعرض لها ولا زالت الحركة حتى اليوم حركة وليدة في حاجة إلى تثبيت دعائمها وبسط لرواقها .

أما موضوع المرأة فكان ردهم عليه هو أننا لو أخذنا باقتراح ( أحمد ) لكانت النتيجة في اليوم الأول للأخذ بهذا الأسلوب أن يلقى القبض على جميع أبناء الحركة ، ويجرى معهم التحقيق ، ويودعوا السجون حتى يحاكموا أمام القضاء الذي يقضى بالسجن والغرامة ، وإذا قضوا العقوبة وعادوا إلى نفس الأسلوب ، فإن العقوبة تضاعف ، وما دامت التي لطخت ثيابها ستعوض ثمن هذا الثياب مضاعفاً من جيوب أبناء الحركة ، ثم ترى الذي لطخ ثيابها قد أودع السجن ، فما الذي يمنعها من لبس ما كانت تلبسه ، وإذن فلا جدوى من وراء هذا الأسلوب في ردع المتبرجات السافرات .

وأما موضوع فلسطين ، فقد أجاب عنه كتاب سماحة مفتى فلسطين السيد أمين الحسيني ردّ به على الحركة الإسلامية في مصر ، ومضمونه :” أن المجهود الذي تبذله الحركة في الدعاية لقضية فلسطين في مصر هو القدر المطلوب والذي نحن في أمس الحاجة إليه ، ولا يستطيعه غيرها ، ولسنا في حاجة إلى متطوعين ” .

ورغم وضوح الجواب فقد أصرَّ ( أحمد ) على موقفه ، وزاد عدد مؤيديه ، ووصلت بهم الحال إلى أن صاروا يسبون في الحركة الإسلامية والقائمين عليها دونما حياء أو خجل ، ولما قاطعه أبناء الحركة ، وانفض من كانوا حوله ورأى في نفسه عزلة تامة قرر السفر إلى فلسطين لينضم إلى المجاهدين في محاربة الإنجليز واليهود . وهنا أشفقت عليه الحركة وأرسلت له تطلب منه الحضور لتجهزه بالمال والسلاح ثم تسلمه إلى مجموعة من المجاهدين الفلسطينيين الذين كانوا يتصلون بهم حتى يؤمنوا له الطريق ، لأن المجاهدين يشكون في كل من يرونه في طريقهم – ما داموا لا يعرفونه – ويعدونه جاسوساً عليهم ويقتلونه ، فرفض وأصر على الذهاب وحده ، وذهب فعلاً ولقي مصرعه كما كانت الحركة تتوقع – على أيدي المجاهدين )7(7) قصة أحمد رفعت كاملة: السيد نوح، آفات على الطريق، ص27-30..

إن هذه القصة تبين لنا عاقبة الحماس مع السطحية في فهم كتاب الله ، وتاريخ الدعوة الإسلامية ، واقع الحياة ، إن عاقبة ذلك إنما هي الاستعجال وآثار الاستعجال قد تكون موتاً غير كريم ، كما وقع لأحمد رفعت. فإنه لم يكن له – قبل الانضمام إلى الحركة – أدنى معرفة بالإسلام ولا بالقرآن ولا بالسيرة ولا بالتاريخ الإسلامي ، وحين اقتنع بالفكرة الإسلامية انقض عليها بحماس بالغ ، وقبل أن يتزود بكل معالم الطريق اندفع اندفاعاً غير بصير ، فاصطدم وتحطم ، وكاد يحطم الحركة معه لولا العناية الإلهية ثم حكمة القائمين عليها وإخلاصهم8(8) العبرة من القصة: المرجع السابق، ص30..

3- تعطيل العمل ، أو على الأقل الرجوع به إلى الوراء عشرات السنين وذلك فيه ما فيه من استمرار تدنيس الحياة و المضي في الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض وزيادة وضع الأحجار والعقبات على الطريق.

الهوامش

(1) معنى الاستعجال لغة: ينظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (عجل). والآية من سورة يونس آية 11، بتفسير ابن كثير.

(2) معنى الاستعجال اصطلاحاً: السيد نوح، آفات على الطريق، ص24 (بتصرف).

(3) نظرة الإسلام للاستعجال المحمود: المرجع السابق، ص25، والآيتان من سورة طه آية 83-84.

(4) الاستعجال المذموم وحديث خباب بن الأرت: رواه البخاري (3612) واللفظ له. ورواه أحمد في المسند (21146).

(5) مظاهر الاستعجال: السيد نوح، آفات على الطريق، ص26.

(6) الفتور نتيجة الاستعجال: حديث “إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل” متفق عليه: البخاري (6465)، مسلم (783).

(7) قصة أحمد رفعت كاملة: السيد نوح، آفات على الطريق، ص27-30.

(8) العبرة من القصة: المرجع السابق، ص30.

المصدر

المصدر: كتاب “آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص24-36 (بتصرف).

اقرأ أيضا

آفة الترف وآثارها

الفتور الإيماني – مفهومه وأسبابه الكلية

التعليقات معطلة