هل تساءلت يومًا: ما هي الآفة التي يبتلى بها بعض العاملين، والتي تعد من أخطر الآفات وأشدها فتكًا بهم، والتي إن لم يجاهدوا أنفسهم للتخلص منها ضل سعيهم في الدنيا والآخرة؟
مفهوم الرياء أو السمعة
- الرياء والسمعة لغة
الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، تقول: أرأى الرجل: إذا أظهر عملًا صالحًا ليراه الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 6-7]، ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: 47].
والسمعة مشتقة من سمّع، يقول: سمّع الناس بعمله أي أظهره لهم بعد أن كان سرًا.
- الرياء والسمعة اصطلاحًا
أما مفهوم الرياء أو السمعة في اصطلاح الدعاة وعلماء السلوك والأخلاق: فهو إطلاع المسلم الناس على ما يصدر منه من الصالحات طلبًا للمنزلة والمكانة عندهم أو طمعًا في دنياهم، فإن وقعت أمامهم ورأوها فذلك هو الرياء، وإن لم تقع أمامهم لكنه حدثهم بها فتلك هي السمعة.
وفرق العلامة عز الدين بن عبد السلام بين الرياء والسمعة قائلًا: الرياء: (أن يعمل لغير الله، والسمعة أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس). وكأنه يرى أن الرياء كله مذموم، أما السمعة فقد تكون مذمومة إذا قصد بالحديث عن عمله وجه الناس، ومحمودة إذا قصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته.
وذلك الذي قاله ابن عبد السلام هو ما تصدقه النصوص الشرعية، إذ يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264]، وإذ يقول الرسول ﷺ: (من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)، (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا: هل تجدون عندهم الجزاء؟)، وإذ يسمع الرسول ﷺ رجلًا يقرأ ويرفع صوته بالذكر فيقول: (إنه أواب) فإذا هو المقداد بن الأسود.
أسباب الرياء أو السمعة وبواعثه
وللرياء أو السمعة أسباب أو بواعث توقع فيه وتؤدي إليه، نذكر منها:
- (1) النشأة الأولى
إذ قد ينشأ الولد في أحضان بيت دأبه وديدنه الرياء أو السمعة، فما يكون منه إلا التقليد والمحاكاة، وبمرور الزمن تتأصل هذه الآفة في نفسه وتصبح وكأنما هي جزء لا يتجزأ من شخصيته. ولعل هذا هو السر في وصية الإسلام بأن يكون الدين هو أساس اقتران الرجل بالمرأة، إذ يقول ﷺ: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، (وإذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه).
- (2) الصحبة أو الرفقة السيئة
وقد تحتويه صحبة أو رفقة سيئة لا هم لها إلا الرياء أو السمعة، فيقلدهم ويحاكيهم، لاسيما إذا كان ضعيف الشخصية شديد التأثر بغيره، وبتوالي الأيام يتمكن هذا الداء من نفسه ويطبعها بطابعه. وذلك هو سر ما قدمناه فيما مر من آفات من ضرورة أن تكون الصحبة طيبة تحترم شرع الله وتعمل به.
- (3) عدم المعرفة الحقيقية بالله عز وجل
وقد يكون عدم المعرفة الحقيقية بالله عز وجل هو السبب أو الباعث على الرياء أو السمعة، إذ أن الجهل بالله أو نقصان المعرفة به يؤدي إلى عدم تقديره حق قدره، ومن ثم يظن هذا الجاهل بالله الذي لم يعرفه حق المعرفة ولم يقدره أن العباد يملكون شيئًا من الضر أو النفع، فيحرص على مراءاتهم وتسميعهم كل ما يصدر عنه من الصالحات ليمنحوه شيئًا مما يتصور أنهم مالكوه. ولعل ذلك هو السر في دعوة الإسلام إلى المعرفة بالله أولًا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، بل وتطبيقه ذلك حيث دار القرآن المكي وعمل الرسول ﷺ طوال المرحلة المكية حول التعريف بأصول العقيدة وتأكيدها وترسيخها في النفس.
- (4) الرغبة في الصدارة أو المنصب
وقد تدفع الرغبة في الصدارة أو في المنصب إلى الرياء أو السمعة حتى يثق به من بيدهم هذا الأمر فيجعلوه في الصدارة أو يبوئوه المنصب. ولعل ذلك هو السر في تأكيد الإسلام على اختيار أو ابتلاء الناس قبل الوثوق بهم أو الركون إليهم، لا سيما إذا كانوا على حال تدعو إلى ذلك، إذ يقول الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10].
- (5) الطمع فيما في أيدي الناس
وقد يحمله الطمع فيما بين أيدي الناس والحرص على الدنيا على الرياء أو السمعة ليثق به الناس وترق قلوبهم له فيعطونه ما يملأ جيبه ويشبع بطنه. وفي سؤال الأعرابي للنبي ﷺ: (والرجل يقاتل للمغنم) وكذلك في قوله ﷺ في الحديث الآخر: (من غزا لا يبغي إلا عقالًا فله ما نوى) ما يشير إلى هذا السبب.
- (6) إشباع غريزة حب المحمدة أو الثناء من الناس
وقد يدعوه حب المحمدة أو الثناء من الناس إلى الرياء أو السمعة حتى يكون حديث كل لسان وذكر كل مجلس، فتنتفش نفسه وتنتفخ بذلك والعياذ بالله. وإلى هذا السبب يشير بقية الحديث المتقدم: (… والرجل يقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه، من في سبيل الله؟…).
- (7) شدة ذوي المسؤولية في المحاسبة
وقد تكون شدة ذوي المسؤولية في المحاسبة هي السبب في الرياء أو السمعة، لاسيما إذا كان هناك ضعف في الإرادة وفتور في العزيمة، وكأنه يحاول بهذا الرياء أو بهذه السمعة ستر ضعفه وفتوره. وصدق رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إذ يقول لعائشة: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).
- (8) إظهار الآخرين إعجابهم به وبما يصدر عنه من أعمال
وقد يكون إظهار الآخرين إعجابهم به وبما يصدر عنه من أعمال هو الباعث على الرياء أو السمعة كي يكون هناك مزيد من هذا الإعجاب. وحتى يحمي الإسلام البشر من هذا الداء منع إبراز هذا الإعجاب، فإن كان ولا بد فليكن معه الاحتراز والحيطة بأن يقول: (أحسب فلانًا كذا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا).
- (9) الخوف من قالة الناس لا سيما الأقران
وقد يكون الخوف من قلة الناس لا سيما الأقران هو الباعث على الرياء أو السمعة حتى يظهر أمامهم بالصورة التي ترضيهم وتسكت ألسنتهم عنه، وإذا ما خلا بنفسه انتهك محارم الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
- (10) الجهل أو الغفلة عن العواقب أو الآثار الناجمة عن الرياء أو السمعة
وأخيرًا قد يكون الجهل أو الغفلة عن العواقب أو الآثار الناجمة عن الرياء أو السمعة هي السبب في مراءاة الناس أو تسميعهم، فإن من جهل أو غفل عن عاقبة شيء ما لاسيما إذا كانت هذه العاقبة ضارة تعاطى هذا الشيء ولازمه حتى يصير خلقًا له.
سمات أو علامات الرياء أو السمعة
وحتى يدرك المسلم موقعه من الرياء أو السمعة فإن هناك سمات أو علامات يعرف بها، وهذه السمات أو تلك العلامات هي:
- النشاط في العمل ومضاعفة الجهد إذا كان هناك ثناء أو مدح، والكسل والتقصير إذا كان هناك عيب أو ذم.
- النشاط في العمل ومضاعفة الجهد إذا كان مع الناس، والكسل والتقصير حال التفرد أو البعد عن الناس.
وإلى هاتين السمتين يشير سيدنا علي رضي الله عنه فيقول: (للمرائي علامات: كسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم)1(1) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، ج8، ص266..
3. الحفاظ على محارم الله ورعايتها إذا كان مع الناس، وانتهاك هذه المحارم والتطاول عليها إذا كان وحده أو بعيدًا عن الناس.
وإلى هذه السمة أو العلامة يشير النبي ﷺ قائلًا: (لأعملن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورًا، إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)2(2) أخرجه ابن ماجة (4245)، والطبراني في ((الأوسط)) (4632)..
الهوامش
(1) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، ج8، ص266.
(2) أخرجه ابن ماجة (4245)، والطبراني في ((الأوسط)) (4632).
المصدر
المصدر: كتاب “آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص80-94 (بتصرف).


