الابتداع

لماذا يعشق الناس الابتداع والاختراع في الدين رغم أنهم يؤمنون أن الإسلام كامل؟ وإذا كان المسلم يعتقد أن الإسلام كامل من جهة ما شرّعه الله ورسوله للتقرب إليه، فلماذا يخترع طريقة جديدة لم يذكرها القرآن ولا السنة ولا كان عليها هدي الصحابة؟

وإذا كان صاحب الاختراع لا يقول صراحة إن الدين ناقص، بل قد يقدم محاضرات طويلة عن كمال الدين وأهمية التمسك به، فكيف يهدم منطق فعله قناعته وشعاره؟ وما هو “الصدام الخفي” بين مكوّن النفس البشرية في السعي نحو الاعتراف والشعور بالقيمة، وبين مقصد الوحي النهائي في إخراج العبد من داعية هواه ليكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا؟

المفارقة – الإيمان بكمال الدين مع اختراع الجديد

إذا كان المسلم يعتقد أن الإسلام كامل من جهة ما شرّعه الله -ورسوله- للتقرب إليه، والحصول على سعادة الدنيا والآخرة، إذن فإن اختراع طريقة جديدة لتحقيق هذا المعنى لم يذكرها القرآن، ولا السنة، ولا كان عليها هدي الصحابة = هو عمليًا لا يعني مجرد إضافة شيء جديد مخترع، بل الخطورة تكمن في مضمونه الكامن، وهو أن القرآن والسنة لا يكفيان لتحقيق ذلك، بل يحتاجان إلى جهد بشري يكملهما!

صحيح أن صاحبنا المخترع [شيخ صوفي، داعية وسائل تواصل] لا يقول لك: (الدين ناقص وأنا سأكمله لك)، فهو قد يقدم لك محاضرة طويلة عريضة تتعلق بكمال الدين وأهمية التمسك به، لكن منطق فعله (الاختراع) يهدم قناعته وشعاره. تمامًا كما قد يؤمن الإنسان نظريًا بقضية معينة، ثم يتصرف وفق شبكة سلوكية تناقض هذا الإيمان النظري.

الصدام الخفي بين السيادة الذاتية والسيادة الشرعية

أحد مكوّنات النفس البشرية: (مكوّن السعي نحو الاعتراف للشعور بالقيمة). وهنا يأتي (الصدام الخفي) مع الوحي. لأن مقصد الوحي النهائي هو (إخراج العبد من داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا) كما قرر ذلك الإمام الشاطبي في كتابه البديع (الموافقات)، وهذا يعني وجوب الوقوف عند الشرع (افعل ولا تفعل)، وبهذا يكون الشرع قام بـ (نزع السيادة عن النفس وأهوائها)، وهذا هو (الصدام الخفي) مع النفس.

منطق السيادة الذاتية هو (أعبد الله بالطريقة التي أراها أنا أجمل وأفضل)، ومنطق السيادة الشرعية هو (أعبد الله بالطريقة التي يريدها الله وحده لا شريك له). فالشرع لا يبالي بما تراه أنت حسنًا جميلًا حتى وإن كانت نيتك جميلة ورائعة، وإنما يبالي بشيء واحد فقط (هل تقف عند ما حدده لك أم لا؟ بغض النظر هل وافق هواك أم لا؟).

هنا يكون موقف السني (ماذا يريد الله مني؟)، ويكون موقف المبتدع (ما الذي أراه أنا جديرًا بالتقرب به إلى الله؟) بهذا نفهم بأن الابتداع والاختراع قد يكون نتيجة قوة في التدين لا في نقصه، فيختلط هذا بالرغبة الخفية في إثبات الذات وتحقيق سيادتها في الفعل والتقرب، وفي الدعوة والبيان للآخرين.

معيار الخشوع والطمأنينة – معيار لا يعترف به الشرع

يؤكد هذا المعنى في نفس المبتدع وضعه معيارًا اخترعه من تلقاء نفسه، وهو (هل هذا الفعل يمنحني شعورًا متدفقًا بالخشوع والطمأنينة؟ إذن هو عمل صالح يقربني إلى الله). لهذا ترى أتباع الطرق الصوفية أو أتباع بعض الدعاة والداعيات اليوم يقولون لك (منذ دخلت الطريقة أو منذ اتّبعت ما يقول هذا الداعية وأنا أشعر بالسلام والهدوء والطمأنينة).

والحقيقة أن هذا المعيار لا يعترف به الشرع، لأن وجود كثافة شعورية (الطمأنينة، السلام، الخشوع) ليست معيارًا منضبطًا، فهذا شيء يجده حتى عُبّاد الهندوس والنصارى وغيرهم، لأن طبيعة النفس البشرية أنها إذا تحررت قليلًا من سطوة الحس وجدت من اللذة والسلام والهدوء بقدر ذلك، بغض النظر عن الآلية التي توسّلت بها لتحقيق هذا التحرر والتجرد.

شعور الاكتشاف والتميز

هناك معنى آخر يمكن أن نتوقف عنده وهو (شعور الاكتشاف) ومن ثم (شعور التميز). فالإنسان بطبعه يحب أن يكتشف الجديد، لأنه يمنحه الشعور بالتميز عن الآخرين. فحين يخترع لنفسه أو يخترع له غيره (شيخ صوفية، داعية وسائل تواصل) بعض الأعمال بدعوى التقرب إلى الله، فهنا يشعر بأنه اكتشف جديدًا، وهذا الاكتشاف جاء لأنه شخص متميز، طيب، صالح، ولهذا (وفقه الله له). وهنا تبدأ آليات الدفاع النفسي في تحصين صحة هذا الاختراع، فتطلب له بعض الاستدلالات من هنا وهناك.

الخلاصة – الفرق بين أن تفعل لله وأن تفعل لله حسب مراد الله

بناء على ما سبق؛ فإن المخترع عمليًا يقول لنا بحاله (هدي السنة ليس كافيًا، وما اخترعته أنا من الأذكار والدعوات وقراءة السورة الفلانية أو الآيات الفلانية، أكثر تحقيقًا للغرض، وهو أكثر تعظيمًا لله/القرآن)… لكن الحقيقة هي أن العبودية لله التي هي الغاية القصوى من وجود الإنسان في الدنيا لا تعني أن تفعل شيئًا لله، بل أن تفعله لله حسب مراد الله. وهذا فرق هائل.

اللهم ثبتنا بالحق وعلى الحق، وتوفنا على الإسلام والسنة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبارك.

المصدر

صفحة نور الدين قطيط، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

الأمر بالاتباع وعدم الابتداع في فاتحة الكتاب

حاكمية الشريعة

التعليقات معطلة