إذا كان التكبر آفةً تحرم صاحبها من النظر والاعتبار، وتورثه القلق والاضطراب النفسي، وتلازمه بعيوبه ونقائصه، وتحرمه من الجنة، فكيف يمكن للعاملين في سبيل الله أن يتطهروا منها؟ وما الآثار التي يتركها التكبر على العمل الإسلامي نفسه، من قلة الأنصار والفرقة والتمزق، والحرمان من العون والتأييد الإلهي؟ وكيف يمكن علاج هذه الآفة باثني عشر وسيلة عملية مستمدة من الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح؟ وقفةٌ مع آثار التكبر على العاملين وعلى العمل الإسلامي، وطريق الخلاص منه.
آثار التكبر على العاملين
إن التكبر له آثار على العاملين ونذكر منها:
الأثر الأول: الحرمان من النظر والاعتبار
أي أن الأثر الأول الذي يتركه التكبر على العاملين: إنما هو الحرمان من النظر والاعتبار، ذلك أن المتكبر – بترفعه وتعاليه على عباد الله – قد اعتدى من حيث يدري أو لا يدري على مقام الألوهية، ومثل هذا لابد له من عقوبات، وأول هذه العقوبات: الحرمان من النظر والاعتبار فتراه يمر على آيات الله المبثوثة في النفس وفي الكون، وهو في إعراض تام عنها ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]، ومن حرم النظر والاعتبار، كانت عاقبته البوار والخسران المبين، لأنه سيبقى مقيماً على عيوبه وأخطائه، غارقاً في أوحاله، حتى تنتهي الحياة، كما عقب النبي – صلى الله عليه وسلم – حين قرأ الآيات الأخيرة من سورة آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ…﴾ إلى قوله ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] عقب بقوله: (ويلٌ لمن قرأَها ولم يتفَكَّر فيها )1[1] أخرجه ابن حبان في صحيحه (620) وحسنه الألباني.. وقد صرح المولى – سبحانه وتعالى – بهذا الأثر في قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146].
الأثر الثاني: القلق والاضطراب النفسي
وأما الأثر الثاني الذي يتركه التكبر على العاملين، فإنما هو القلق والاضطراب النفسي، ذلك أن المتكبر يحب – إشباعاً لرغبة الترفع والتعالي – أن يحنى الناس رؤوسهم له، وأن يكونوا دوماً في ركابه، ولأن أعزة الناس وكرامهم يأبون ذلك، بل ليسوا مستعدين له أصلاً، فإنه يصاب بخيبة أمل، تكون عاقبتها القلق والاضطراب النفسي، هذا فضلاً عن أن اشتغال هذا المتكبر بنفسه يجعله في إعراض تام عن معرفة الله وذكره، وذلك له عواقب أدناها في هذه الدنيا القلق والاضطراب النفسي.
وصدق الله إذ يقول:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124].
﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن: 17].
الأثر الثالث: الملازمة للعيوب والنقائص
وأما الأثر الثالث الذي يتركه التكبر على العاملين، فإنما هي ملازمة العيوب والنقائص، ذلك أن التكبر لظنه أنه بلغ الكمال في كل شيء لا يفتش في نفسه، حتى يعرف أبعادها ومعالمها، فيصلح ما هو في حاجة منها إلى إصلاح، ولا يقبل كذلك نصحاً أو توجيهاً أو إرشاداً من الآخرين، ومثل هذا يبقى غارقاً في عيوبه ونقائصه، ملازماً لها إلى أن تنقضي الحياة، ويدخل النار مع الداخلين:
﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِینَ أَعۡمَـٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِینَ ضَلَّ سَعۡیُهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ یَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ یُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾ [الكهف: 103-104].
﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81].
الأثر الرابع: الحرمان من الجنة
وأما الأثر الرابع الذي يتركه التكبر على العاملين، فإنما هو الحرمان من الجنة، وذلك أمر بديهي، فإن من يعتدي على مقام الألوهية، ويظل مقيماً على عيوبه ورذائله، ستنتهي به الحياة حتماً وما حصل خيراً يستحق به ثواباً أو مكافأة فيحرم الجنة مؤبداً أو مؤقتاً، وصدق الله ورسوله إذ يقول الحق في الحديث القدسي:
(الكِبرِياءُ رِدائي، والعَظَمةُ إزاري، فمَن نازَعَني واحِدَةً منهما؛ ألقَيتُه في جَهنَّمَ.)2[2] أخرجه مسلم (2620) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما..
وإذ يقول النبي – صلى الله عليه وسلم:
(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ…)3[3] أخرجه مسلم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه..
(ألا أخبرُكم بأهلِ النّارِ؟ كلُّ عتلٍّ جوّاظٍ متَكبِّرٍ)4[4] أخرجه البخاري (4918) ومسلم (2853) من حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه..
آثار التكبر على العمل الإسلامي
هناك آثار تظهر على العمل الإسلامي نتيجة التكبر وهي:
الأثر الأول: قلة كسب الأنصار بل والفرقة والتمزق
ذلك أن القلوب جبلت على حب من ألان لها الجانب، وخفض لها الجناح، ونظر إليها من دون لا من علٍ، أما من ترفع عليها واحتقرها أو ازدراها ونال منها، فإنها تبغضه وتنفر منه، بل وتحاول الابتعاد عنه، وتكون العاقبة خواء ذات اليد من الأنصار من ناحية، ووقوع الفرقة والتمزق بين من هو نصير وظهير بالفعل من ناحية أخرى.
ويوم ينتهي الأمر بالعمل الإسلامي إلى انعدام النصير من الخارج ووقوع الفرقة والتمزق من الداخل، فإنه يسهل ضربه، أو على الأقل إجهاضه فلا يؤتى ثمره إلا بعد تكاليف كثيرة وزمن طويل.
وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى هذا الأثر، وهو يتحدث عن المنافقين فقال: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: 5].
وكذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – إذ يقول: (إنَّ اللهَ أوحى إليَّ أن تواضَعوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ، وَلا يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ)5[5] أخرجه مسلم (2865) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه..
الأثر الثاني: الحرمان من العون والتأييد الإلهي
ذلك أن الحق سبحانه مضت سنته أنه لا يعطى عونه وتأييده، إلا لمن هضموا نفوسهم حتى استخرجوا حظ الشيطان من نفوسهم بل حظ نفوسهم من نفوسهم، والمتكبرون قوم كبرت نفوسهم، ومن كانت هذه صفته، فلا حق له في عون أو تأييد إلهي، ولعل ذلك هو المفهوم من قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123] حيث ربط نصره لهم بحالهم التي كانوا عليها من المسكنة والتواضع وهضم النفس، وكأن هذه الحال إذا انعدمت أو غابت غاب معها العون والتأييد.
علاج التكبر
اثنتا عشرة وسيلة عملية للتطهر من التكبر
1- تذكير النفس بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر، سواء كانت عواقب ذاتية أو متصلة بالعمل الإسلامي، وسواء كانت دنيوية أو أخروية على النحو الذي قدمنا، فلعل هذا التذكير يحرك النفس من داخلها، ويحملها على أن تتوب، وتتدارك أمرها قبل ضياع العمر وفوات الأوان.
2- عيادة المرضى، ومشاهدة المحتضرين وأهل البلاء وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، فلعل ذلك أيضاً يحركه من داخله، ويجعله يرجع إلى ربه بالإخبات، والتواضع.
3- الانسلاخ من صحبة المتكبرين، والارتماء في أحضان المتواضعين المخبتين، فربما تعكس هذه الصحبة بمرور الأيام شعاعها عليه، فيعود له سناؤه، وضياؤه الفطري كما كان عند ولادته.
4- مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم، وذوي العاهات منهم، بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم، كما كان يصنع النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحبه الكرام، وكثير من السلف، فإن هذا مما يهذب النفس ويجعلها تقلع عن غيها، وتعود إلى رشدها.
5- التفكر في النفس، وفي الكون، بل وفي كل النعم التي تحيط به من أعلاه إلى أدناه، مَن مصدر ذلك كله؟ ومن ممسكه؟ وبأي شيء استحقه العباد؟ وكيف تكون حاله لو سلبت منه نعمة واحدة فضلاً عن باقي النعم؟؟؟ فإن ذلك التفكر لو كانت معه جدية، يحرك النفس ويجعلها تشعر بخطر ما هي فيه، إن لم تبادر بالتوبة والرجوع إلى ربها.
6- النظر في سير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبي جهل، إلى أبي بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كل العصور والبيئات فإن ذلك مما يخوف النفس ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله – عز وجل – وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وكتب التراجم والتاريخ خير ما يعين على ذلك.
7- حضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون، لاسيما مجالس التذكير والتزكية، فإن هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترق وتلين وتعود إليها الحياة من جديد.
8- حمل النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس ممارسة ذاتية ما دامت مشروعة، كأن يقوم هذا المتكبر بشراء طعامه وشرابه وسائر ما يلزمه بنفسه، ويحرص على حمله والمشي به بين الناس، حتى لو كان له خادم، على نحو ما كان يصنع النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحبه والسلف، فإن هذا يساعد كثيراً في تهذيب النفس وتأديبها، والرجوع بها إلى سيرتها الأولى الفطرية، بعيداً عن أي التواء أو اعوجاج.
9- الاعتذار لمن تعالى وتطاول عليهم بسخرية أو استهزاء، بل ووضع الخد على التراب وإلصاقه به، وتمكينه من القصاص على نحو ما صنع أبو ذر مع بلال لما عاب عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – تعييره بسواد أمه6[6] أخرجه البخاري (30) ومسلم (1661) من حديث أبي ذر رضي الله عنه..
10- إظهار الآخرين بنعمة الله عليهم، وتحدثهم بها – لاسيما أمام المستكبرين – علهم يثوبون إلى رشدهم وصوابهم، ويتوبون ويرجعون إلى ربهم، قبل أن يأتيهم أمر الله.
11- التذكير دوماً بمعايير التفاضل والتقدم في الإسلام: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
(كلُّكم بنو آدمَ، وآدمُ خُلقَ من ترابٍ، لينتهينَّ قومٌ يفتخِرون بآبائِهم، أو ليكونن أهونَ على اللهِ من الجُعْلانِ)7[7] أخرجه أبو داود (5116) والترمذي (3955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني..
12- المواظبة على الطاعات: فإنها إذا واظب عليها، وكانت متقنة لا يراد بها إلا وجه الله ، طهرت النفس من كل الرذائل ، بل زكتها.
الهوامش
[1] أخرجه ابن حبان في صحيحه (620) وحسنه الألباني.
[2] أخرجه مسلم (2620) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.
[3] أخرجه مسلم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري (4918) ومسلم (2853) من حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه.
[5] أخرجه مسلم (2865) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه.
[6] أخرجه البخاري (30) ومسلم (1661) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
[7] أخرجه أبو داود (5116) والترمذي (3955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني.
المصدر
المصدر: كتاب “آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص67-76 (بتصرف).


