ليس كل مشهد يثير الوجع يصلح مفتاحًا لفهم سنن التاريخ، وليس كل وصف لحال الأمة بلحظة عابرة يغني عن قراءة الطبقات المتراكمة التي صنعت هذه الحال عبر قرون.
قراءة في جدلية الكثرة والعجز: نقد لمنطق “غثاء كغثاء السيل“
عن “عثاء كغثاء السيل” – الحديث والتعليق على صور الحجيج بعبارات من قبيل “غثاء كغثاء السيل” يكشف عن عجز في فهم الفارق بين الإمكان العقلي والواقع السنني. فنعم، من جهة النظر المجردة يبدو التناقض صارخًا بين الكتلة العددية الهائلة للأمة هناك (نظريًا) وبين حال الضعف والتشظي التي تعيشه، لكن المبتعد عن القراءات التبسيطية والدفعيات التاريخية يعرف أن التاريخ لم يكن يومًا خاضعًا لهذا القياس التبسيطي.
الكثرة وحدها لا تصنع القوة: نقد المنطق “الكمامجي“
ففي الابتداء، فإن الكثرة بذاتها غير منتجة للقوة، ولا الاجتماع الظاهري مولد تلقائي للفاعلية الحضارية، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن التاريخ الحقيقي يخبرنا بأن لحظات الاستفاقة الجمعية الكبرى في التاريخ كانت دومًا نادرة، وتسبقها في العادة قرون طويلة من التآكل البطيء وإعادة التشكل، ولا تكون إلا عبر نخب تنجح في تشكيل بنيات قوة مؤثرة/دائمة/فاعلة تتجاوز المنطق اللحظي.
الجذور التاريخية الممتدة: من العباسيين إلى العثمانيين فما بعد الاستعمار
وما تعيشه الأمة اليوم من حالة الغثائية ليس حادثة منفصلة عن سياقها، ولا نتيجة جيل واحد، بل هو محصلة تاريخية ممتدة داخل كتلة جغرافية وسياسية بدأت عوامل النخر والتحلل تتسلل إليها منذ قرون عديدة. فبعض جذور اللحظة الراهنة يمكن أن يمتد إلى أزمات الحكم في دولة بني العباس أو بني أمية، كما يمكن أن يُرى في اختلال إدارة الدولة العثمانية لتحولات العالم الحديث، أو في علاقتها بمحيطها العربي، أو في سياسات ما بعد الاستعمار، أو حتى في أنماط التربية والوعي التي انتقلت عبر الأجيال.
التاريخ الطويل بدل قراءة اللحظة: درس من مدرسة “الحوليات“
وقراءة الواقع لا تستقيم بمنطق اللحظة المعزولة، وإنما بما يسميه مؤرخو مدرسة الحوليات الفرنسية بـ “التاريخ الطويل”، أي إدراك أن ما يحدث الآن لم يحدث الآن، بل هو نتيجة طبقات متراكمة من التحولات والبنى والعلاقات التي اشتغلت بصمت عبر أزمنة ممتدة.
لا قدرية مريحة: الفرد وسلاسل إعادة إنتاج الضعف
طبعًا لا بد أن نقر بأن هذا الإدراك لا ينبغي أن يتحول إلى قدرية مريحة تعفي الفرد من مسؤوليته، فالسلسلة لا تستمر من تلقاء نفسها، بل تحتاج دائمًا إلى من يعيد إنتاجها، وجزء من معادلة الضعف القائمة يصدر عن الأفراد أنفسهم حين يكرسون، بوعي أو بغير وعي، شروط العجز القائمة، ثم يورثونها للجيل اللاحق بعد أن يضيفوا إليها أثقالًا جديدة.
“الطوفان” كاشفًا لا مُنتهيًا: بين الحركة والفاعلية في السياق
والطوفان قام بتعرية الأمة وهذا صحيح، وأثبت ضعفها وهذا صحيح، وكشف مواطن الاختراق الخارجي لفعاليتها وهذا واضح. لكن عندما تقرأ الأفعال في إطار السياق، فلن ترى بأن الأمة خلال الطوفان كانت ساكنة أو ميتة بل تحركت فعلًا، وكان تحركها معتبرًا إذا قيس بخصوصية السياق الذي خرجت منه. لقد تحركت في ظل فراغ تنظيمي وتربوي وإعدادي هائل، وتحرك المجتمع الإسلامي أساسًا كمجتمع أفراد متعاطفين، لا كمجتمع مؤسسات وكيانات منسقة. كان هنالك اندفاع وجداني واسع، لكن دون إطار جامع يحول الطاقة المتفرقة إلى فعل تاريخي متماسك. ولكنك تجد الآلاف وربما الملايين بذلوا الكثير من أجل إخوانهم، بل إن كثيرًا ممن تراهم اليوم بين الحجيج قد يكونون ممن بذلوا أموالهم وأوقاتهم وجهودهم خلال الطوفان، وسعوا بما استطاعوا، كلّ من موقعه وحدود قدرته، وفيهم أيضًا من أقعدهم العجز، لا الخذلان؛ أولئك الذين لو فُتحت لهم الطرق، ولو امتلكوا القدرة والوسيلة، لوجدتهم في ميادين البذل والاشتباك أسودًا لا متفرجين.
بين الحجيج والصائمين: مشهد مركب لا يختزل بعبارة واحدة
يحج إلى بيت الله كل عام بضعة ملايين، ويصوم في رمضان مئات الملايين، ويقف للصلاة كل يوم مثلهم، ويرفع الدعاء لله أضعافهم. ومن هؤلاء من يحركه إيمانه فعلًا، ومنهم من يخبو فيه أثر الإيمان أو يضعف، والله أعلم بعباده وبمقادير ما في قلوبهم. وتذكير الناس بواجب النصرة في مواسم الخير واجب لا ينبغي تركه، كما أن شعور المؤمن بالتقصير علامة حياة. لكن اختزال كل هذا المشهد المركب في عبارات من قبيل “غثاء كغثاء السيل” ليس فهمًا سننيًا للتاريخ ولا للمجتمعات.
نقد المنطق “الكمامجي”: الأعداد وحدها لا تنتج فاعلية حضارية
وعلينا الكف عن التفكير بالمنطق “الكمامجي”، منطق الكميات المجردة، فكما سبق وذكرت، لا تتحول الأعداد وحدها إلى فاعلية حضارية بصورة آلية. التاريخ يتحرك دائمًا عبر نخب قادرة على قراءة واقعها قراءة دقيقة، وفهم موازين القوة والضعف داخله، ثم التفاعل معه بالأدوات والآليات التي تنتج أثرًا حقيقيًا في الواقع.
المشكلة ليست في غياب الطاقة وحدها، بل في غياب الخريطة والمنهج
المشكلة ليست في غياب الطاقة البشرية وحدها (وإن كان عند الصهاينة المثال)، المشكلة في غياب خريطة الفعل ومنهج التحرك والبناء الطويل. وحين تجعل التغيير قريبًا من عين الناس/مفهومًا/ممكنًا، وتقدم لهم مسارات واضحة للفعل، ستكتشف أن الجماهير التي تبدو خاملة قادرة على أن تتحرك بقوة هائلة.
الناس لا تتحرك بالنداء فقط، بل بالطريق
يا رفيق، الناس لا تتحرك فقط لأنها سمعت النداء، بل لأنها رأت الطريق الذي يمكن أن تمشي فيه، ورأت أن فعلها لن يضيع في الفراغ.
المصدر
صفحة نور الإسلام بن عباس، على منصة ميتا.


