كيف يمكن لآيةٍ واحدةٍ أن تكون ميزاناً فاصلاً بين الصادقين في دعوى محبة الله والكاذبين فيها، حتى سمّاها بعض العلماء “آية الامتحان”؟ ولماذا لا يكفي الإنسان أن يدّعي حب الله ورسوله بلسانه، بينما يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، أو يحكم بغير ما أنزل، أو يوالي أعداء الله ويعادي أولياءه؟
تفسير الآية.. ميزان المحبة الصادقة
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: “هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، حَتَّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ الْمُحَمَّدِيَّ وَالدِّينَ النَّبَوِيَّ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ”1أخرجه البخاري (2697) ومسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.
وقال الحسن البصري: “زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية”.
وكان بعض العلماء يسمون هذه الآية آية الامتحان.
اتباع الرسول دليل محبة الله
وبعد أن تبين لنا من تفسير هذه الآية ما تبين فيحسن أن نقف في ضوء هذه الآية على ما يلي:
الإخلاص لله والموافقة للشرع
أولاً: من المسلمات المعلومة في صحة العبادة وقبولها عند الله عز وجل أنه لابد في ذلك من شرطين:
- أن تكون خالصة لوجه الله عز وجل.
- أن تكون موافقة لما شرعه الله عز وجل أو شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو تخلف أحد الشـرطين لما صحت العبادة ولا قبلها الله عز وجل، وهذه الآية تنص على شرط الاتباع؛ وأنه علامة على محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وشرط في قبول العمل.
ثانياً: أن ادعاء محبة الله عز وجل ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس باللسان والادعاء، وإنما بما يقوم في القلب من صدق المحبة والإخلاص وإقامة الشاهد على ذلك بانقياد الجوارح واتباعها وطاعتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: من يدعي محبة الله عز وجل ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا ينقاد ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فمحبته كاذبة ومردودة، كما يعد كاذبًا في ادعائه المحبة من يبتدع من الأقوال والأعمال ما لم يشرعه الله عز وجل ولم يشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم وتعبد بها.
من هم الأدعياء الكذبة في دعوى المحبة؟
أولاً: يدخل فيمن يدعي محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم كاذباً كل من ابتدع في العقيدة ما لم يأذن به الله كأهل الأهواء والبدع من جهمية، ومعتزلة، وقدرية، وخوارج، وغيرهم. وكل من ابتدع بدعة من الأذكار الشركية أو ابتدع أعياداً، أو طريقة في أداء الأذكار والعبادات لم يشـرعها الرسول صلى الله عليه وسلم كالصوفية وغيرهم، فهم وإن ادعوا محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فهم كاذبون في ادعائهم.
ثانياً: كما يدخل في أولئك الأدعياء الكذبة دخولاً أولياً أولئك الطواغيت الذين يحكمون شعوبهم بغير ما أنزل الله، ويوالون أعداء الله، ويعادون أولياء الله؛ وإن ادعوا أنهم يحبون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويقيمون الاحتفالات والأعياد بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم وليلة الإسراء والمعراج، والهجرة، وغيرها.
ثالثاً: ادعاء الرافضة المشركون أنهم يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم وابن عمه علي رضي الله عنه وسبطيه الحسن والحسين إنما هو ادعاء فاجر كاذب، إذ هم بشركهم في الربوبية والألوهية، وبغضهم لشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم، هم بذلك أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقرابته المتبعين، وصحابته المهتدين. وهذه الآية تفضحهم وتعري شركهم وكذبهم وفجورهم.
الهوامش
[1] أخرجه البخاري (2697) ومسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.


