بين فطرة الانتماء التي جُبل عليها الإنسان، وعصبية الجاهلية التي تمزق الجماعة، يقف الإسلام موقف الحكيم العادل: يُقرُّ الأول ويهذبه، ويحطم الثانية ويستبدلها بأخوة الإيمان والتقوى. وهذا المقال يكشف لكم عن ذلك الميزان الرباني الذي صنع وحدة الأمة وعزها، ويحذر من آفة القومية المتطرفة التي فرقت بني الإنسان.
الإسلام والقومية: بين إقرار الانتماء ورفض العصبية
موقف الإسلام من الانتماء الفطري وتهذيبه
الإسلام لا يُنكر ما جُبل الناس عليه من الانتماء إلى شعوبهم وأَقوامهم، ولا يُبطل ما في ذلك من معاني التعارف والانتساب الطبيعي، ولكنهُ لا يترك هذه الروابط هملًا تستبدُّ بالنفوس، ولا يُطلقها حتى تنقلب عصبيَّةً عمياء تفسد ميزان العدل، وتمزِّق أَواصر الأُخوَّة، وتبعث في القلوب نوازع الاستعلاء والخصومة؛ بل جاء الإسلام فهذَّب هذه المعاني، وردَّها إلى حدِّها المشروع، ووضعها في موضعها الذي لا تطغى فيه على الحقِّ، ولا تزاحم فيه رابطة الإيمان، ولا تكون ذريعةً إلى الظلم والبغي والتفرِّق.
الآية الجامعة لميزان المسألة
وقد قرَّر القرآن هذا الأَصل العظيم في أَوجز لفظ وأَبلغه، فقال تعالى: ﴿يا أَيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وقَبائِلَ لتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ﴾[الحجرات:13].
فهذه الآية الكريمة تجمع ميزان المسألة كلَّه: إقرارٌ بالتنوِّع، ومنعٌ من التعالي، وتوجيهٌ إلى التعارف، وردٌّ لمعيار الفضل إلى التقوى؛ فالقوميَّة في التصور الإسلامي ليست معيارًا للكرامة، ولا أَساسًا للاستحقاق، ولا رايةً للعصبيَّة، ولا سببًا للفرقة والخصومة؛ لأَنَّ الناس، وإن تباينت أَنسابهم، وتعدَّدت أَلسنتهم، وتفرَّقت أَوطانهم؛ فإنهم في «ميزان الله» لا يتفاضلون إلَّا بما قام في قلوبهم من إيمان وتقوى، وما ظهر في أَعمالهم من صدق وعدل واستقامة.
شهادة التاريخ الإسلامي بوحدة الأمم تحت راية العقيدة
ولقد كان التاريخ الإسلامي: منذ مبعث النبي ﷺ إلى سقوط آخر دولة جامعة للمسلمين؛ شاهدًا ساطعًا على سموِّ هذا الأَصل وصدق آثاره؛ فقد استطاع الإسلامُ أَن يجمع تحت رايته أُممًا شتَّى، وأَجناسًا متباينة، وأَلسنةً مختلفة، من غير أَن يجعل العِرقَ ميزانًا للفضل، ولا اللونَ سببًا للتقديم، ولا القوميّةَ مناطًا للشرف؛ فاجتمع العربي والفارسي، والتركي والكردي، والبربري والهندي، وسواهم من سائر الأُمم، في كيانٍ واحد، لم تصنعه عصبيَّة الدم، وإنما صنعته عقيدةٌ جامعةٌ، وشريعةٌ عادلةٌ، وأُخوَّةٌ إيمانيَّةٌ رفعت الناس من ضيق الانتماءات المتنازعة إلى سعة الأُمَّة الواحدة. وبذلك نجح أَجدادنا العظماء، لا لأَنهم اجتمعوا على عصبيَّة قوم؛ بل لأَنهم اجتمعوا على نور الوحي، فتوحدت كلمتهم، وقويت شوكتهم، واتسعت حضارتهم، وبلغوا من العزة ما لم يكن ليبلغه قومٌ جعلوا رايتهم العِرق، أَو اتخذوا ميزانهم الدم والنسب.
القومية المتجاوزة لحدها: عمل شيطاني وفتنة
ومن هنا؛ كانت دعوى القوميَّة إذا تجاوزت حدَّها الطبيعي، وانقلبت إلى عصبيَّةٍ تُفرِّق ولا تجمع، وتستعلي ولا تعدل، وتدعو إلى موالاة القوم لذات القوم لا لقيامهم بالحقِّ، فهي من عمل الشيطان ونزغه وإفساده؛ إذ الشيطان لا يزال يحرِّش بين الناس، ويوقظ فيهم دواعي الجاهليَّة، ويزين لهم أَن يجعلوا أَوهام الانتماء الضيق فوق معاني العدل والحق والأُخوَّة. وما العصبيَّة إلَّا باب من أَبواب الفتنة، تُطفأ به أَنوار الوحدة، وتُهدر به كرامة المساواة، وتُشقُّ به صفوف الأُمَّة؛ حتى يصير القريب في الدين بعيدًا، والبعيد في العرق قريبًا، ويُقدَّم الهوى على الهدى، والانتساب على الاستقامة.
دعوة إلى إحياء ميزان الوحدة في زمن التفرق
وما أَحوجنا اليوم – في زمنٍ تكاثرت فيه أَسباب التفرُّق، وتجرأت فيه الأُمم علينا، وتداعى فيه الخصوم على أَوطاننا ومقدساتنا وثرواتنا – إلى أَن نُحيي هذا الميزان الرَّباني، وأَن نردَّ للقلوب فقه الوحدة، وأَن نُبصر أَن النجاح الذي ننشده، والنهوض الذي نتطلع إليه، لا يمكن أَن يُبنى على التنازع، ولا أَن يقوم على راياتٍ متصادمة، ولا أَن يُثمر في بيئةٍ تتغذى على العصبيَّات الضيقة. وإنما تنجح الأُمم حين تجتمع كلمتها، وتصفو وجهتها، وتعلو في نفوسها معاني العدل والإيمان، وتُقدِّم مصلحة المجموع على نزوات التفرّق والتعالي. وهكذا نهض أَجدادنا العظام، وهكذا صنعوا حضارتهم، وهكذا كتبوا صفحات المجد التي لا تزال الأُمم تقرؤها بإكبار.
الإسلام بين حفظ الخصوصيات ورفض جعلها معاول هدم
فالإسلام؛ في نظرته إلى القوميَّات، لا يدعو إلى محو الخصوصيات، ولا إلى إلغاء ما بين الشعوب من خصائص وأَلسنة وتواريخ، ولكنه يرفض أَن تتحول هذه الخصوصيات إلى معاول هدم، أَو إلى جدران فصل، أَو إلى رايات جاهلية يُنادى تحتها على حساب الدين والعدل والأُخوَّة؛ إنه يحفظ التنوّع، ولكن لا يسمح له أَن يصير تمزقًا؛ ويعترف بالانتماء، ولكن لا يرضى أَن ينقلب عصبيَّة؛ ويقرُّ الخصوصية، ولكن يربطها برابطةٍ أَعلى وأَبقى؛ هي رابطة الإسلام التي تتسع ولا تضيق، وتجمع ولا تفرِّق، وتُعلي قدر الإنسان بميزان التقوى لا بميزان الدم والتراب.
الخلاصة: عز الأمة في الوحدة على الحق لا في التنازع
وخلاصة الأَمر: أَن عزَّ الأُمَّة ليس في أَن تتكاثر عناوينها، ولا في أَن تتنازعها الانتماءات الضيقة؛ بل في أَن تعرف موضع قوتها الحقيقي؛ فتجتمع على الحق، وتنبذ العصبيَّة، وتستمسك بالوحدة التي بها نجح أَسلافها، وبها وحدها يُرجى أَن تستردَّ حاضرها، وتبني مستقبلها؛ فما أَفسد الشيطانُ شيئًا في الأُمم مثلما أَفسده بالتفريق، وما رفع الله أُمَّةً إلَّا حين وحَّد قلوبها على هدى، وجمع صفوفها على حقِّ، وأَلَّف بين أَبنائها على ميزان العدل والإيمان.
المصدر
صفحة عبد الله الأثري، على منصة X.
اقرأ أيضا
كيف أخرج رسول الله للناس خير أمة؟ (1) تحديد الهوية ومنع الالتباس

