الموتة الصغرى

كيف يمكن للإنسان أن ينام كل ليلة مطمئناً، وكأن الاستيقاظ في الصباح حق ثابت لا منحة يمكن أن تُحجب؟ وما الذي يحدث لجسدك حين تضع رأسك على الوسادة، فتُشل عضلاتك، وينقطع وعيك عن العالم، وتنفصل عن أقرب الناس إليك، دون أي ضمان أنك ستعود بعدها؟ وهل النوم مجرد راحة للجسد، أم أنه صورة يومية مصغرة للموت؟

النوم.. انقطاع دوري نشط للوعي دون ضمان العودة

ذلك الموعد المحدد الذي يتعطل فيه وعيك بالكامل، وتُشل معظم عضلاتك، وينقطع اتصالك بالعالم ساعات طويلة… دون أي ضمان أنك ستعود بعدها.

هذا يا صديقي ليس وصفاً لحالة مرضية ولا لعملية جراحية بالغة الخطورة. إنها تجربة يوافق عليها كل انسان بإرادته… كل يوم وليلة. هذا هو النوم.. ذلك اللغز اليومي الذي ألفه البشر حتى كفوا عن الدهشة منه.

علم الأعصاب يصف النوم بأنه انقطاع نشط للوعي

في علم الأعصاب، يوصف النوم بأنه انقطاع دوري نشط للوعي. ما إن تضع رأسك على الوسادة حتى تبدأ سلسلة دقيقة من التغيرات المدهشة.. تتبدل أنماط نشاط الدماغ، وتُثبَّط العضلات الإرادية بآلية بيولوجية محكمة حتى لا تتحول الأحلام إلى حركات حقيقية، ويتباطأ النبض، وتنخفض حرارة الجسد، وينفصل إدراكك عن العالم المحيط إلى الحد الذي قد يناديك فيه أقرب الناس إليك فلا تعود إليهم إلا إذا قُدر للجسد الاستيقاظ.

جسم ساكن يتنفس في هدوء… ووعي غائب تماماً.

رغم كل هذه التفاصيل المهيبة، يضع الإنسان رأسه على الوسادة كل ليلة مطمئناً، كأن الاستيقاظ في الصباح حق ثابت، لا منحة يمكن أن تُحجب في أي ليلة.

سورة الزمر تصف النوم كموتة صغرى

سورة الزمر تصف المشهد كله بصورة مختلفة توقع المهابة الحقيقية لهذه الحالة: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

لفظ “يتوفى” يوقع أهم أثر لتدبر هذه الحالة.. التوفي في أصله اللغوي هو الأخذ كاملاً، والاستيفاء التام. وكأن النوم ليس مجرد راحة للجسد ولكنه صورة يومية مصغرة للموت. الأرواح تُقبض جميعاً، ليلة تُقبض الأرواح.

الإمساك والإرسال.. القرار الإلهي في كل ليلة

ثم يقع الفرز: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾. يا لها من عبارة مهيبة.

يمسكها فلا تُعاد إلى الجسد.. لا تستأنف مشروعاً ولا تكمل حديثاً انقطع. لا تعتذر لأحد ولا تؤجل توبة أخرى. لقد انتهت الرحلة.

الإرسال: تعود لأن الإذن صدر

وفي اللحظة نفسها… تُرسل أرواح أخرى: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

تُفتح العينان مع أول خيط من الصباح. تمتد اليد إلى الهاتف.. يتذمر من صوت المنبه. يفكر في ازدحام الطريق، أو في قائمة أعماله الطويلة ولا يخطر بباله أن استيقاظه هذا الصباح لم يكن أمراً تلقائياً. لقد عاد لأن الإذن بالعودة صدر. ولو شاء الله لأصبحت الوسادة فراشاً أخيراً، ولتحول هذا النوم الهادئ إلى بداية حياة أخرى لا تشبه كل ما قبلها.

دعاء النبي ﷺ.. تفسير عملي لحقيقة النوم والموت

لهذا كان دعاء النبي ﷺ بين يدي هذه الحالة كأنه تفسير عملي للآية: «باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.»

كأن المسلم يسلّم روحه كل ليلة، ثم ينتظر القرار. إمساك… أو إرسال. موتة كبرى… أو موتة صغرى يعقبها أجل جديد.

لم يقل “إن أيقظتني” بل “إن أمسكت نفسي”

هكذا قطعت كلماته الجامعة لم يقل: إن أيقظتني، ولم يقل: إن أنمتني. لقد بدأ بـ «فإن أمسكت نفسي…». كأن المسلم، قبل أن يغمض عينيه، يعترف أن الليلة قد تكون الأخيرة. وأن الاستيقاظ في الصباح ليس نتيجة منبهٍ جيد، ولا قلبٍ سليم، ولا جسدٍ قوي. فقط استيقظ لأنه كان من الأرواح التي كُتب لها أن تُرسل مرة أخرى.

كم يبدو الاستيقاظ أمراً عادياً.. والحقيقة أنه عودة من الموت

كم يبدو الاستيقاظ أمراً عاديًا! رنين المنبه.. كوب القهوة.. ازدحام الطريق… بينما الحقيقة أن الإنسان قد عاد لتوه من رحلة لم يكن يملك قرار الرجوع منها.

كل صباح هو بمثابة منحة جديدة. تمديد لعقد الإقامة في هذه الدنيا وفرصة أُضيفت إلى الرصيد. ورقة أخرى في دفتر العمل وباب ما زال مفتوحاً لمن أراد أن يعود. لتوبة تأخرت، أو مظلمة لم تُرد، أو عمل صالح لم يُكتب بعد.

المتيقظون يعدون الاستيقاظ نعمة لا عادة

لهذا كان المتيقظون يعدّون الاستيقاظ نعمة، لا عادة. الذي عاد من النوم… هو ببساطة قد عاد من الموتة الصغرى… أما من أُمسكت روحه… فلن يوقظه إلا نداء آخر: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.

الخاتمة.. جاهزية القلب لا جودة الوسادة

لهذا… قد لا يكون آخر ما يحتاجه الإنسان قبل أن يغفو أن يطمئن إلى جودة فراشه… هو يحتاج أن يطمئن إلى حال قلبه، وهو يسلّمه كل ليلة إلى من بيده الإمساك والإرسال.

أن يتساءل عن جاهزيته للاحتمال الآخر.. أو على الأقل محاولة التجهز.

المصدر

صفحة محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

الموت.. قلب الصفحة لا نهاية القصة

الأمن عند الموت وبعده

التعليقات معطلة