انتم الاعلون

هل تساءلت يومًا: كيف ينزل القرآن على صحابة أُحُد – والدماء لم تجف بعد، وحمزة بن عبد المطلب مُثّل بجثته، ومصعب بن عمير ملقى بلا غطاء، والنبي ﷺ مجروح في وجهه، شُجّت جبهته وكُسرت رباعيته، وأبو سفيان يصرخ “اعلُ هبل” – فيقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؟ أي علو هذا والرسول مدمى والعدو يرقص فوق القمم؟ وما هو المعيار الحقيقي للعلو والهبوط في ميزان الله؟ هذا ما يحاول هذا المقال الإجابة عنه.

أولًا: المشهد — الدماء لم تجف بعد

تخيل نفسك واقفًا على أطراف أرض أُحُد، الدماء لم تجف بعد، والتراب يشرب من دم سبعين من خيار الصحابة. حمزة بن عبد المطلب مُثّل بجثته، ومصعب بن عمير ملقى بلا غطاء يكفي طول جسده، والنبي ﷺ مجروح في وجهه، شُجّت جبهته وكُسرت رباعيته، والصحابة ينزفون ويلملمون الشتات، بينما يصرخ أبو سفيان بكل كبرياء: اعلُ هبل، اعلُ هبل.

في هذه اللحظة بالذات، في أشد لحظات التاريخ حرجًا، ينزل القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

انتظر دقيقة. يقول: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؟ أي علو هذا وسبعون جثة تطوّق المكان، أي علو والرسول مدمى والعدو يرقص فوق القمم؟ هنا ينفجر السؤال الحق الذي يجب أن يزلزل عقولنا اليوم: ما هو العلو الذي يتحدث عنه الله ونحن نراه بجهلنا انكسارًا؟ وما هو المعيار الحقيقي للعلو والهبوط في ميزان الله؟

ثانيًا: السؤال الحائر — أين وعد الله؟

حين نلقي بصرنا اليوم على واقع الأمة نرى جراحًا متلاحقة، دمًا ينزفه المستضعفون، ضعفًا سياسيًّا وتخلفًا تقنيًّا. وفي المقابل نرى الغرب يملك الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية والبنوك التي تتحكم في أنفاس البشر. فيقف المسلم اليوم حائرًا: أين قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ من واقعنا هذا؟ هل القرآن يعدنا بوهم؟ أم أن المأساة تكمن في أننا سقطنا في الفخ وفهمنا العلو بمعايير خصومنا لا بمعايير ربنا؟

ثالثًا: العلو في منطق القرآن

عندما قال الله للصحابة في أُحُد: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ لم يكن يجاملهم، ولم يكن يمنحهم تخديرًا نفسيًّا، كان يقرر حقيقة عقدية صلبة. العلو في منطق القرآن ليس حسم معركة عسكرية عابرة، وليس امتلاك أبراج شاهقة، ولا ترسانات سلاح. العلو هو علو الإيمان، علو المبدأ والمصدر، وعلو الغاية. أن تكون أمة تستمد قيمها من الخالق جل جلاله، وتعرف لماذا خُلقت، وإلى أين تتجه. هذا هو المعنى الذي زرعه القرآن في الصحابة، وهذا ما علّمه الرسول ﷺ للمؤمنين.

رابعًا: قرار النبي ﷺ بعد أُحُد — العلو في الميدان

فصبيحة يوم أُحُد، والدماء لم تجف بعد، يصدر الرسول ﷺ القرار العسكري الذي صدم الجزيرة العربية كلها: الخروج فورًا لمطاردة قريش في حمراء الأسد. ووضع النبي ﷺ شرطه الاستراتيجي الصارم: لا يخرجن معنا إلا من شهد القتال بالأمس. المنهكون، الجرحى، المتعبون، هم أنفسهم الذين زحفوا إلى حمراء الأسد. عسكروا هناك، وأوقدوا خمسمائة نار أضاءت أفق الصحراء، فدبّ الرعب في أوصال أبي سفيان وفرّ بجيشه مذعورًا. وفي قلب هذه المبادرة نزل القرآن يقرر الحقيقة العقدية الصارمة: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. هذا هو العلو الذي أراده الله سبحانه وتعالى لعباده.

خامسًا: الفرق بين القدرة والعلو

أما من يملك التكنولوجيا لكنه يلحد بالله، ويشرّع الفواحش، ويأكل أموال الناس بالباطل، ويهدم الأسرة، فهو في أسفل سافلين ولو سكن ناطحات السحاب ووصل إلى المريخ. الغرب اليوم يمتلك قدرات وتكنولوجيا، لكنه في حالة انحطاط حضاري وأخلاقي مريع. فرق هائل بين القدرة والعلو. الغرب اليوم يملك السلاح، يملك المال، لكن ماذا يملك للإنسان؟ حضارة تفسد الفطرة، وتقتل الجنين في بطن أمه، وتستعبد الشعوب بالديون، وتدعم الإبادة الجماعية على شاشات التلفاز بانعدام حضاري وأخلاقي. فهل هذا علو؟ هذا هو العتو والسقوط بعينه.

سادسًا: معيار العلو والانحطاط

يقول ابن تيمية رحمه الله: “عزة المؤمن وعلوه في معرفة الله والعبادة له، وكلما ابتعد العبد عن ذلك هبط في دركات الدواب”. فالغرب يطير في أثير السماء بطائراته، لكنه يتمرغ في وحل المادية بحضارته وأخلاقه. فما هو المعيار الشرعي والعقدي للعلو والانحطاط؟ المعيار يكمن في كلمة واحدة وردت في ختام الآية: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. شرط العلو: صدق الإيمان.

سابعًا: عمر بن الخطاب في بيت المقدس — العلو في التواضع

تأمل موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل بيت المقدس لاستلام مفاتيحها. كان يرتدي ثوبًا فيه بضع عشرة رقعة، ويقود دابته بالتناوب مع غلامه، وتخوض قدمه في الطين. فجاءه أبو عبيدة بن الجراح وقال له: يا أمير المؤمنين، لو لبست ثوبًا غير هذا، وركبت برذونًا حتى لا يزدريك أهل الأرض. فماذا كان رد عمر؟ هل انبهر بمظاهر الدولة البيزنطية وذهب يستجدي رضاها؟ بل صرّح بالمعيار الخالد الذي هزّ به أركان التاريخ: “لو قالها غيرك يا أبا عبيدة لجعلته نكالًا لأمة محمد. إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”. عمر لم يرهب المظاهر، لأنه كان يدرك أن العزة ليست ثوبًا يُستعار من العدو، ولا خيلًا عظيمًا، بل هي أصل نابع من العقيدة.

ثامنًا: ربعي بن عامر أمام رستم — العلو في الثقة

ولذلك عندما وقف ربعي بن عامر أمام رستم بكل أُبَّهته وذهبه وشارات ملكه، لم يتلعثم ربعي ولم يتراجع، بل وقف بأسلاب رثة وقال بثقة: “الإعلاء الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عباده العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”. هذا هو العلو الذي يتكلم عنه القرآن: علو الاستغناء بالله، علو اليقين بأن القوة الحقيقية في نصرة الحق وليست في مسايرة الباطل.

تاسعًا: كيف نحول هذا المعنى إلى واقع؟

السؤال الميداني الصعب: كيف السبيل إلى تحويل هذا المعنى القرآني العظيم إلى واقع نعيشه اليوم؟ السبيل الوحيد يبدأ بالتطهر الكامل من عقيدة الدونية والهوان، والاستعلاء النفسي والفكري على الحضارة الغربية. نقتبس علوم المادة والتصنيع لأنها ملك للبشرية، ولكننا نطأ بنعالنا على نظمهم القيمية الفاسدة المصادمة للفطرة. وإن العلو الميداني لن يتحقق لأمة تقبل التجزئة والهوان، فالله جل جلاله لم يعد بالتمكين لأمة ممزقة، فتّتت حدودها الخرائط، وتحكمها شريعة البشر الوضعية، وتتبع الغرب تبعية العبيد. إن تحقيق العلو يتطلب استعادة صريحة لوحدة الأمة وسيادتها ودولتها الجامعة التي تحمل رسالة ربها هدى ونورًا للعالمين.

عاشرًا: اللطيفة القرآنية — شرط الخيرية هو شرط العلو

تأمل معي هذه اللطيفة القرآنية المذهلة. حين أراد الله أن يقرر معيار الخيرية المطلقة لهذه الأمة، جعل شرطه هو عين شرط العلو. فقال سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. جعل الإيمان الفاعل المقترن بالسيادة والإصلاح هو الشرط الشارح للخيرية، تمامًا كما جعله شرطًا للعلو الميداني في قوله: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فلا خيرية بلا إيمان، ولا تمكين لأمة ارتهنت لشرائع الشرق والغرب ونسيت كتاب ربها.

حادي عشر: الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. اعلموا أن الغرب اليوم ليس قويًّا لأن باطله حق، بل لأن أهل الحق عن حقهم تقاعسوا. وإن هذا الغرب بكل جحافله وأسطوله ودولاراته وتكنولوجيته ليس سوى جدار مائل، وشك أن ينهار، وإحداثياته الأخلاقية تعلن بداية نهايته. أما نحن فإننا نحمل في أيدينا وفي قلوبنا الكتاب الوحيد المحفوظ على وجه الأرض. فإما أن نستيقظ ونخلع عن أنفسنا ثوب الهوان، وننفض غبار الدونية، ونفهم أن العلو قدرنا إن نحن صدقنا مع الله. وإما فإن الله غني عنا، وسينزع منا هذه الأمانة، ويستبدل قومًا غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا. القرار ليس عند الغرب، القرار عندنا نحن، بأيدينا. فهل نحن الأعلون، أم أننا اخترنا السقوط؟ والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والله المستعان.

المصدر

سائد مرعي “وأنتم الأعلون: معيار العلو في ميزان الله” محاضرة مفرغة بتصرف.

اقرأ أيضا

حين تنهار الحسابات البشرية: وعد الله ومكر الماكرين

التعليقات معطلة