تصميم صور المنشورات 9 1

كيف يمكن لكتابٍ نحمله بين أيدينا، ونرتله في ليالينا، وتبكي له قلوبنا حين نسمعه، أن يظل بعيداً عن الطريقة التي نرى بها الحياة؟ وماذا لو كان التدبر الحقيقي ليس أن تشعر بشيء عند قراءة الآية؟ وقفةٌ مع حلقة “القرآن والسياسة” للدكتور محمد النوباني، التي تعيد تعريف التدبر، وتكشف أن أزمتنا مع القرآن ليست أننا لا نقرؤه، بل أننا لا نسمح له أن يغيّر الطريقة التي نرى بها الحياة.

أزمتنا مع القرآن.. ليست في قلة القراءة بل في غياب التأثير

لم تكن أزمتنا مع القرآن أننا لا نقرؤه كثيراً… لكن أزمتنا الحقيقية أننا لا نسمح له أن يغيّر الطريقة التي نرى بها الحياة؟

قد يوجد بيننا من يخشع عند سماعه، ويرقّ لآياته، ويبحث فيه عما يطمئن قلبه حين تضيق به الدنيا، قد يكون أكثرنا مر بهذه الحالة أكثر من مرة، لكننا حين نريد أن نعرف مَن الناجح ومَن الخاسر، وما الإكرام وما الإهانة، وكيف تُبنى المجتمعات، وكيف نفهم السياسة والاقتصاد والصراع وحركة التاريخ؛ نذهب فنستعير موازيننا من عالم صاغ معاييره بعيدًا عن القرآن!

التدبر المنهجي البنائي.. أن تسأل القرآن أسئلة واقعك

بدأ الدكتور من مفهوم نظن أننا نعرفه جيدًا: التدبر. لكن التدبر كما عرضه لم يكن أن تقرأ آية فينقدح في نفسك معنى جميل، ولا أن يرقّ قلبك لصوت قارئ، ولا أن تبكي حين تسمع وصف الجنة والنار؛ فهذا كله خير، لكنه يظل «تنزلًا لحظيًا» قد يمر بالقلب ثم لا يغيّر شيئًا في طريقة تفكيره أو حياته.

أما «التنزل المنهجي البنائي» فهو أن تعيش عمرك تسأل القرآن، وأن ترجع إليه بأسئلة واقعك وحيرتك وضعفك، وأن تضع بين يديه أفكارك ومعاييرك، لا لتأخذ منه ما يوافق ما استقر في نفسك، وإنما لتسمح له أن يهدم فيك ما ينبغي هدمه، ثم يعيد بناءك على مراد الله.

فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا شعرت عندما قرأت الآية؟ بل: ماذا غيّرت الآية فيك؟ أي معنى انتزعته من داخلك؟ وأي ميزان أقامته مكانه؟ وكيف كنت تنظر إلى الدنيا قبلها، وكيف صرت تنظر إليها بعدها؟

ترتيب النزول.. بناء الإنسان قبل تحميله الرسالة

  • خمس سور تغير مسار الإنسان

ومن هنا يأخذك الدكتور إلى ترتيب نزول القرآن، لتدرك أن الله لم يُنزّل على الجيل الأول أحكامًا متناثرة، ولم يحمّلهم الرسالة دفعة واحدة، وإنما كان يبنيهم سورة بعد سورة، ويوسّع قدرتهم على حمل التكليف حتى يتهيؤوا لـ«القول الثقيل».

فالعلق، والقلم، والمزمل، والمدثر، والفاتحة لم تكن مجرد خمس سور نزلت في البداية، بل كانت كتلة بنائية كاملة تُنشئ إنسانًا جديدًا.

  • المزمل والمدثر والقلم.. إعداد وتثبيت وإنذار

في المزمل كان إعداد الليل لما سيحمله النهار؛ قيام وخلوة وذكر وتبتل، حتى يتكوّن في هدوء الليل قلب يستطيع أن يثبت وسط صخب المواجهة.

وفي المدثر ينتقل هذا الإنسان من البناء الداخلي إلى النهوض والإنذار، ويخرج لمواجهة ثقافة جمعية راسخة، لا يملك أمام قوتها المادية والإعلامية إلا يقينه بالله واستقلاله عن معاييرها.

ثم تأتي سورة القلم مبكرًا جدًا لتحذره من أول طريق الذوبان: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. فالباطل قد لا يطلب منك أن تتخلى عن الحق كله، وإنما أن تتنازل قليلًا، ثم يتنازل هو قليلًا، حتى تفقد فكرتك حدّها، ويفقد مشروعك استقلاله، وتصبح جزءًا من المنظومة التي جئت لتغيّرها.

والحقيقة أن هذا المعنى وحده كفيل بأن يعيد الإنسان إلى كثير من مواقفه ويسأله: كم مرة سمّى تراجعه حكمة؟ وكم مرة سمّى ذوبانه مرونة؟ وكم مرة بقي معه اسم الحق بعد أن فرّط في مضمونه؟

سور تغيّر الميزان.. الفجر والتكاثر والكوثر

ثم تأخذك الحلقة إلى سورة الفجر، فلا تعود تراها بعد ذلك بالطريقة نفسها. فالسورة تمر بك على عاد وثمود وفرعون؛ حضارات امتلكت القوة والعمران، ونحتت الصخر، وشيدت ما يملأ العيون رهبة وانبهارًا، لكن القرآن لا يسمح لك أن تجعل التقدم المادي وحده دليل نجاحها؛ لأنها حين قامت على الطغيان والفساد كان مصيرها الهلاك.

ثم تهدم السورة ميزانًا آخر مستقرًا في نفوسنا: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾، فيأتي الرد بكلمة واحدة قاطعة: ﴿كَلَّا﴾. فليس كل من وُسع عليه في رزقه مُكرمًا، ولا كل من ضُيق عليه مُهانًا. الإكرام ليس فيما اجتمع في يدك، وإنما فيما صارت إليه نفسك، حتى يكون ختام السورة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾.

  • التكاثر والكوثر.. تعريف آخر للزيادة

وكذلك التكاثر والكوثر؛ سورتان تتحدثان عن الزيادة، لكن إحداهما زيادة تلهي صاحبها حتى يتركها خلفه ويدخل قبره، والأخرى زيادة من الله يبقى أثرها ولا ينقطع. وهنا يغيّر القرآن في مفهومك تعريف الزيادة؛ فقد يكون ما تراه كثيرًا هو عين النقص، وقد يكون ما يبدو قليلًا ممتدًا عند الله لا ينفد.

القرآن يبني المجتمع والسياسة.. أرقام مذهلة

المستوى 3: أكثر من 500 مصطلح للبناء الجمعي و1300 للمشاعر

المستوى 4: القرآن ليس كتاب تعبد فردي بل مشروع بناء أمة

كل هذا كان تمهيدًا للمعنى الأكبر في الحلقة: أن القرآن ليس كتابًا يبني التعبد الفردي ثم يترك المجتمع والسياسة والاقتصاد للمرجعيات الأخرى.

وذكر الدكتور أرقامًا مدهشة؛ أكثر من خمسمائة وخمسين مصطلحًا متعلقًا بالبناء الجمعي والاجتماعي، وأكثر من ألف وثلاثمائة مصطلح يتصل بالمشاعر الإنسانية، وألف ومائة وسبع عشرة آية تتحدث عن المال والاقتصاد، وآلاف الآيات التي ترعى العملية السياسية. أي إن القرآن الذي حصرناه أحيانًا في بعض أحكام الصلاة والصيام، كان يشرح النفس، ويبني المجتمع، ويضبط المال، ويفكك السلطة، ويكشف مناهج الخصوم، ويرسم للأمة طريقها في التاريخ.

الشخصيات القرآنية.. مسميات وظيفية لا أسماء مضت

ومن أمتع ما عرضه الدكتور أن القرآن لا يقدّم لنا الشخصيات التاريخية باعتبارها أسماء مضت، وإنما يمنحنا من خلالها «مسميات وظيفية» نستطيع أن نقرأ بها شخوص الواقع.

ولهذا سمّى النبي ﷺ أبا جهل «فرعون هذه الأمة»؛ لأن فرعون ليس مجرد رجل عاش ثم مات، وإنما وظيفة تتكرر: سلطة تستعلي، وتصنع حولها رواية، وتستخدم المال والإعلام والخوف حتى تستقر في نفوس الناس قبل أن تستقر فوق أرضهم.

معركة موسى وفرعون.. تفكيك المنظومة من الداخل

ومن هنا جاءت قراءة معركة موسى عليه السلام مع فرعون مختلفة وعميقة؛ فموسى لم ينتظر لحظة سقوط فرعون، وإنما بدأ يفكك منظومته من الداخل.

السحرة كانوا أداته الإعلامية التي تسحر أعين الجماهير وتمنح باطله صورة القوة، وحين آمنوا برب موسى وهارون لم يخسر فرعون مجموعة من الرجال فقط، بل خسر السلاح الذي كان يصنع به وعي الناس.

الاختراق يصل إلى داخل القصر

ثم بدأ الاختراق يصل إلى داخل القصر نفسه؛ امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وغيرهما، حتى أخذت أسطورة الألوهية تتآكل في دائرته الأقرب، وسقطت هيبته في النفوس قبل أن يسقط جسده في الماء.

وكذلك كان ثبات بلال وخباب رضي الله عنهما؛ لم يكن صبرًا فرديًا على الأذى فقط، بل كان هدمًا لمعنى العبودية الذي قامت عليه قريش. فالعبد الذي ظن سيده أنه يملك جسده وقلبه، أعلن بثباته أن في داخله مساحة لا يملكها إلا الله، وأن كل قوة قريش أعجز من أن تنتزع منه «أحدٌ أحد».

ومن هنا تبدأ في إدراك أن القصص القرآني لم يُذكر حتى نعرف فقط ماذا وقع للأمم السابقة، بل حتى نعرف لماذا وقع، وما القانون الذي حكم وقوعه، ومتى يتكرر فينا المصير نفسه.

الوحدة الموضوعية.. كيف يُبنى الفهم الصحيح للقرآن؟

ثم يفتح الدكتور بابًا آخر لفهم القرآن من خلال الوحدة الموضوعية؛ فلا تُبنى رؤية القرآن للاقتصاد أو السياسة أو الجماهير من آية واحدة ننتزعها من موضعها، وإنما بجمع الآيات والمفردات، والنظر في ترتيب نزولها، وفي المرحلة التي قيلت فيها، وفي الأولوية التي أخذتها في مكة ثم في المدينة.

الحكم ثابت لكن الأولوية تتغير

فقد يبقى الحكم ثابتًا، لكن تتغير أولويته بحسب حال المجتمع ومرحلة بنائه. ولهذا ذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يُلغِ سهم المؤلفة قلوبهم كما يُشاع، وإنما تغيّر موقعه في سلم الأولويات حين قوي الإسلام، فلم تعد الحاجة إليه كالحاجة التي كانت موجودة في مرحلة الضعف والتأسيس. وهذا يفرق بين فقه يحافظ على النص ويفهم حركة الواقع، وفقه يجمّد كل شيء في موضع واحد، أو على العكس يتخلص من النص كلما تغير الواقع.

السياسة في القرآن.. من بناء الدعوة إلى تداول السلطة

ثم تنتقل الحلقة إلى السياسة، لكن ليس من باب الوصول إلى السلطة كما اعتدنا أن نفهمها، وإنما من أول لحظة في بناء الدعوة. فسورة عبس مثلًا لم تكن عتابًا عابرًا فقط، وإنما كانت تعيد تعريف «النخبة» في عقل صاحب الرسالة؛ فالنخبة وفق ميزان قريش هم أصحاب الجاه والنفوذ المجتمعون في دار الندوة، أما القرآن فيصرف النظر عنهم إلى رجل أعمى جاء يسعى وهو يخشى. كأن السورة تقول له منذ البداية: لا تبنِ مشروعك على من يملك الجاه لمجرد جاهه، ولكن على من يملك صدق الإقبال والاستعداد لحمل الحق.

الاستراتيجية بالوحي والأدوات بالشورى

ثم يفرق الدكتور بين الاستراتيجية والأداة؛ فالاستراتيجيات الكبرى في حياة النبي ﷺ كانت تُحدَّد بالوحي: بدء الدعوة، والهجرة، والانتقال من مرحلة إلى أخرى، والإذن بالقتال. أما الأدوات والتكتيكات التي تحقق هذه الاستراتيجيات فكانت محلًا للشورى والاجتهاد. وهذا التفريق يحفظ الثابت من أن يصبح لعبة في يد الواقع، ويحفظ المتغير من أن يتحول إلى نص جامد لا يجوز الاقتراب منه.

السياسة لا تكتمل بدون دراسة عهد الخلفاء الراشدين

ولأن بعض القضايا السياسية لا يمكن أن تظهر في حياة النبي ﷺ بسبب عصمته وخصوصية مقام النبوة، كأحكام البغي وتداول السلطة، فإن فهم السياسة الإسلامية لا يكتمل من غير دراسة عهد الخلفاء الراشدين؛ حيث انتقلت الخلافة من أبي بكر إلى عمر ثم عثمان وعلي، وظهرت أحكام البغي في صدر الإسلام الأول، وتكونت إجماعات سياسية كثيرة أصبحت من أصول هذا الباب.

سورة الماعون.. الصلاة التي لا تنفع دون رحمة

لكن السياسة في القرآن لا تنفصل عن المجتمع، والمجتمع لا تُصلحه الشعارات ما لم تُصلحه العبادة؛ ولهذا كانت وقفة الدكتور مع سورة الماعون من أجمل وقفات الحلقة.

فالسورة تبدأ بالتكذيب بالدين، ثم لا تأخذك إلى جدل عقدي طويل، وإنما تشير مباشرة إلى إنسان يدعّ اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، ثم تنتقل إلى الصلاة والماعون.

وكأنها تقول إن الخلل في علاقتك بالضعفاء ليس أمرًا هامشيًا بعيدًا عن إيمانك، وإن الصلاة التي لا تزرع فيك رحمة ولا تدفعك إلى عون الناس قد فقدت روحًا عظيمة من معناها. فالقرآن لا يريد عابدًا ينجو وحده ويترك المجتمع تمزقه الطبقية والقسوة، وإنما يبني بالعبادة إنسانًا يحمل هم غيره، ثم يبني به مجتمعًا تتصل فيه السجدة بالرحمة، والعقيدة بالمسؤولية، والإيمان بالماعون الذي يحتاج إليه الناس.

الظلمات الثلاث.. حرب النفس والدنيا والشيطان

وفي أثناء كل هذا البناء لا يغفل القرآن عن المعركة التي تقع داخل الإنسان نفسه؛ تلك التي سمّاها الدكتور «الظلمات الثلاث»: حظ النفس، وحظ الدنيا، وحظ الشيطان.

فقد تعرف الحق ثم يمنعك حظ نفسك من قبوله، وقد تعرف الطريق ثم يفتنك بريق الدنيا، وقد يجد الشيطان في نفسك ودنياك المدخل الذي يفسد به قصدك وعملك.

ولهذا تأتي سورة الزخرف لتفكك الافتتان بالمظاهر، وتحرر الإنسان من ذلك البريق الذي يجعله يظن أن ما يلمع لا بد أن يكون حقًا، وأن من ملك متاع الدنيا فقد امتلك معيار النجاح.

والحقيقة أنك بعد هذه المعاني تفهم لماذا يبدأ بناء الأمة من داخل الإنسان؛ لأن من لم يتحرر من زخرف الدنيا سيحاول أن يصنع مشروعًا يشبه العالم الذي أسره، ومن لم يتحرر من حظ نفسه سيطلب نصرة الحق بشرط أن يكون هو في مركزه.

ومن النفس ينتقل اللقاء إلى الصراع من حولها، فيضع الشيطان في مركز منظومة العداء، لا باعتباره معنى غيبيًا بعيدًا عن حركة الواقع، بل باعتباره صاحب استراتيجيات ومداخل شرحها القرآن في مئات المواضع، حتى لا يدخل المؤمن معركته وهو لا يعرف كيف يُستدرج، وكيف تُحرّك شهوته، وكيف يُنزغ بينه وبين إخوانه.

الصراع مع المشروع الصهيوني في ضوء سورة الإسراء

ثم يفرق الدكتور في قراءته بين صراعٍ ذي طبيعة دورية مع الروم، تظهر فيه الغلبة والضعف ثم تعود القوة من جديد، وصراع مرتبط بالإفساد والاستخلاف مع بني إسرائيل كما تعرضه سورة الإسراء. ويرى أن الإفساد الأول وقع في المدينة في عهد النبي ﷺ، وأن الإفساد الثاني هو ما نعيشه اليوم مع المشروع الصهيوني، ومن هنا قرأ سورة الإسراء باعتبارها خريطة لبناء الجيل الذي يواجهه.

عبودية تصنع بأساً وبأس تحكمه العبودية

وتوقفت كثيرًا عند وصف هذا الجيل: ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. فلم يصفهم بالقوة وحدها حتى لا تصبح قوة عمياء، ولم يصفهم بالعبودية وحدها بمعنى الانسحاب من الأخذ بأسباب الأرض، وإنما عبودية كاملة تصنع بأسًا، وبأس شديد تحكمه العبودية لله.

إساءة الوجوه.. تفكيك الرواية والمنظومة

ثم تحدث عن «إساءة الوجوه» بوصفها تفكيكًا كاملًا للرواية والمنظومة التي صنعها المشروع الصهيوني عبر زمن طويل، وأن المواجهة لا يمكن أن تبقى عسكرية أو جغرافية فقط، بل هي التحام فكري وسياسي وأخلاقي وإعلامي واقتصادي، يعيد للأمة روايتها ويهدم سلطة العدو في الوعي قبل أن يهدم وجوده في الأرض.

غزة.. نموذج كشف كذب المعايير الغربية

ومن هنا قرأ ما صنعته غزة بوصفه «نموذجًا» لم يواجه القوة المادية وحدها، بل كشف كذب المعايير التي طالما قدمتها الحضارة الغربية باعتبارها قيمًا عالمية؛ فإذا بالمؤسسات والشعارات والمواثيق كلها تتراجع حين تصبح العدالة في مواجهة المصلحة. لم تغيّر غزة صورة الصراع فقط، بل غيّرت صورة العالم في أعين كثير من الناس.

استراتيجية التعزيز الإيجابي

ومع ذلك فإن مواجهة مشروع بهذه الضخامة لا يمكن أن يحملها صف ممزق، ولهذا جاءت الآية في قلب سورة الإسراء: ﴿وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. وسمّى الدكتور هذا المعنى «استراتيجية التعزيز الإيجابي»؛ أن تبحث عن أفضل ما عند أخيك فتذكره، وأن تتغافل عن بعض مساحات الخلاف حين يكون تضخيمها وقودًا للفرقة، لا تبريرًا للخطأ، وإنما وعيًا بعدو قد يعجز عن صرف الناس عن الحق، فيدفعهم إلى استهلاك أعمارهم في الصراع فيما بينهم.

توحيد الصف بتوحيد منهجية تلقي القرآن

وهنا ربط الدكتور توحيد الصف بتوحيد منهجية تلقي القرآن وفق ترتيب النزول والسيرة؛ حتى لا يبدأ كل تيار من أفكاره ثم يبحث في القرآن عما يؤيدها، بل يبدأ الجميع من القرآن نفسه، ويتلقونه بالطريقة التي بُني بها الجيل الأول. فإذا اجتمعت المحاضن والمساجد والعاملون للإسلام على مرجعية واحدة ومسار بنائي واحد، أمكن أن تتكون بينهم لغة مشتركة، وأن تتراجع معارك التصنيفات بين سلفي وصوفي وإخواني وجهادي وغيرها، وأن يعود القرآن مركزًا يجتمع حوله الناس بدلًا من أن يتحول إلى آيات ينتزعها كل طرف ليقيم بها الحجة على الآخر.

السنن وقراءة الواقع.. لا بالأمنيات

ثم أنزل الدكتور هذه المعاني على الحالة السورية ومرحلة ما بعد التحرير؛ فالاختبار ليس فقط أن تتوفر الكهرباء والماء والخدمات، على أهميتها، وإنما أن نعرف أي مرجعية ستبني المجتمع بعد ذلك. هل يقدم نموذجًا إسلاميًا مستقلًا، أم يعيد إنتاج النظام العالمي نفسه بأسماء ووجوه جديدة؟

وهنا فرّق بين التدرج في تطبيق بعض الأحكام بحسب القدرة والمرحلة، وبين التدرج في المرجعية نفسها؛ فقد يؤجل حكم لعجز أو ضرورة أو ترتيب للأولويات، لكن المرجعية لا تُجزّأ، لأن المشروع إذا فقد مرجعيته لم يعد مهمًا كم بقي له من الشعارات.

القراءة السننية تحميك من اليأس والغرور معاً

ولأن الطريق بعد النصر لا يسير دائمًا في خط مستقيم، تحدث عن المنافقين والتحديات الداخلية، واستدعى مشهد حروب الردة التي جاءت بعد دخول الناس في دين الله أفواجًا؛ فبدت في ظاهرها انتكاسة قاسية، لكنها كانت في القراءة السننية مرحلة لتنقية الصف وإعادة تشكيل المجتمع الذي سيحمل الرسالة بعد ذلك.

وهنا تصل الحلقة إلى واحد من أثقل معانيها: أن تقرأ الواقع بالسنن، لا بالأمنيات. فالكون والتاريخ لا يتحركان عبثًا، والقرآن لم يقص علينا أخبار السابقين حتى نندهش مما وقع لهم، وإنما حتى نعرف القوانين التي قادتهم إلى مصائرهم. وإذا قرأنا النصوص الإخبارية عن المستقبل بعيدًا عن هذه السنن، حملناها على كل حدث يوافق أمانينا، وانتظرنا الوعود من غير أن نقيم شروطها.

ورقة بن نوفل فقد عرف منذ اللحظة الأولى أن قوم النبي ﷺ سيخرجونه، لا لأنه يعلم الغيب، بل لأنه فهم السنة: «لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي».

وكذلك كانت أسئلة هرقل لأبي سفيان؛ لم يكن يجمع معلومات متفرقة، وإنما كان يبحث عن العلامات السننية التي تكشف طبيعة هذه الدعوة وإلى أين تمضي.

فالوعي السنني يحميك من اليأس حين ترى تراجعًا مؤقتًا، ويحميك كذلك من الغرور حين ترى نصرًا لم تكتمل شروط بقائه؛ لأنك لا تقرأ اللحظة وحدها، بل ترى الطريق وما يحكمه من قوانين.

حين يكون القرآن حاضراً على لسانك غائباً عن رؤيتك للحياة

خرجت من هذه الحلقة وأنا أشعر أننا ظلمنا القرآن مرتين: مرة حين حصرناه في لحظات التلاوة والتأثر، ومرة حين ذهبنا نبحث عند غيره عن الموازين التي نفهم بها النفس والمجتمع والاقتصاد والسياسة وحركة التاريخ.

بعد هذا اللقاء لا تمر سورة الفجر أمامك كما كانت؛ لأنها تهدم معيار النجاح الذي صنعته الدنيا في قلبك.

ولا تمر سورة عبس كما كانت؛ لأنها تعيد تعريف النخبة التي يستحق أن يُبنى بها المشروع.

ولا تمر سورة الماعون كما كانت؛ لأنها تسألك عن أثر صلاتك في اليتيم والمسكين.

ولا تبقى قصة موسى وفرعون حكاية عن طــاغية غرق، وإنما تصبح درسًا في الطريقة التي يُصنع بها الطغـــيــان، والطريقة التي تبدأ بها منظومته في التفكك.

ولا يعود ترتيب نزول السور معلومة من علوم القرآن، بل يتحول إلى طريق ترى من خلاله كيف أخذ الوحي بيد الإنسان الأول، فرباه، ووسّع قدرته، ونقله من «اقرأ» إلى «قم فأنذر»، حتى أصبح قادرًا على حمل الرسالة وتغيير العالم.

هذه ليست حلقة تسمعها لتخرج منها ببعض المعلومات، وإنما حلقة تعيدك إلى المصحف بأسئلة جديدة، وتجعلك تخاف أن يكون القرآن حاضرًا على لسانك، قريبًا من يدك، لكنه لم يصل بعد إلى الموضع الذي تتشكل فيه رؤيتك للحياة.

ولعل السؤال الذي بقي معي بعد انتهاء اللقاء لم يكن: كم نقرأ من القرآن؟

ولكن: مَن الذي يصنع معاييرنا فعلًا؟

هل القرآن هو المرجع الذي نحاكم إليه العالم ونزن به الأشياء، أم أننا صنعنا تصورنا الكامل عن الحياة بعيدًا عنه، ثم عدنا إليه نطلب فقط آية تهدّئ قلوبنا داخل عالم لم نسمح له أن يغيّره فينا

الخلاصة

أزمتنا مع القرآن ليست أننا لا نقرؤه، بل أننا لا نسمح له أن يغيّر الطريقة التي نرى بها الحياة. نقرؤه لنطمئن في لحظات الضيق، لكننا حين نريد أن نفهم النفس والمجتمع والاقتصاد والسياسة وحركة التاريخ، نذهب إلى موازين صُنعت بعيداً عنه. والتدبر الحقيقي ليس أن تشعر بشيء عند قراءة الآية، بل أن تغيّر الآية شيئاً فيك، وأن تسمح لها أن تهدم فيك معايير وتقيم مكانها معايير أخرى. القرآن ليس كتاب تعبد فردي، بل مشروع بناء أمة، يشرح النفس، ويبني المجتمع، ويضبط المال، ويفكك السلطة، ويكشف مناهج الخصوم، ويرسم للأمة طريقها في التاريخ. هو يقدّم الشخصيات التاريخية كمسميات وظيفية، ويعيد تعريف النخبة، ويفرق بين الاستراتيجية الثابتة والأداة المتغيرة، ويربط الصلاة بالرحمة، والعبادة بالمسؤولية، والإيمان بالماعون. وهو يقرأ الصراع مع المشروع الصهيوني من خلال سورة الإسراء، ويدعو إلى توحيد الصف بتوحيد منهجية تلقي القرآن، وقراءة الواقع بالسنن لا بالأمنيات. فالسؤال الذي بقي معي بعد الحلقة لم يكن كم نقرأ من القرآن، بل: من الذي يصنع معاييرنا فعلاً؟ هل القرآن هو المرجع الذي نحاكم إليه العالم، أم أننا صنعنا تصورنا الكامل عن الحياة بعيداً عنه، ثم عدنا إليه نطلب فقط آية تهدّئ قلوبنا داخل عالم لم نسمح له أن يغيّره فينا؟

المصدر

صفحة محمد جاد على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

لماذا فشلت أمتنا في التعامل مع القرآن؟

نحو استعادة مركزية القرآن الكريم

المفاهيم القرآنية سبيل لنهضة الأمة

التعليقات معطلة