لماذا قرن النبي ﷺ المرأة الصالحة باللسان الذاكر والقلب الشاكر، وكأنها من أعظم النعم التي إذا رزقها الله عبداً امتلأ قلبه شكراً وانطلق لسانه ذكراً؟ وكيف يمكن لرجلٍ أن يملك مالاً كثيراً ولا يعرف طعم السكينة، بينما آخر لا يملك من الدنيا إلا القليل لكنه يجد في بيته زوجةً تُسره إذا نظر إليها، وتحفظه إذا غاب عنها، وتعينه على طاعة ربه؟ وقفةٌ مع حديثٍ نبويّ يُعيد تعريف الغنى، ويكشف أن الكنوز الحقيقية ليست ما يُحفظ في الخزائن، بل ما يملأ القلب سكينة، والبيت دفئاً، والحياة معنى.
السؤال الذي غير مفهوم الكنز
تأملتُ في حديثين للنبي ﷺ، فوجدت أن أحدهما يفسر الآخر تفسيراً بديعاً.
فلما نزل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم، فسألوا رسول الله ﷺ: أيَّ المال نتخذ؟
كان السؤال عن الكنز… عن أعظم ما يقتنيه الإنسان ويدخره لنفسه.
جواب النبي ﷺ يغيّر مفهوم الغنى كله
لكن النبي ﷺ لم يذكر ذهباً، ولا فضة، ولا أرضاً، ولا تجارة، وإنما قال: «لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزَوجةً مُؤْمِنَةً تعينُ أحدَكُم علَى أمرِ الآخِرةِ»1أخرجه ابن ماجة (1856) واللفظ له، والترمذي (3094)، وأحمد (22392) بنحوه..
وقال ﷺ في حديثٍ آخر: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»2أخرجه مسلم (1467)..
السر في قرن المرأة الصالحة باللسان الذاكر والقلب الشاكر
وتأملتُ طويلاً في هذا الربط. فالنبي ﷺ قرن المرأة الصالحة باللسان الذاكر والقلب الشاكر، وكأنها من أعظم النعم التي إذا رزقها الله عبداً امتلأ قلبه شكراً، وانطلق لسانه ذكراً.
ولعل هذا هو السر في أنه ﷺ لم يقل: خير متاع الدنيا الكنوز، أو الوجاهة والمكانة الاجتماعية، ولا كثرة الأموال والأولاد، أو حتى المرأة الجميلة، أو الغنية، أو ذات الحسب، وإنما قال: المرأة الصالحة.
وصف صلاحها بأثرها في بيتها وزوجها
ثم عندما وصف المرأة الصالحة؛ لم يصفها هنا بكثرة صيامها، ولا بقيام ليلها، ولا بطول تلاوتها للقرآن، مع أن هذه من أجلِّ القربات، وإنما وصف أثر صلاحها في بيتها وزوجها، فقال: «إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله»3رواه أبو داود والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد..
وكأن النبي ﷺ يريد أن يلفت الأنظار إلى أن من أعظم مظاهر صلاح الزوجة أن تكون سكنًا لزوجها، وأن تجعل بيته موطناً للراحة، لا ميداناً للصراع، وأن يكون همها أن تعينه على دينه ودنياه.
المرأة الصالحة.. متاع لا تنطفئ لذته
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها سنين كثيرة، وهي متاعه.”
وتأمل قوله: “سنين كثيرة”. فالمرأة الصالحة لا تُحسن إلى زوجها في موقف، ولا في يوم، ولا في بداية الحياة الزوجية فحسب، وإنما تجعل من سنوات العمر كلها صحبةً طيبة، تُدخل فيها السرور إلى قلبه، وتتجمل له، وتحفظ نفسها وماله، وتؤثر استقرار بيتها على كثيرٍ من حظوظ نفسها.
المتاع الحقيقي ما تنتفع به كل يوم
ولعل هذا هو المعنى الذي جعلها خير متاع الدنيا. فالمتاع ليس ما يبهرك لحظة، ثم تنطفئ لذته، وإنما ما تنتفع به كل يوم، وتجد معه السكينة كلما رجعت إليه.
ولهذا كان الرجل إذا رزقه الله زوجةً صالحة، وجد في بيته راحةً لا يشتريها مال، وطمأنينةً لا يصنعها جاه، وسكينةً لا يمنحها منصب.
ليست معصومة ولكنها تؤثر البيت على نفسها
وليس المقصود أنها لا تغضب، أو أنها لا تخطئ، فكل بني آدم خطاء، ولكنها إذا تعارض انتصار نفسها مع سعادة بيتها، آثرت بيتها، وإذا تعارض الكبر مع المودة، اختارت المودة، وإذا استطاعت أن تُدخل السرور إلى قلب زوجها، فعلت ذلك ابتغاء وجه الله قبل كل شيء.
الكنوز الحقيقية ليست ما يُحفظ في الخزائن
وهنا نفهم لماذا جعلها النبي ﷺ من أعظم ما يملكه الإنسان، ولماذا قرنها باللسان الذاكر والقلب الشاكر.
فكم من رجل يملك مالاً كثيراً ولا يعرف طعم السكينة. وكم من رجل لا يملك من الدنيا إلا القليل، لكنه إذا عاد إلى بيته وجد زوجةً تُسره إذا نظر إليها، وتحفظه إذا غاب عنها، وتعينه على طاعة ربه، فيشعر أنه يملك خير متاع الدنيا.
الزوجة الصالحة من أعظم أرزاق الله
ولذلك كان الصحابة يعدون الزوجة الصالحة من أعظم أرزاق الله، ومن أجلِّ النعم التي تستوجب دوام الحمد والشكر.
ولهذا كان جواب النبي ﷺ للصحابة جواباً يغيّر مفهوم الغنى كله… فالكنوز الحقيقية ليست دائمًا ما يُحفظ في الخزائن، وإنما قد تكون قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجةً صالحةً تعين صاحبها على أن يلقى الله بقلبٍ سليم.
الهوامش
- أخرجه ابن ماجة (1856) واللفظ له، والترمذي (3094)، وأحمد (22392) بنحوه.
- أخرجه مسلم (1467).
- رواه أبو داود والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد.
المصدر
صفحة محمد جاد، على منصة ميتا بتصرف.


