”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

خير أيام الدنيا .. ماذا يشرع فيها؟

السائر الى الله تعالى يغتنم مواسم الخير. وفي عشر ذي الحجة مواسم وفضائل، ومن الخسران الغفلة عنها وعما فيها من زاد يكمل به الطريق.

مقدمة

من رحمة الله تبارك وتعالى أن فاضل بين الأزمنة، فاصطفى واجتبى منها ما شاء بحكمته، قال عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ..[القصص: 68] وذلك التفضيل من فضله وإحسانه؛ ليكون عوناً للمسلم على تجديد النشاط، وزيادة الأجر، والقرب من الله تعالى.

ونظرة في واقع الكثير تنبئك عن جهل كبير بفضائل الأوقات، ومن أكبر الأدلة على ذلك: الغفلة عن اغتنامها، مما يؤدي إلى الحرمان من الأجر.

فضل عشر ذي الحجة

قد دل على فضلها أمور (1انظر: (مجالس عشر ذي الحجة) للشيخ / عبد الله بن صالح الفوزان):

الأول: قال تعالى: ﴿وَالْفَجْر وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر : 1-2] قال غير واحد: إنها عشر ذي الحجة، وهو الصحيح (2تفسير ابن كثير، ج4 ص505). ولم يثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، شيء في تعيينها.

الثاني: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، شهد أنها أعظم أيام الدنيا، وجاء ذلك في أحاديث كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا : يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». (3أخرجه البخاري، ح / 969، و الترمذي، ح / 757، واللفظ له)

وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحبَّ إليه من العمل فيهن، من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد». (4أخرجه أحمد، ج2ص75، 132، وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح)

والمراد في الحديثين:

“أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء أكان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من الجمعة في غيره؛ لاجتماع الفضلين فيه”. (5فتح الباري، ج2ص534)

الثالث: أنه حث على العمل الصالح فيها، وأمر بكثرة التهليل والتكبير.

الرابع: أن فيها يوم عرفة ويوم النحر.

الخامس: أنها مكان لاجتماع أمهات العبادة فيها، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها. (6انظر: المصدر السابق)

أنواع العمل الصالح في أيام العشر

وحيث ثبتت فضيلة الزمان ثبتت فضيلة العمل فيه، وأيضاً فقد جاء النص على محبة الله للعمل في العشر، فيكون أفضل، فتثبت فضيلة العمل من وجهين.

وأنواع العمل فيها ما يلي:

الأول: التوبة النصوح

وهي الرجوع إلى الله تعالى، مما يكرهه ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً، ندماً على ما مضى، وتركاً في الحال، وعزماً على ألا يعود. وما يُتاب منه يشمل: ترك الواجبات، وفعل المحرمات.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن النّصْح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:

استغراق جميع الذنوب، وإجماع العزم والصدق، و تخليصها من الشوائب والعلل. وهي أكمل ما يكون من التوبة. (7انظر: مدارج السالكين، ج1 ص316، 317)

الثاني: أداء الحج والعمرة

وهما واقعان في العشر، باعتبار وقوع معظم مناسك الحج فيها، ولقد رغّب النبي، صلى الله عليه وسلم، في هاتين العبادتين العظيمتين، وحثَّ عليهما؛ لأن في ذلك تطهيراً للنفس من آثار الذنوب ودنس المعاصي، ليصبح أهلاً لكرامة الله تعالى في الآخرة.

الثالث: المحافظة على الواجبات

والمقصود: أداؤها في أوقاتها وإحسانها بإتمامها على الصفة الشرعية الثابتة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومراعاة سننها وآدابها.

وهي أول ما ينشغل به العبد في حياته كلها؛ قال الحافظ:

“وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به: امتثال الأمر، واحترام الآمر، وتعظيمه بالانقياد إليه، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل”. (8فتح الباري، ج11 ص351)

الرابع: الإكثار من الأعمال الصالحة

إن العمل الصالح محبوب لله تعالى في كل زمان ومكان، ويتأكد في هذه الأيام المباركة، وهذا يعني فضل العمل فيها، وعظم ثوابه، فمن لم يمكنه الحج فعليه أن يعمِّر وقته في هذه العشر بطاعة الله تعالى؛ من الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك من طرق الخير، وهذا من أعظم الأسباب لجلب محبة الله تعالى.

الخامس: الذكر

وله مزية على غيره من الأعمال؛ للنص عليه في قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج : 28] قال ابن عباس: أيام العشر. (9صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق)، أي: يحمدونه ويشكرونه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ويدخل فيه : التكبير، والتسمية على الأضحية والهدي (10انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج24 ص225)، ولقوله: «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».

السادس: التكبير

يُسنُّ إظهار التكبير في المساجد والمنازل والطرقات والأسواق، وغيرها، يجهر به الرجال، وتسر به المرأة، إعلاناً بتعظيم الله تعالى.

وأما صيغة التكبير فلم يثبت فيها شيء مرفوع، وأصح ما ورد فيه قول سلمان: “كبروا الله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً). وهناك صيغ وصفات أخرى واردة عن الصحابة والتابعين. (11فتح الباري، ج2 ص536، وقال الحافظ : (وقد أحدث في هذا الزمان زيادة لا أصل لها))

السابع: الصيام

عن حفصة رضي الله عنها قالت: «أربع لم يكن يدعهن النبي، صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة». (12انظر: المسند، ج6 ص287) والمقصود : صيام التسع أو بعضها؛ لأن العيد لا يصام، وأما ما اشتهر عند العوام ـ ولا سيما النساء ـ من صيام ثلاث الحجة، يقصدون بها اليوم السابع والثامن والتاسع، فهذا التخصيص لا أصل له.

الثامن: الأضحية

وهي سنة مؤكدة في حق الموسر، وقال بعضهم كابن تيمية بوجوبها (13انظر: مجموع الفتاوى، ج23 ص162، 164)، وقد أمر الله بها نبيه، صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ[الكوثر: 2] فيدخل في الآية صلاة العيد، ونحر الأضاحي، فقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يحافظ عليها، قال ابن عمر رضي الله عنهما: أقام النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة عشر سنين يضحي. (14المسند، ج2 ص38، وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح، والترمذي، ح / 1559، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ح / 261)

التاسع: صلاة العيد

وهي متأكدة جدًّا، والقول بوجوبها قوي (15انظر: الفتاوى، ج23 ص161) فينبغي حضورها، وسماع الخطبة، وتدبر الحكمة من شرعية هذا العيد، وأنه يوم شكر وعمل صالح.

يوم عرفة

وقد زاد هذا اليوم فضلاً ومزية على غيره، فاستحق أن يخص بحديث مستقل يكشف عن أوجه تفضيله وتشريفه، ومن تلك الأوجه ما يلي:

أولاً: أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة

روى البخاري (16ح / 4606): «قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية، لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين كان رسول الله حين أنزلت : يوم عرفة، إنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً[المائدة : 3]».

ثانياً: أنه يوم عيد

عن أبي أمامة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب». (17رواه أبو داود، ح / 2419، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح / 2144)

ثالثاً: أن صيامه يكفر سنتين

قال صلى الله عليه وسلم عن صيامه: «يكفر السنة الماضية والباقية». (18أخرجه مسلم، ح / 1163)

رابعاً: أنه يوم مغفرة الذنوب، والعتق من النار

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟». (19أخرجه مسلم، ح / 1348) قال ابن عبد البر:

“وهو يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب، إلا بعد التوبة والغفران، والله أعلم”. (20انظر: التمهيد لابن عبد البر، ج1ص120)

يوم النحر

لهذا اليوم فضائل عديدة : فهو يوم الحج الأكبر. (21سن أبي داود، ح / 1945، وانظر : صحيح سنن أبي داود، ح / 1714، والبخاري، ح / 4657 تعليقا) وهو أفضل أيام العام؛ لحديث: «إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى : يوم النحر، ثم يوم القرّ». (22سنن أبي داود، ح / 1765، وانظر : صحيح سنن أبي داود، ح / 1552، ويوم القر هو : اليوم الذي يلي يوم النحر، سمي بذلك لأن الناس يقرون فيه بمنى) وهو بذلك أفضل من عيد الفطر، ولكونه يجتمع فيه الصلاة والنحر، وهما أفضل من الصلاة والصدقة. (23لطائف المعارف، ص482، 483)

أيام التشريق

وهي الأيام الثلاثة التالية ليوم النحر، وهي أيام عيد للمسلمين؛ لحديث: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى : عيدنا أهل الإسلام). (24أخرجه أبو داود، ح / 2419، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح / 2114)

خاتمة

ولا يتم للمسلم عمل صالح مما سبق بيانه إلا بالتوكل على رب العالمين، فهو الآلة لكل خير فالاستعانة بالله، ولا حول ولا قوة إلا به. ومدار الأمر على القبول، وهو لا يتم إلا باستيفاء شروط القبول. والله المستعان.

…………………..

الهوامش:

  1. انظر: (مجالس عشر ذي الحجة) للشيخ / عبد الله بن صالح الفوزان.
  2. تفسير ابن كثير، ج4 ص505.
  3. أخرجه البخاري، ح / 969، و الترمذي، ح / 757، واللفظ له.
  4. أخرجه أحمد، ج2ص75، 132، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
  5. فتح الباري، ج2ص534.
  6. انظر: المصدر السابق.
  7. انظر: مدارج السالكين، ج1 ص316، 317.
  8. فتح الباري، ج11 ص351.
  9. صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق .
  10. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج24 ص225.
  11. فتح الباري، ج2 ص536، وقال الحافظ : (وقد أحدث في هذا الزمان زيادة لا أصل لها).
  12. انظر: المسند، ج6 ص287.
  13. انظر: مجموع الفتاوى، ج23 ص162، 164.
  14. المسند، ج2 ص38، وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح، والترمذي، ح / 1559، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ح / 261.
  15. انظر: الفتاوى، ج23 ص161.
  16. ح / 4606 .
  17. رواه أبو داود، ح / 2419، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح / 2144 .
  18. أخرجه مسلم، ح / 1163.
  19. أخرجه مسلم، ح / 1348 .
  20. انظر: التمهيد لابن عبد البر، ج1ص120.
  21. سن أبي داود، ح / 1945، وانظر : صحيح سنن أبي داود، ح / 1714، والبخاري، ح / 4657 تعليقا.
  22. سنن أبي داود، ح / 1765، وانظر : صحيح سنن أبي داود، ح / 1552، ويوم القر هو: اليوم الذي يلي يوم النحر، سمي بذلك لأن الناس يقرون فيه بمنى.
  23. لطائف المعارف، ص482، 483.
  24. أخرجه أبو داود، ح / 2419، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح / 2114.

المصدر:

  • عبد الحكيم بن محمد بلال، مجلة البيان العدد : 99.

اقرأ أيضا:

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد