الاصول المرجعية

ماذا لو كانت المرجعية التي نبحث عنها لا تصلح للتطبيق أصلاً؟ وماذا لو كانت المشكلة ليست فينا، بل في المرجعية ذاتها؟

ماذا لو كانت كل المرجعيات المطروحة على الساحة اليوم – بما فيها بعض المرجعيات الدينية – تفتقد الصفات التي تجعلها صالحة للحكم وإدارة الحياة؟

ثم السؤال الأهم: ما هي الصفات التي يجب أن تتوفر في أي مرجعية لكي تكون صالحة للتطبيق؟

وهل تتوفر هذه الصفات في المرجعية الإسلامية؟

قراءة موسعة في الفصل الثالث من كتاب “النظرية الحركية في السياسة الشرعية”.

تمهيد: المعيار قبل الحكم

يبدأ المؤلف هذا الفصل بتقرير مهم: أي مرجعية ينبغي أن تتوفر فيها صفات ترشحها لتقوم بهذا المقام، فإن خلت منها أو من إحداها اختلت المساحة المرجعية أو اهتزت.

وهذا يعني أن المؤلف لا يفترض صلاحية المرجعية الإسلامية مسبقاً، بل يضع معياراً أولاً، ثم يختبر المرجعيات المختلفة في ضوئه. وهذا هو المنهج العلمي الصحيح: المعيار قبل الحكم، والاختبار قبل التقرير.

ويشير المؤلف إلى أن سيد قطب رحمه الله قد وفى هذا الموضوع حقه في كتابه “خصائص التصور الإسلامي ومقوماته”، لكنه هو سيسوق الكلام مساق الحديث عن خصائص “المرجعية” التي يجب الرجوع إليها، وهي الكتاب والسنة وما لحقها من سنة الخلفاء الراشدين. وقد أضاف المؤلف ثلاث خصائص تعبر عن كمال التشريع الإسلامي وجمال خصوصيته على باقي الشرائع.

أولاً: الخصائص الخمس التي يجب أن تتوفر في أي مرجعية

  1. الربانية

وهي أولى خصائص هذه المرجعية، ومصدر هذه الخصائص كذلك، إذ هي مستتبعة بقية الخصائص ومنتجة لها.

ومعنى كونها ربانية: أن المُصحِّح لاعتبارها مرجعية هي كونها من عند الله باعتباره الخالق الحاكم، وهو ما تقتضيه الآية الكريمة: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54). وكونها ربانية يجعل من هذه المرجعية معصومة الخطأ في الوقوع في الزلل باعتبار أصلها، لا باعتبار التطبيق البشري لها.

ومن خصائص كونها ربانية أنها بمثابة الدستور الأكمل الذي يصح أن يلتقي عليه البشر، فلو لم تكن ربانية لصعب على جميع البشر أن يلتقوا جميعاً عليها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82).

ومن أبرز آثار هذه الخصيصة: شعور الإنسان بأنها ذات سلطة تمتلك حق الأمر والنهي، سلطة أعلى من الإطار الإنساني وأعلم وأعظم. وشعوره بأنها من عالم الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية، وبأنها الصالحة لحياة هذا الإنسان؛ إذ إنها مُنزَّلة من الحكيم الخبير، الذي خلق الإنسان وأنزل له ما يُصلح شأنه به في حال رجع إليه واحتكم إليه.

  1. الثبات والحركية

وهذه الخصيصة ناشئة من كونها ربانية. فبما أنها صادرة من الله، ووظيفة الكينونة الإنسانية فيها هي التلقي والاستجابة والتكيف والتطبيق في واقع الحياة، وبما أنها ليست نتاج فكر بشري ولا بيئة معينة ولا فترة من الزمن خاصة، فإنها “الهدى الموهوب للإنسان هبة لدينه خالصة من خالق الإنسان رحمة بالإنسان”.

ومن هذه الخصيصة تنشأ خصيصة أخرى: “الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت”. فهناك ثبات في مقومات هذه المرجعية الأساسية، فهي لا تتغير ولا تتطور حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية، وأشكال الأوضاع العملية. فهذا التغيير يظل محكوماً بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور، ولا يقتضي هذا تجميد حركة الفكر والحياة، ولكنه يقتضي السماح لها بالحركة – بل دفعها إلى الحركة – ولكن داخل هذا الإطار الثابت.

ويؤكد المؤلف أن هذا عين ما ندعو إليه اليوم: تثبيت الإطار العام والاتفاق على المرجعية، ثم تفعيل الحركة في داخله، والاستفادة من تخصيصه الحركة في مواجهة الأوضاع والوقائع المختلفة، بما يجمع بين حركة الواقع وأصالة القاعدة.

  1. الشمولية

وهذه الخصيصة ناشئة من طبيعة الخصيصة الأولى “الربانية”؛ ذلك أنه كذلك لأنه من صنع الله لا من صنع الإنسان، والشمول طابع الصنعة الإلهية الأصيل.

ويؤخر المؤلف الحديث عن هذه الخصيصة بشكل منفرد إلى مبحث مستقل، لأنها من أهم الخصائص التي تخدم عملية الاستنباط السياسي.

  1. التوازن

وهذه الخصيصة تتصل بخصيصة الشمول؛ فهي مرجعية شاملة وشمولها متوازن. “وقد صانتها هذه الخصيصة الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك والغلو هنا وهناك والتصادم هنا وهناك، هذه الآفات التي لم تسلم منها مرجعية أخرى”.

ومعنى كونها متوازنة: أنها استطاعت الجمع بين سنن الله الكونية وبين القيم الإيمانية بشكل متوازن لا غلو فيه ولا إقصاء فيه، لأي سنة من سنن الله أو آية قيمة إيمانية. لا على أمثال ما مُنيت به بعض الانحرافات الموجودة الآن على الساحة من التفريق بين سنن الله الكونية وقيمه الإيمانية!

ويؤكد المؤلف أن العود إلى مرجعية متوازنة يورث سيراً متوازناً، ويضمن نتائج أقرب إلى الصواب، وفقدان هذه الخصيصة في المرجعية أو عدم فهمها بشكل متوازن يؤول إلى كوارث في النتائج، وانحراف في التطبيق.

  1. الواقعية

وهذه الخصيصة فرع عن كونها ربانية وشمولية، فالمرجعية تتعامل مع الحقائق الموضوعية ذات الوجود الحقيقي المستيقن والأثر الواقعي الإيجابي، لا مع تصورات عقلية مجردة، ولا مع مثاليات لا مقابل لها في عالم الواقع أو لا وجود لها في عالم الواقع.

“ثم إن التصميم الذي تضعه المرجعية للحياة البشرية يحمل طابع الواقعية كذلك؛ لأنه قابل للتحقيق الواقعي في الحياة الإنسانية”.

ويؤكد المؤلف أن هذه المرجعية حتى تكون مرجعية حقاً لا بد أن تملك مقومات مواجهة الواقع ومعالجته والتصدي له. ولا شك في كون الإسلام مرجعية تملك – على وجه لا مزيد عليه – إعطاء الحلول الواقعية العملية التي تهدي أبناءها لأحسن التصرف في استنقاذ الدين وهداية الأمة واتخاذ القرار.

ويختم المؤلف هذا المبحث بتقرير مهم: فالإسلام لو لم يملك ذلك – حاشا – ما صلح أن يكون مرجعية أصلاً، إذ أن من خصائص أي مرجعية أن تملك ذلك حتى تصلح أن يرجع إليها الناس، وتؤوب إليها البشرية في حوالك الظلمات، وشدائد الملمّات.

ثانيًا: الخصائص الثلاث المميزة للمرجعية الإسلامية

بعد أن عرض المؤلف الخصائص الخمس التي يجب أن تتوفر في أي مرجعية، ينتقل إلى ثلاث خصائص إضافية تميز المرجعية الإسلامية وحدها دون سائر الرسالات. ويؤكد أن اختصاص رسالة الإسلام بصفات إضافية يتعلق بتفردها كمرجعية، كون إعجاز هذا الدين بمرجعيته، لا بما جرى من خوارق السنن على يد النبي صلى الله عليه وسلم كمثل الأنبياء السابقين.

  1. العالمية

لقد ميز الله تعالى مرجعية هذه الأمة بكونها ذات طابع عالمي شامل لا تختص بإقليم معين، ولا بجنس محدد، فهي لكل البشر على اختلاف أصنافهم وألوانهم. فالنص القرآني جاء ليعالج مشكلات البشر كلهم، لا يفترض لنفوذه حاجزاً بين بني الإنسان، على خلاف المرجعيات الأخرى.

ومن طبيعة النص القرآني أنه نص عالٍ في نفسه، معجز بذاته، أنزله الله ليعمل فوق كل أرض وتحت كل سماء، ذكر وموعظة لكل العالمين، فيه تفاصيل ما يحتاجه البشر في كل زمان ومكان. أنزله الله تعالى لهذا الإنسان الذي لم يتغير ولم يتبدل، والقرآن هو هو لم يتغير ولم يتبدل؛ فكما أنه استطاع أن ينقل الإنسان الأول من حوالك الظلمات إلى نور الهدايات، فهو يستطيع اليوم وغداً أن ينقله مرة أخرى إن استمسك بهدايته وقوانينه هذا الإنسان.

قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 27)، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (يس: 69-70).

  1. الخلود والحفظ

والخلود يعني الاستمرار والبقاء والوراثة على وجه تصلح به هذه المرجعية لإدارة شؤون الخلق في أي وقت وفي كل مكان، فهي لم تُنزَّل لتُنسَخ أو تفنى؛ بل هي خالدة خلود الإنسان على هذه الأرض.

ويؤكد المؤلف أنه لولا أنها ربانية شمولية عالمية لما صح أن تكون خالدة، وخلودها واستمراريتها في الحياة يجعل منها مرجعية ثابتة مرنة، تتكيف مع الواقع، وتستطيع الإجابة عن أي سؤال يخطر على ذهن الإنسان، وتستطيع إيجاد الحلول المناسبة لمشاكله كافة.

  1. الإعجاز

والإعجاز صفة ثالثة تميز بها هذه الرسالة. فكل نبي أعطي معجزة خاصة به لم يُعطها بعينها غيره، تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه. وكانت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم العظمى التي اختص بها دون غيره هي القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح.

وهذا الإعجاز لا يقتصر على بلاغة النص أو فصاحته، بل يشمل شمولية تشريعه وصلاحيته لكل زمان ومكان، وعالميته، وخلوده، وتوازنه، وواقعيته – وهي الصفات التي تجعله معجزة خالدة، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد.

ثالثًا: خلاصة الفصل وتوجيه الدراسة

ويختم المؤلف هذا الفصل بخلاصة مهمة:

فهذه خمس من الخصائص يجب أن تتوافر في أية مرجعية يرجع إليها الإنسان لتحصيل سعادته في الدنيا وفي الآخرة، وثلاث خصائص أخرى لم تتحقق إلا في مرجعية هذه الأمة.

ولا شك عند كل مسلم في أن هذه الصفات لا تتوافر اليوم في أية مرجعية من المرجعيات المحتملة إلا في المرجعية الإسلامية: القرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين لما دلّ الدليل، وسيأتي التفصيل.

ويوجه المؤلف نقداً لاذعاً لمن يزعمون أن العقل وحده كافٍ: والذين يظنون أنهم تُركوا لعقولهم وحدها يرجعون إليها فقد أعظموا الفرية عليها وعلى مدبّر أمور الناس وخالقهم؛ إذ تخلو هذه العقول عن كل هذه الصفات والخصائص التي يجب أن تتصف بها المرجعيات، فليتأمل.

ثم يحدد المؤلف وجهة الدراسة في الفصول التالية: سنُسلِّط الضوء على خصيصتين من بين هذه الخصائص، وذلك لطبيعة الدراسة وهدفها، وهما: الشمولية، والحركية. وهما الخصيصتان اللتان تخدمات عملية الاستنباط السياسي التي تهدف الدراسة إلى تجليتها وبيانها.

المصدر

د. محمد النوباني، النظرية الحركية في السياسة الشرعية. الفصل الثالث: خصائص الأصول المرجعية وشموليتها، بتصرف.

اقرأ أيضا

الحاجة إلى المرجعية القرآنية وخطر الانحراف عنها

تأصيل النظرية الحركية في المصادر المرجعية الإسلامية

التعليقات معطلة