لماذا تهتز إيران للضاحية ولا تتحرك لغزة؟ الجواب ليس في السياسة فقط، بل في أعماق الإيديولوجيا التي تفرق بين “الذراع” و”الحليف المؤقت”.
نفير الإيديولوجيا …
استطاعت إيران أن تفرض احترامها وقرارها في المنطقة، ليس لأنها صاحبة الحق الأوحد، بل لأنها نجحت في بناء مشروع دفاعي مستقل، واستثمرت في المنطقة طويلاً منذ تأسيس نظرية (ولاية الفقيه). فبنت مشروعها الإيديولوجي، ثم حمته بمشروعها العسكري، وفعلت من أجل ذلك كل ما أحلته لها فتاوى مراجعها.
هذا شأن.
أما كونها شريكة في معركة الطوفان..
فشأن آخر مختلف تماماً.
البارحة جعلت إيران شمال الكيان في مقابل الضاحية. ولم تجعله يوماً في مقابل غزة، التي استمرت فيها الإبادة عامين.
سؤال مباشر: لماذا ثأرت إيران للضاحية ولم تثأر لغزة؟
هذا السؤال ذاته هو جواب سؤال أكبر. وسره كله في اختلاف الإيديولوجيا.
الضاحية ≠ غزة
الذين في الضاحية يؤمنون مباشرة بـ”الولي الفقيه”، ويعتقدون أن (المهدي) الغائب هو قائد الدولة، وأن الضاحية والجنوب وجبل عامل جزء لا يتجزأ من “دولة ولاية الفقيه”.
أما غزة فلا تؤمن بتلك الإيديولوجيا، ولا يسيرها “المهدي الغائب”. العلاقة معها هي علاقة استثمار في إطار ما يسمى “محور الممانعة”، وليست بتلك الأهمية عند القيادة الإيرانية.
ولو بقي الصهاينة يبيدون غزة قرناً كاملاً، ما غضبت لها إيران كغضبتها البارحة لضاحيتها البيروتية.
لماذا الضاحية أهم مليون مرة من غزة؟
لأنها الذراع الإيرانية التي تحاول إيران ترميمها في المنطقة، بعد أن فقدت سورية. وهذا متوافق تماماً مع أصل المشروع التوسعي الإيراني، الذي جعل له الخميني عنواناً تاريخياً واضحاً:
“تصدير الثورة الإسلامية”
واستلزم التصدير اتخاذ القضية الفلسطينية مادة ترويجية فقط.
أهل غزة يعلمون
أهل غزة يعلمون هذه الحقائق بيقين. لا تمتد العلاقة بين الطرفين إلى وحدة الإيديولوجيا. ولا يوجد جندي واحد في كتائب العز يؤمن بولاية الفقيه ومرجعيتها.
بل هم يستفيدون من مشروع إيران، وتستفيد إيران من مشروع المقاومة. وهو شأن معلوم، ولكننا مضطرون لتبيانه مرة بعد مرة، وللقول إن:
معركة الطوفان تحت عنوان “صُنع في غزة” حصراً.
درس إيران للمنطقة
ومع ذلك، تعطي إيران درساً مهماً في الاستقلال بالمشروع القومي، خلافاً للخليجيين وبقية الدول التي تجعل مشروعها القومي صكوكاً بيضاء في خزائن السفارات الأمريكية.
المصدر
صفحة د. محمد تاج الدين، على منصة ميتا بتصرف يسير.


