تصميم صور المنشورات 7 1

تخيّل أن تعيش على أرض ترتجف من تحت قدميك، وأن تستيقظ كل صباح على سؤال واحد: هل سينفجر اليوم ما تحتي؟ هذا ليس مشهدًا من فيلم كوارث، بل هو واقع يعيشه أكثر من 200 مليون إنسان في منطقة القرن الأفريقي…

منطقة على فوهة بركان

في حوار مطول ضمن بودكاست “شرعي”، يرسم الدكتور حسن سلمان، عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين، صورة قاتمة لمنطقة القرن الأفريقي. يصفها الدكتور بعبارة موجزة لكنها تحمل كل معاني الخطر:

«منطقة القرن الأفريقي الآن هي على بركان، على صفيحة ساخنة قابلة للانفجار في أي لحظة».

فما الذي أوصل هذه المنطقة التي تضم ما بين 200 إلى 210 مليون نسمة إلى هذه الحال؟ ولماذا لا يبدو الأفق القريب حاملاً لأي بوادر استقرار؟

تعريف المنطقة: مصطلح مرن في جسد صلب

يبدأ الدكتور بتوضيح المقصود بالقرن الأفريقي، مشيرًا إلى أن المصطلح نفسه يحمل إشكالية جغرافية وسياسية:

«هو مصطلح يضيق ويتسع بحسب من يقف على منصة التعريف. يضيق أحيانًا ليشمل إثيوبيا، إريتريا، جيبوتي، الصومال، السودان. ويتسع أحيانًا ليشمل كينيا، أوغندا، وتنزانيا… لكن خلينا نذهب في المذهب المضيق للتعريف: السودان، إثيوبيا، إريتريا، الصومال، جيبوتي، وكينيا. هذه المنطقة فيها ما لا يقل عن 200 إلى 210 مليون من البشر».

هذه المساحة الشاسعة من السكان تعيش حالة فريدة من التنوع الثقافي والديني والإثني، ولكن هذا التنوع -كما يصفه الدكتور- لم يُدرَ بشكل صحيح، بل تحول إلى أزمات متراكمة.

أزمة الهوية: السؤال الذي لا يجد إجابة

أول وأعمق الأزمات التي يستعرضها الدكتور حسن هي أزمة الهوية:

«أزمة الهوية: من نحن؟ مسلمون غير مسلمين، عرب أفارقة. الإثيوبي نفسه: هل نحن أمهرة؟ هل نحن أورومو؟ هل نحن تجراي؟ لأن هؤلاء كلهم لهم لغات. هل نحن عفر؟ والعفر أنفسهم مقسمون ما بين إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا».

هذا التشتت ليس مجرد حالة نفسية، بل هو نتاج مباشر للخرائط الاستعمارية التي لم تستشر السكان الأصليين. يضرب الدكتور مثلاً صادماً بدولة إريتريا:

«بريطانيا صعدت آخر دولة ما كان لها أي مساحة، فذهبت إلى منطقة إريتريا وشكلت مستعمرة وسمتها “إريتريا”، وأخذت شيئًا من هنا وشيئًا من هناك فخلقت تركيبة اسمها إريتريا. ظلت هذه الدولة لم يستشر أهلها: هل تريدون أن تعيشوا سويًا أم لا؟».

ولنتأمل هنا كيف يمكن لشخص واحد أن يعيش هذه المأساة:

«الشخص يشعر بأنه -انتماءه دينه الإسلام- لكن يقال له في إثيوبيا: أنت إثيوبي، وفي إريتريا: أنت إريتري، وفي جيبوتي: أنت جيبوتي».

إنها أزمة هوية متعددة الأوجه: الديني، القومي، الإثني، وحتى اللغوي، كلها تتصارع داخل الفرد الواحد قبل أن تتصارع في المجتمع.

أزمة السيادة: كيف يبقى المحتل بعد رحيله؟

الأزمة الثانية، وهي الأكثر تعقيدًا، هي أزمة السيادة. يشرح الدكتور حسن آلية بقاء المحتل بعد انسحابه الجسدي:

«للأسف الشديد، خرج المحتل ولكنه بقيت له ذيول، لأنه استطاع أن يشكل النخبة السياسية الحاكمة، استطاع أن يشكل المنظومة الحاكمة، استطاع أن يشكل نظامًا سياسيًا مغايرًا تمامًا للتركيبة التقليدية التي كانت موجودة».

كيف تم هذا؟ من خلال تقسيم المجتمعات إلى فئتين واضحتين:

«طائفة صنفها بأنها مقاومة للمحتل، غير متقبلة لأفكاره، غير متقبلة لوجوده، فقاومته وقاتلته وساهمت في إخراجه. وفئة أخرى استفادت من وجوده وحاولت أن ترتبط به، وظل وجودها مرتبطًا بوجود المحتل. هذه المجموعة على وجه التحديد، الغرب سلمها السلطة في المنطقة».

وهكذا استلمت المجموعات الموالية للمحتل السلطة، لكن ليس برضا شعبي ولا بنظام سياسي متوافق عليه، بل عن طريق القهر:

«أدوات القوة في الدولة الحديثة محصورة في أجهزة قمعية: الجيش، الأمن، الشرطة، هذه تحت سلطة السلطة السياسية المسنودة ليس برضا مجتمعي ولا بنظام سياسي متوافق عليه، ولكنها عن طريق عمليات القهر».

يصف الدكتور حسن هذه الحالة المأساوية بكلمات موجعة:

«المنطق هنا منطق السجون. السجان مهمته: كيف يقيدك، كيف يقفل عليك الباب، كيف يسكتك، كيف يضبطك. هذه المهمة الأساسية بالنسبة له».

أزمة التنمية: روشتة البنك الدولي القاتلة

الأزمة الثالثة قد لا تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالسابقتين، لكن الدكتور حسن يربطها ببراعة:

«أزمة التنمية. النموذج التنموي الذي تبنته كثير من النخب الحديثة هو نموذج يصلح للدولة الغربية التي وصلت إلى مستويات تجاوزت فيها الدولة الرعوية ودولة الزراعة، ودخلت إلى منظومة صناعية ضخمة جدًا. فصار مفهوم التنمية مفهومًا مستنسخًا عندنا، لا ينبع من تصوراتنا المحلية، ولكنه ينبع من فلسفة التنمية عند الغرب».

والنتيجة كارثية ببساطة:

«الروشتة اللي بأيدينا -مثلًا البنك الدولي- نلتزم بها، بينما هي قد تكون قاتلة بالنسبة للتركيبة المحلية».

إنها أزمة منهجية قبل أن تكون أزمة اقتصادية. فكري وثقافي، قبل أن يكون ماليًا. نحن نطبق حلولاً صُممت لمجتمعات مختلفة تمامًا، ثم نتفاجأ بالفشل ونبحث عن المذنبين.

النتيجة الطبيعية: أزمة الاستقرار السياسي

هذه الأزمات الثلاث لا تبقى معزولة، بل تتفاعل لتنتج أزمة رابعة، هي الأكثر وضوحًا:

«هذه الثلاثة بطبيعة الحال ستولد معك أزمة الاستقرار السياسي، وهو ما نراه اليوم في المنطقة».

ويضرب الدكتور حسن مثالاً حيًا من قلب إثيوبيا، يكشف كيف تعمل هذه الآليات:

«الدولة الإثيوبية، ظلت تتقلب السلطة ما بين مكونين: مكون الأمهرة ومكون التجراي. هنالك مكونات هائلة جدًا. قومية الأوروما يقولون: نحن الأكبر في البلد، فلماذا نحن دائمًا نتوارى ويتقدم الأمهرة ويتقدم التجراي؟».

ولكن المفارقة الأكبر تكمن في واقع ديني خطير يجهله الكثيرون:

«كم تتصور نسبة المسلمين في إثيوبيا؟ المشهور أن الدولة الإثيوبية دولة مسيحية. بينما الدولة الإثيوبية الأغلبية فيها مسلمة، والقومية الأكبر فيها هي قوميات مسلمة. ومع ذلك ظل المحتل الخارجي ينظر إلى هذه الدولة على أنها جزيرة يجب أن تكون محاطة بكتل كبيرة جدًا من المسلمين. فظلت السلطة السياسية محتكرة لفئة ذات طابع ديني وثقافي معين».

إنها معادلة مركبة من الاستعمار، والتهميش الديني، والسيطرة القومية، كلها تتداخل لتحرم الأغلبية المسلمة من تمثيلها السياسي الطبيعي.

الحلقة المفرغة: الاستقواء بالخارج على الداخل

في خضم هذه الأزمات، يلجأ الأطراف السياسية إلى حلول كارثية تجعل الوضع أسوأ:

«الصراعات المدعومة من الخارج دائمًا ما تكون السلطة في البلدان مدعومة من الخارج، وتقبل بعض الأطراف بأنها تستقوي بالخارج على الداخل ولا تتصالح مع الداخل في سبيل التوافق على نظام سياسي، على الأقل ترمي في الخارج، وبالتالي تذهب نحو الحسم للخصم السياسي».

وهذا بالضبط ما يحول الخلافات المحلية القابلة للحل إلى حروب بالوكالة لا نهاية لها، وتجعل من المنطقة ساحة مفتوحة للصراعات الدولية.

الخلاصة: تحذير يجب ألا يُنسى

بعد هذا التحليل العميق، يعود الدكتور حسن ليؤكد تحذيره الافتتاحي:

«منطقة القرن الأفريقي الآن هي على بركان، على صفيحة ساخنة قابلة للانفجار في أي لحظة».

هذا التحذير، الصادر من رجل يعرف المنطقة من الداخل، ويحلل أزماتها بعين ناقدة، يستحق أن يُسمعه الجميع: صناع القرار، الباحثون، الإعلاميون، وكل من يهتم بمستقبل منطقة تتربع على موقع استراتيجي حساس وتحتضن أكثر من 200 مليون إنسان.

فالانفجار ليس احتمالاً مستقبليًا، بل هو لحظة تنتظر شرارة. والسؤال الذي يطرحه الدكتور حسن، دون أن يجيب عليه، هو: من سيضع يده على هذا البركان قبل أن يفاجئنا الجميع؟

المصدر

بودكاست شرعي مع د. حسن سلمان – عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين (مقتبسات حرفية من حواره حول واقع القرن الأفريقي).

اقرأ أيضا

أبرز خصائص حضارتنا

التعليقات معطلة