“لا تحسبوه شراً لكم” .. قصص ومواقف


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

كم جرى قدر الله بمحطات تاريخية أراد فيها المسلمون أفرادا أو جماعات حدثا خاصا وعافية عاجلة، وخبّأ الله لهم من الخير كنوزا ضمّنها فيما يكرهون؛ فحمدوا قدره واتهموا أنفسهم.

مقدمة

لما ذكرنا سنة الله تعالى في جريان الخير بقدره لا بحسب ظن عباده؛ نسوق هنا تطبيقا لذلك وأمثلة تتمثل في بعض المواقف من السيرة المطهرة وغيرها، والتي ظهرت فيها حكمة الله عز وجل ورحمته، وأن ما اختاره الله عز وجل لعباده خير مما اختاروه لأنفسهم.

من السيرة المطهرة

الموقف الأول: غزوة بدر الكبرى

وهي أشهر من أن تذكر؛ فلقد كانت فرقاناً بين الحق والباطل، ولكن المراد من الاستشهاد بها هنا هو ما ظهر في هذه الغزوة العظيمة من الفرق بين ما أراده المسلمون قبل الغزوة، وكراهيتهم للقاء عدوهم، ورغبتهم في أن تكون في العِير، وبين ما اختاره الله لهم من أن تكون في النفير وفي ذات الشوكة؛ يقول الله عز وجل: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 7-8].

فأين الخير الذي علِمه الله عز وجل وغاب عن المسلمين آنذاك فأرادوا غيره..؟

إن الجواب في الآية نفسها؛ يعلق الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى على هذه الآية فيقول:

“لقد أراد الله ـ وله الفضل والمنة ـ أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل؛ ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد أن يقطع دابر الكافرين؛ فيُقتل منهم من يقتل، ويُؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتُخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وتعلو معها كلمة الله، ويمكّن الله للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف ـ تعالى الله عن الجزاف ـ وبالجهد والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال.

وينظر الناظر اليوم، وبعد اليوم، ليرى الآماد المتطاولة بين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها يومذاك وما أراده الله لها، بين ما حسِبته خيراً لها وما قدَّره الله لها من الخير.. ينظر فيرى الآماد المتطاولة؛ ويعلم كم يخطئ الناس حين يتضررون مما يريده الله لهم، مما قد يعرضهم لبعض الخطر، أو يصيبهم بشيء من الأذى، بينما يكمن وراءه الخير الذي لا يخطر لهم ببال، ولا بخيال..!

فأين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها مما أراده الله لها..؟

لقد كانت تمضي، لو كانت لهم غير ذات الشوكة، قصةَ غنيمة، قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها..! فأما بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة، قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل، قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح، المزودين بكل زاد، والحق في قِلة من العدد وضعف في الزاد والراحلة”. (1في ظلال القرآن، م3، ص1481)

الموقف الثاني: غزوة أحد

وهذه الغزوة أيضاً من أشهر غزوات الرسول، ومن أشدها على المسلمين؛ حيث استُشهد سبعون صحابيّاً، وشُجّ وجه النبي الكريم، ومع ذلك كان فيها خير للمسلمين ورحمة؛ يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بَأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 166-167].

من الحكم والغيات المحمودة في أُحد

قد أحسن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكره لبعض الحِكَم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد، أقتطف منها

شؤم المعصية والتنازع

“فمنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية، والفشل، والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152].

فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم وتنازعهم وفشلهم: كانوا بعد ذلك أشد حذراً ويقظة وتحرزاً من أسباب الخذلان”.

تميز المؤمن من المنافق

“ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب؛ فإن المسلمين لمّا أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت: دخل معهم في الإسلام ظاهراً من ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبّب لعباده مِحْنة ميَّزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وعاد تلويحهم تصريحاً، وانقسم الناس إلى كافر، ومؤمن، ومنافق، انقساماً ظاهراً.

وعرف المؤمنون أن لهم عدواً في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعَدوا لهم، وتحرَّزوا منهم؛ قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَلكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 179].

أي: ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزاً مشهوداً، فيقع معلومه الذي هو غيبٌ شهادةً “.

استخراج عبوديات من القلوب

“ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السَّراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقّاً، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية”.

منع طغيان النفوس

” ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائماً؛ لطغَت نفوسهم، وشمخت، وارتفعت؛ فلو بسط لهم النصر والظفر، لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق ـ وهو البغي ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27) ـ فلا يُصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط”.

منع الركون الى العاجلة

“ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغياناً وركوناً إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحِمها كرامته: قيّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواءً لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليلَ الدواءَ الكريه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه”.

رزق الشهادة

“ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه ومحابه على أنفسهم. ولا سبيل إلى نَيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو”.

محق عدو الله

“ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم: بغيهم، وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم، وقتالهم، والتسلط عليهم؛ فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم. وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ﴾ [ال عمران: 141] [2].

مواقف من السلف

محنة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى

وما أظن أحداً من المسلمين يجهل المحنة التي تعرض لها أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ وذلك فيما يعرف بـ “فتنة القول بخلق القرآن”، وقد تعرض هذا الإمام الجليل لمحنة وبلاء عظيم؛ تلك المحنة كانت مؤذية له رحمه الله، ومؤذية للمسلمين معه، ولكن الله عز وجل ثبّته في هذه المحنة العظيمة، وحمى به عقيدة أهل السنة من الانحراف أو الاندثار، ولقد كانت هذه البليَّة لإمام السنة خيراً له فيما بعد؛ فما كان لينال هذا الخير لولا هذا الابتلاء وما مَنَّ الله به عليه من الثبات والتضحية.

شيخ الإسلام ابن تيمية وسجنه

وكذلك لا أظن أحداً من أهل العلم يجهل هذا الرجل العظيم، وما ضحَّى به في سبيل الله عز وجل بعلمه وجهاده وصبره وما لاقى في ذلك من السجن والإبعاد، ولكن كان في ذلك الابتلاء خير له ورفعة، كما يقول ذلك هو عن نفسه عندما ورد المرسوم السلطاني بسجنه في قلعة دمشق:

“أنا كنت منتظراً ذلك، وهذا فيه خير عظيم”. (2العقود الدرية، ص329)

وقال:

“لو بذلتُ ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة”.

كما كان في الابتلاء الذي تعرض له خير للمسلمين في عصره وما تلاه من العصور؛ وذلك بانتشار دعوته وعلمه؛ يقول رحمه الله:

“ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق..”. (3مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28، ص57)

خاتمة

وهكذا تجري الأمور؛ يزِن الإنسان بموازينه البشرية فيظهر قصور علمه وقدرته وحكمته؛ بحيث تتلاشى أمام حكمة الله وعلمه وقدرته. ويعود الإنسان يحمد ما جرى به قدَر الله ويعلم أنه لا نسبة بين اختيار الله الذي اختاره لعبده ووفقه الى الرضا به، وبين اختيار العبد لو جرى. وهذا وجه للآية الكريمة ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (القصص: 68) على قراءة الوصل وعلى حمل “ما” على أنها صِلة؛ فيكون المعنى أن الله يختار لعباده الخير فهو أعلم به منهم؛ فلله الحمد أولا وآخرا.

…………………………………

الهوامش:

  1. في ظلال القرآن، م3، ص1481.
  2. زاد المعاد، ج3، ص218-222 باختصار.
  3. العقود الدرية، ص329.
  4. مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28، ص57.

 اقرأ أيضا:

  • لا تحسبوه شراً لكم .. حِلم وأناة وموازين رباينة
  • لا تحسبوه شراً لكم .. سنة جارية
  • لا تحسبوه شراً لكم .. طمأنينة وسلامة قلب
0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments