الترويج للرويبضة

في عصر الاستضعاف الذي نعيشه، هل يصحّ أن نطبّق نظرة “المصالح والمفاسد” و”اختيار أهون الشرّين” على حساب دين الناس وعقيدتهم؟ وهل حقًّا يدفع المرشّح اليساري أو الديمقراطي الشرّ عن المسلمين، أم أن السياسات الحقيقية تتجاوز اختلاف الحكومات؟

النظرة التقليدية وضرورة تغييرها

هناك نظرة تقليدية في عصر الاستضعاف الذي نعيشه ينبغي أن تتغيّر، وهي تلك النظرة التي تتحدث عن المصالح والمفاسد واختيار أهون الشرّين في باب السياسة، وتطبّق ذلك عبر اختيار ممثّلين عن المجتمعات المسلمة أو الجاليات المسلمة يحملون أفكارًا منحرفة أو يروّجون لأيديولوجيات تتصادم مع الإسلام.

وجهة النظر التقليدية التي يردّدها إسلاميون منذ عقود هي هذه: بالمقارنة مع المرشّح المنافس (الذي عادةً ما يكون يمينيّا عنصريّا) فاختيار هذا المرشّح (الديمقراطي أو اليساري) يدفع بعض الشرّ.

أمران يغيبان عن هذه الأطروحة

وفي نظري يغيب عن هذه الأطروحة التقليدية البسيطة أمران:

الأول: هل حقًّا يدفع المرشّح اليساري أو الديمقراطي الشر؟

هل جرى استقراء للتجارب السابقة؟ هل دُرس مدى ارتباط التضييق ضدّ المسلمين ومحاولة دمج المجتمعات المسلمة وصرفِها عن دينها أو إعادة تأويله ليتناسب مع الليبرالية بالحزب أو الشخص الحاكم؟

بكلمات أخرى: هل هي سياسات حزب أم سياسات دولة عميقة وخطط أمنية تتجاوز اختلاف الحكومات؟ ألم نتعلّم الدرس من تشابه سياسات الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا تجاه قضية فلسطين؟ وهل الفرق في التصريحات وبعض الإجراءات مؤثّر إلى هذه الدرجة التي تدفعنا إلى إضفاء الشرعية على بعض المرشّحين وتلميعهم؟

الثاني: لماذا لا يلتفت أصحاب “المصالح والمفاسد” إلى مفاسد الترميز؟

لماذا لا يلتفت أصحاب مقولة “المصالح والمفاسد” إلى المفاسد المترتّبة على ترميز بعض الشخصيات (زهران ممداني، عبد الرحمن السيد وغيرهما)؟ هل يجهل عاقل المفسدة الدينية في عقول الأجيال وقلوبهم بترميز أو إضفاء الشرعية الشعبية على شخص يدعم حقوق “الشواذ” والتحوّل ويؤيّد تدريس موضوعاتهم وهوياتهم الجندرية في المدارس ويدعم الإجهاض ويتبنّى العلمانية؟ أليست أعلى المصالح هي المصلحة الأخروية بسلامة دين الناس وصحّة وعيهم؟!

الترويج للباطل وإعلاء شأن الرويبضة

ولا يقولنّ أحد: لا ترميز ولا ترويج؛ فالواقع خلال سنوات طويلة أنّ دعم شخص لمواجهة تيار يميني متطرّف يرتبط بترميزه ونشر خطاباته على نطاق واسع، فهذا من الترويج للباطل وإعلاء شأن الرويبضة من أعداء الدين المروّجين لمفاهيم منحرفة، وفي رقبة كل مروّج لذلك أي شاب أو شابة تأثّروا بهذا الزخم وبآراء هذه الشخصية ومواقفها. وهو أمر يزداد خطورة في المجتمعات المسلمة الضعيفة في البلدان الغربية، حيث يسهل دمج المسلم مع الأسف ضمن تصوّر ليبرالي يرسم إسلامًا متصالحًا معه تحت وطأة الضغوط، والآن: تحت وطأة التلميع أيضًا! وهذه المفسدة لا تضاهيها مفسدة؛ لأنّها متعلّقة بخراب الآخرة، أي الحياة الحقيقية الخالدة!

وفي مقابل ذلك، فإنّ المصالح المرجوّة من اختيار فلان عمدةً أو عضوًا في مجلس حكومي لا تساوي شيئًا أمام هذه المفاسد، كما أنّ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح كما هو معلوم!

أخطر ما في الموضوع — رسالة التصدير

وقد يقول قائل: ولكنّ بعض هؤلاء يصلّون ونساؤهم ترتدي الحجاب! وهذا هو أخطر ما في الموضوع، فتصدير البلدان الغربية لمثل هذه الشخصيات يحمل رسالة واضحة: يمكن أن تكون مسلمًا وناجحًا أيضًا حتى وأنت تحمل أيديولوجية ليبرالية محضة، حتى وأنت تدعم ما يغضب الله تعالى، فهذه الآراء العلمانية لا تتعارض مع الدين، وإليك هذا النموذج الناجح المحبّب الداعم للحقوق الذي نصدّره لك!

فإنْ لم يعِ المسلمون ما يُرسم لهم بتصدير مثل هذه الشخصيات فعلى الدنيا السلام!

المصدر

صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

التعليقات معطلة