هل يجرؤ أحد على تكذيب إجماع المفسرين من ابن عباس إلى ابن عاشور في مسألة واضحة كنزول التوراة على موسى عليه السلام؟ وماذا لو قال لك قائل إن التوراة والإنجيل لم يتحرفا حتى القرن السابع الميلادي، متجاهلاً ألف عام من الدراسات النصية والتاريخية؟ قبل أن تستهزئ بعلماء الأمة، تأكد أن الهزأة قد تعود عليك.
أولاً: جهل أبو عواد الشحرور بالمفسرين
جهّل أبو عواد الشحرور المفسرين جميعًا، مظهرًا عجبه من قولهم جميعًا إنّ التوراة نزلت على موسى عليه السلام!!
ولا عجب في ذلك منه، إذ سبق أن استهزأ بهم لجهلهم -في زعمه- بحقيقة “الإيمان” و”الإسلام” وهما جوهر الرسالة! فاستغرابه في مسألة التوراة أقلّ شناعة!
لكن السؤال الجوهري هو: هل أجمع المفسرون على باطل استبان سخفه لأبي عواد؟
شبهة أبي عواد حول التوراة
يقول أبو عواد: إن القرآن أخبر عن نزول “الكتاب” على موسى عليه السلام، ولم يصرّح بأن التوراة هي التي نزلت عليه. ويزيد أن حديث القرآن عن التوراة في زمن البعثة الخاتمة يدل على أنها لم تكن محرّفة حتى ذلك الحين.
والجواب: هل يتوقف إثبات نزول التوراة على موسى عليه السلام على تصريح مباشر بهذه الألفاظ؟ أوليس أبو عواد نفسه يدعو إلى جمع الآيات واستقراء دلالاتها؟!:
الأدلة القرآنية على نزول التوراة على موسى (10 نقاط)
1- التوراة كتاب نزل بين بعثة إبراهيم عليه السلام وبعثة عيسى عليه السلام:
“يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ”[آل عمران:65].
“وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ” [المائدة:46].
2- كان الأنبياء في مدة من الزمن بين إبراهيم عليه السلام وعيسى عليه السلام يحتكمون إلى التوراة:
“إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”[المائدة:44].
3- التوراة أعظم كتاب نزل قبل الإنجيل.
4- حديث القرآن دالٌّ على أنّ موسى عليه السلام أعظم الأنبياء بين إبراهيم عليه السلام وعيسى عليه السلام.
فمن هو أولى الأنبياء أن يكون مجتبىً لتنزل عليه التوراة، ويحكم بها جميع الأنبياء بعده حتى عيسى عليه السلام، إن لم يكن هو موسى عليه السلام؟!
5- جاء في وصف الكتاب الذي نزل على موسى عليه السلام: “قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ”[الأنعام:91].
وهو الوصف عينه للتوراة: “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا”[المائدة:46].
6- قال جلّ وعلا في بني إسرائيل: “مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا”[الجمعة:5].
وقال عن كتاب موسى عليه السلام: “وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ”[الإسراء:2].
فقد حُمِّلوا الكتاب/التوراة، فلم يحملوه!
7- قال تعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ”[المائدة:46].. التوراة… كتاب الله!
8- قال تعالى في سياق الإخبار عن التوراة: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ”[المائدة:45]. وهذا الحكم موجود في التوراة التي ينسبها اليهود إلى موسى عليه السلام: “وَإِنْ حَصَلَتْ أَذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْسًا بِنَفْسٍ، وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَيَدًا بِيَدٍ، وَرِجْلًا بِرِجْلٍ، وَكَيًّا بِكَيٍّ، وَجُرْحًا بِجُرْحٍ، وَرَضًّا بِرَضٍّ” (خروج 21/23-25).
9- خطّأ القرآن اليهود في كثير من أخبارهم، فلماذا لم يخطئهم في نسبة التوراة إلى موسى، واكتفى بتوبيخهم على الإعراض عن العمل بها؟!
10- “الكتاب” اسم لجنس ما نزل على الأنبياء: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ”[البقرة:213]؛ فالكتاب قد يكون توراة أو إنجيلًا أو غير ذلك.
وطبعًا، سأتجاوز هنا الاستدلال بحديث الشفاعة في الصحيحين، إذ جاء فيه: “أنتَ موسى الذي كلَّمك الله وأنزل عليك التوراة” -واللفظ للبخاري-، لأن أبا عواد معروف بجحوده للسنة النبوية وتكذيبه إياها (وذاك أصل ضلاله المبين، وانتكاسته عن طريق المسلمين!)
ثانياً: الرد على شبهة عدم تحريف التوراة والإنجيل في القرن السابع
أما قول أبي عواد إنّ التوراة والإنجيل كانا غير محرَّفين في القرن السابع الميلادي، فهذه جهالة فاضحة، لا يمكن أن يجاهر بها أحد يعرف أبجديات الدراسات التوراتية والإنجيلية. وقد تناولت هذا الموضوع تفصيلًا في كتابين: “تحريف الإنجيل” و”استعادة النص الأصلي للإنجيل في ضوء قواعد النقد الأدنى، إشكاليات التاريخ والمنهج”، في ما يقارب مجموعه ألف صفحة.
فإنجيل عيسى عليه السلام اختفى منذ النصف الأول من القرن الأول الميلادي، ولم يَرِد له ذكر عند أحد من الكتّاب بعد ذلك. ونحن على دراية وافية بكتب الكنيسة في القرن السابع، فلا توجد فيها أي إحالة إليه، في حين كانت الأناجيل الأبوكريفية apocryphal gospels منتشرة في ذلك العصر وقبله. فكيف تُعرف هذه الأناجيل الهرطقية ولا يُشار إلى إنجيل عيسى عليه السلام في القرن السابع؟! ولا السادس؟! ولا الرابع…؟! هذا كلام سادر في جهله!
أما “إنجيل” عرب النصارى في القرن السابع فهو البشيطا Peshitta السريانية، وربما اعتمد فريق منهم الدياتيسارون Diatessaron (وهناك من يزعم -بلا حجة- ترجمة العهد الجديد إلى العربية. وإذا سلّمنا بذلك فنحن بلا شك لسنا أمام إنجيل عيسى عليه السلام قبل التحريف). وهذه مسألة تاريخية لا مجال فيها للظنون المصادِمة لليقينيات التاريخية. هي من البديهيات التاريخية!
والأمر نفسه في شأن التوراة، فمن المعلوم الثابت المشهور أن كلام أبي عواد لا أساس له، إذ لا يعرف التاريخ كتابًا يسميه اليهود “توراة” “תּוֹרָה” غير البنتاتوك Pentateuch، ولم يطلقوا هذا الاسم على سواه -إلا على التناخ (תַּנַ”ךְ) أي العهد القديم كله مجازًا-. والزعم بأن التوراة الحقيقية كانت متاحة في عصر النبوة قولٌ يستخف به كل متخصص في الدراسات التوراتية، لأن المتاح في شبه الجزيرة العربية وما جاورها كان النص العبري MT والترجمة السبعينية Septuagint وبشيطا العهد القديم. وكان للقول الشاذ القديم إنّه كانت هناك نسخة غير محرّفة عذرٌ بسبب عدم الاطلاع على تاريخ التوراة وترجماتها، أما اليوم فلا عذر، إذ يستطيع حتى غير المتخصص الرجوع إلى كتاب بروس متزجر Bruce M. Metzger: “The Bible in Translation: Ancient and English Versions” أو غيره قبل الخوض في هذه المسائل وتضليل الناس.
وأما تحريف الأناجيل الأربعة قبل القرن السابع وفيه، فيكفي في إثباته ما هو بديهي عند علماء النقد النصي Textual criticism. فالتحريف مجمع عليه!
فتحريف الإنجيل مسلَّم به، سواء قلت إنّنا نتحدّث عن إنجيل عيسى عليه السلام الذي ربّما كان أشبه شيء بما يسمّيه المتخصصون في synoptic problem بالمصدر Q، أو كنّا نتحدّث عن أناجيل الكنيسة واختلاف شواهدها في الأنواع النصية text-types الأربعة أو الثلاثة المعروفة (Alexandrian, Western, Byzantine, Caesarean).
من أولى بالاتباع؟
ليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها أبو عواد الاستهزاء بالمفسرين فيصير هو الهُزأة.
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾[فاطر:43].
في الختام يسألكم أبو عواد: من أولى بالاتباع، هو أم أهل التفسير من ابن عباس إلى الشنقيطي وابن عاشور؟! لقد هزُلت!
المصدر
صفحة د. سامي عامري، على منصة X.
اقرأ أيضا
يوسف أبو عوّاد.. خليفة محمد شحرور في تحريف القرآن

