تصميم صور المنشورات 4 2

لماذا يسأل المسلم اليوم عن شرعية نظامه السياسي؟

في خضم ما يعيشه العالم الإسلامي من أزمات سياسية متشابكة، تبرز أسئلة كبرى تحتاج إلى إجابات جذرية: هل أي نظام سياسي قائم في بلاد المسلمين يعتبر شرعيًا لمجرد أنه يسمى “إسلاميًا”؟ ومتى يفقد النظام شرعيته من منظور الشريعة؟ وما علاقة طاعة ولي الأمر بالشورى وتحكيم الشريعة؟

القاعدتان الذهبيتان لأي نظام سياسي

يبدأ الدكتور حسن بتلخيص عميق، يحسم به كثيرًا من الالتباسات:

«أي نظام سياسي يكتسب مشروعيته من قاعدتين. القاعدة الأولى: المنظومة الشرعية التي يحتكم إليها. القاعدة الثانية: بناء النظام السياسي على أساس من التراضي والشورى».

هاتان القاعدتان ليستا منفصلتين، بل هما وجهان لعملة واحدة. يشرح الدكتور حسن القاعدة الأولى بالتفصيل:

المنظومة الشرعية: اختبار حاسم

لا يمكن الحكم على أي نظام بأنه “إسلامي” بمجرد ادعائه ذلك. لا بد من اختبار حقيقي:

«أنا قبل ما أشوف هذا النظام، إيش مرجعيته التي يستقي منها قوانينه؟ النظام السياسي، النظام الاقتصادي، النظام الإعلامي، النظام القضائي: هل مرجعيته الإسلام أم مرجعيته شيء آخر؟ هذه مسألة أساسية، لأنها قد تحكم بإسلاميته أو عدم إسلامية النظام».

هذا الاختبار ليس شكليًا، بل جوهري. إذا وجدنا النظام يهمش الشريعة ويستورد قوانين وضعية بالكامل:

«إذا كان النظام ينحي الشريعة تمامًا عن ساحة الحياة ويعتمد منظومة مغايرة تمامًا للدين والإسلام والشريعة، ويأتي بقوانين وضعية ويلزم بها الناس، ويجعل كل القوانين -المدنية، والتجاري، والأحوال الشخصية، وحتى العلاقات الدولية- على غير نظام الشريعة، فهذا النظام فاقد للشرعية من خلال عدم تحكيمه للشريعة من البداية. هذا قد يصل إلى مرحلة أنه يُحكم بعدم إسلامه».

إنها عبارة قوية وحاسمة: النظام الذي يرفع الشريعة عن موقع الحكم يفقد شرعيته، بل قد يصل الأمر إلى الحكم بعدم إسلامه.

الشورى: الركن الذي غالبًا ما يُغيب

أما القاعدة الثانية فهي أكثر دقة وأكثر إشكالية في تطبيقاتنا المعاصرة:

«المحور الثاني: أحيانًا تجده يطبق شريعة، والتاريخ الإسلامي غالبيته كان بهذا الشكل، لكنه عنده مشكلة التأسيس من خلال الشورى، أي بناء النظام السياسي من خلال الشورى. فليست مشكلته في تحكيم الشريعة في الإطار العام، ولكن مشكلته في تحكيم الشريعة في الإطار الدستوري وفي الإطار السياسي وفي إطار بناء السلطة».

هنا يكشف الدكتور حسن عن خلل دقيق ولكن قاتل: أنظمة قد تطبق الشريعة في الشارع، في الأحوال الشخصية، في المساجد، في الشعائر، لكنها تمنعها من الاقتراب من الكرسي! يصف هذا التناقض بعبارة تصويرية قوية:

«لما تقترب من الكرسي يقول: والله يا أخي، أنا ما عندي مشكلة. الشارع العام دعوه يحتكم إلى الشريعة، المساجد كلها تلهج بذكر الله، والشوارع والأسواق، هذا كله ما في إشكال. لكن لا تقتربوا من دائرة الحكم».

هذا بالضبط ما يسميه الدكتور بـ”تجزئة الدين”، وسنعود إليه لاحقًا.

فصل قيم البناء السياسي.. هل هو ممكن؟

هل يمكن فصل قيم البناء السياسي عن بعضها عمليًا؟ ألا يكمل بعضها بعضًا؟

يرد الدكتور حسن محذرًا من مغبة هذا الفصل:

«لا هذا يعني نوعًا من تجزئة الدين: الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر. ثم أيضًا تجريد لروح الدين في الحياة».

ثم ينتقل إلى تحليل فلسفي عميق لمقاصد العبادات نفسها:

«أصلًا قضية الصلاة والصيام، ولماذا شرعت هذه؟ لابد أن ننظر إليها. إذا لم نفهم أن التعمق في التعبد المقصود منه هو إصلاح الحياة، لم نفهم الشريعة بشكل صحيح».

يضرب الدكتور مثالاً بالمساجد والأسواق:

«أنت عندما تذهب إلى المسجد تذهب إلى بيت الله لتذكر الله. طيب لكننا نعبد الله في الأسواق. أنا دائمًا أميل إلى أن المساجد لا نسميها دور عبادة، ولكنها دور الذكر. العبادة هي الطاعة في شؤون المسلمين في كل شيء».

ويتابع الشرح:

«هنا نذكر الله في المساجد ونشحن قلوبنا بالإيمان ونستحضر عظمة الله وخشيته. فلما نخرج من المسجد إلى الأسواق يبقى الله حاضرًا في قلوبنا وفي معاملاتنا وفي بيعنا وشرائنا».

فمن يريد مجتمعًا متدينًا، لا يمكنه أن يكتفي بالصلاة والصوم، بل لا بد من امتداد هذا الدين إلى:

«في السياسة؟ وفي الاقتصاد؟ وفي الأسواق؟ وفي العلاقات الدولية؟ وفي الإعلام؟ وفي مجال التربية؟ وفي نظريات المعرفة؟ وفي مصادر التعليم؟».

ويختم هذا المقطع بخلاصة قاسية:

«الحديث عن أنه يمكن أن نقيم نظامًا سياسيًا يصلح واقع التدين الشعائري ويفسد واقع التدين العام، هذه إشكالية. الإسلام بريء منها ولا يعترف بهذا النوع من التعاطي».

المؤسسات الرسمية بين النصيحة السرية وغياب الأثر

ينتقل الدكتور حسن إلى واقع ملموس: المؤسسات العلمائية الرسمية. يصف نظام عملها في السعودية مثلًا:

«المؤسسات لا تنظر في الشأن العام في قضايا الدولة إلا إذا أحيل إليها من السلطة السياسية. فيبقى أنك لا تستطيع أن تتكلم عن دخول القوات الأمريكية على المنطقة، لا تستطيع أن تتكلم عن بنية النظام التي تتغير دينيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، لأن ما مطروح لك كفتوى، ما في حدا استشارك أصلًا».

وهنا يطرح سؤالاً حاسمًا:

«لكن يبقى السؤال: هل هذا سيعفي هذه المؤسسات الرسمية وهي ترى ما ترى من إشكالات ومنكرات؟ أنا أقول: لا يعفيها ذلك. والله سبحانه وتعالى سيسأل هذه المؤسسات عما قامت به».

ويضرب المثل بمنطق “النصيحة سرًا” الذي يُصرف به العلماء:

«الحاكم إذا كان تعاطى مع السياسة فقط بمنطق النصيحة التي لا يستطيع عندما لا يسمع لكلامه أن يحرك أدوات قوة عنده، أيضًا إشكالية. أنت لا تستطيع أن تحرك أسرة حاكمة، لا تستطيع أن تحرك شارعًا عامًا، لا تستطيع أن تحرك طلبة علم. فإذا أنت في نهاية المطاف “لا رأي لمن لا يطاع”».

ويستمر في تفكيك هذه الإشكالية:

«إذا اعتبرنا أن الناطق باسم الشريعة هم هؤلاء العلماء، فإسكات هؤلاء العلماء بحجة الاعتقالات، إسكات هؤلاء العلماء بالتهميش من المؤسسات، أيضًا التغييرات التي تحصل داخل بنية هذه الهيئات بما يؤدي إلى النظر إلى أهل الولاء فتُقربهم، والنظر إلى من ليسوا أهل ولاء فتُبعدهم، هذه كلها إشكالات للأسف الشديد».

العلماء بين الاستقلال وأسر الأحزاب

يكشف الدكتور حسن عن إشكالية بنيوية أخرى:

«واقعنا اليوم، من خلال اطلاعي على جزء كبير جدًا من الحركات العلمية، هي أسيرة الأحزاب السياسية. يخطو الحزب السياسي خطوته ويذهب في اتجاه معين، ثم تجد بعد ذلك دور العالم هو مناصرة هذا الموقف السياسي والبحث عن الأدلة».

ويستدعي تحليلاً أصيلاً للإمام الشاطبي رحمه الله في التفريق بين “مأخذ الافتقار” و”مأخذ الاستظهار”:

«التعامل مع الأدلة بمأخذ الافتقار أم بمأخذ الاستظهار؟ هل أنت تحاول أن تعضد مواقفك المسبقة بالدليل، أم أنت محتاج إلى الدليل ومفتقر إليه للوصول إلى الطرق التي لا تستطيع الولوج إليها إلا من خلال الدليل؟ سمي الدليل دليلاً ليكون هو المتقدم وأنت المتأخر. فإذا كان لا، أنت يتحدد الموقف السياسي وتتم التقديرات السياسية، ثم يبقى دور العالم أنه يؤيد. هذه إشكالية».

وهذه الإشارة الدقيقة تكشف عن خلل منهجي عميق في علاقة العلماء بالسلطة والأحزاب: تحول دور العالم من باحث عن الحق إلى مبرر لمواقف سياسية سابقة.

نموذج مشرق من التاريخ.. الإمام النووي يواجه السلطان

لا يترك الدكتور حسن القارئ في جو من النظريات المجردة، بل يقدم نموذجًا تاريخيًا عمليًا لما ينبغي أن يكون عليه العالم المواجه:

«الإمام النووي عليه رحمة الله في واحد من السلاطين -أظن السلطان الظاهر بيبرس- أراد أن يأخذ أموال الناس التي ليست لها صكوك. قال: أي شخص عنده بيوت وعنده عقارات ليس لها صكوك فستتم مصادرتها. تصور هذا الآن موقف بسيط؟ يمكن سلطاتنا عادي جدًا تهدم البيوت على ساكنيها، ما في إشكال، أصلًا لا أحد يتكلم».

لكن الإمام النووي لم يسكت:

«واجه هذا، قال: ما يحق لك. هؤلاء الناس، أي شخص جالس على مزرعة فهي له، ساكن في بيت فالبيت بيته، إلا أن يثبت أن هناك شخصًا آخر ينازعه. أنت تدخل كسلطة. لكن هكذا العرف: من سكن في بيت فالبيت بيته، من كان في مزرعة فهي مزرعته، من كان في دكان متجر فهو له. فتصور هذا الموقف، استطاع الإمام النووي أن يوقف هذا الحاكم الذي كان يريد أن يحقق مصادرات كبيرة جدًا».

ويعلق الدكتور على هذا النموذج:

«فبدأ الناس ينظرون إلى الإمام النووي بأنه ليس شيخًا عاديًا، هذا قائد».

وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية:

«في كل ما تأتي واقعة من الوقائع هو متصدر المشهد. تأتي حملات خارجية يحمل الجهاد، تسقط السلطة يقوم محل السلطة».

خلاصة في صورة سؤال

بعد هذا التحليل العميق، يمكننا أن نستخلص من كلام الدكتور حسن أن النظام السياسي في الإسلام يقوم على ركيزتين متكافئتين: تحكيم الشريعة في كل شيء (وليس في الشعائر فقط)، وبناء السلطة على الشورى وقبول الأمة. فإذا غابت إحداهما، اختل الميزان، وفقد النظام شرعيته.

ولعل أعمق ما قاله الدكتور حسن في هذا السياق هو تحذيره من تزييف المقاصد:

«التقوى نفسها يراد منك أن تذهب بها نحو مقصد آخر. فأنت تعبد الله لعلك تتقي، وتتقي الله لعلك تصل إلى الشكر. غيبوا المقاصد تمامًا في هذا الاتجاه».

فحين تُغيب مقاصد الشريعة، وتُختزل العبادة في الشعائر، ويُمنع الدين من الاقتراب من “الكرسي”، فإننا لا نكون قد أقمنا نظامًا إسلاميًا ولو بدت علينا مظاهر التدين.

المصدر

بودكاست شرعي مع د. حسن سلمان – عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين (مقتبسات حرفية من حواره حول أركان النظام السياسي الإسلامي).

اقرأ أيضا

أزمات القرن الأفريقي الأربع: من الهوية إلى الهاوية

التعليقات معطلة