لماذا صار كل شيء اليوم على المكشوف؟ ولماذا يعرض نتنياهو خارطته على التلفاز دون مواربة؟ وما دلالة أن تُصنَّف الدول على أساس مركزية الوجود الإسرائيلي؟ وهل يمكن أن تتكرر مجازر السودان في بلدان عربية آمنة؟ ولماذا لم تعد قراءة المشهد ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية؟
ماذا يعرض نتنياهو ولماذا الآن؟
قبل أيام، عرض نتنياهو خارطة لمنطقة الشرق الأوسط، صنّف فيها الدول على عدة تحالفات بناءً على مرجعية ومركزية الوجود الإسرائيلي. فبين تحالفات في المنطقة مع الكيان الإسرائيلي، وبين المحاور الأخرى الموجودة في المنطقة، وكان هذا العرض يشكّل حالة من الانكشاف الواضح الذي هو سمة من سمات المرحلة.
سابقًا، قبل عقود، كان الإنسان يجد تعبًا شديدًا حتى يصل إلى خطط الأعداء، وإلى رؤيتهم، وإلى تصريحاتهم أو آرائهم الخفية. أما اليوم، ونظرًا لحالة الوهن العامة في الأمة، ونظرًا لحالة الاستعلاء الشديد من الكيان المحتل وغيره، فإن كل شيء اليوم صار على المكشوف: هذه خارطة، هذه التحالفات، هؤلاء أصدقاء الكيان المحتل ومنهم دول عربية بشكل واضح، وهؤلاء أصدقاء لهؤلاء الحلفاء، وهؤلاء كذا. كل شيء على المكشوف وعلى الواضح، ويعرض في التلفاز، ومن نتنياهو بنفسه يعرض كل هذه القضايا.
فما دلالات هذه الخارطة؟ ولماذا صار كل شيء على المكشوف؟ وما الذي يمكن توقعه بناءً عليها؟ ولماذا لم يعد الحديث عن المشهد ترفًا فكريًّا؟ هذا ما يحاول هذا المقال بيانه.
خارطة في غاية الخطورة
صار من السهل اليوم على من يريد معرفة الحقائق أن يعرفها، وصار من السهل اليوم على الإنسان الحر المستقل الذي يستعمل العقل الذي وهبه الله إياه أن يدرك بشكل واضح كثيرًا من الحقائق الموجودة في الواقع، على الرغم من صعوبة المشهد أحيانًا، وعلى الرغم من بعض التعقيدات في المشهد السياسي والعسكري والأمني والعالمي.
في الحقيقة، هذه الخارطة التي عرضها نتنياهو تعد خارطة في غاية الخطورة، ويمكن قراءة أشياء متعددة من خلالها، ويمكن توقع أشياء يمكن أن تحصل – والعلم عند الله تعالى – بناءً على هذا التصنيف الذي صنّفه أو الذي عرضه نتنياهو في ذلك المشهد.
تقسيم جديد للدول
يمكن أن يكون هناك تقسيم جديد للدول في المرحلة القادمة، يمكن أن تكون هناك ميليشيات ترتكب مجازر هائلة في وسط البلدان العربية الآمنة، مثل ما ارتكبت ميليشيا الدعم السريع المجازر في السودان، وهذه الميليشيا مصنفة في هذه الخارطة كحليف للكيان المحتل. يمكن لأي حليف آخر بمثل هذه التصنيفات والميليشيات أن يقوم بمثل ذلك.
السودان — درس وعبرة
كانت السودان آمنة مطمئنة، وأهلها من أفضل الشعوب طيبة واستواء ورحابة صدر، وهم قليلوا الأعداء، لم يكن لهم رصيد من العداوات في المنطقة، ومع ذلك ارتكبت في حقهم أبشع المجازر.
الخطر قد يأتي إلى البلدان الآمنة
ومن يقرأ هذه الخارطة وهذا المشهد يفهم كثيرًا من الأمور، ويدرك أن بعض البلدان التي تعيش اليوم استقرارًا يمكن أن يحصل فيها في الغد مثل ما حصل في السودان، إذا لم نكن على قدر كافٍ من الوعي بما يحصل في هذه المنطقة.
العبرة من السودان
السودان لم يكن له عداوات تاريخية مع أحد، ولم يكن طرفًا في صراعات المنطقة الكبرى، ومع ذلك استُبيح وأُهلك شعبه. وهذا يعني أن الاستقرار الذي تعيشه بعض البلدان ليس ضمانًا أبديًّا، وأن الخارطة الجديدة قد تفتح أبوابًا لميليشيات وأذرع تعبث بأمن البلدان التي ظنّت نفسها بمنأى عن الصراع.
لماذا الحديث عن المشهد ليس ترفًا؟
الحديث اليوم عن المشهد في المنطقة ليس حديثًا طرفيًّا، وليس حديثًا نقضي فيه الأوقات ليشارك كل برأيه، وإنما الحديث حديث جد، والأمر ليس باللعب، والمنطقة تمر بلحظات حرجة، ونحن أمام لحظات قد تكون فاصلة في التاريخ الحديث والتاريخ المعاصر.
كسر الغفلة
والغفلة التي تسود بعض الشعوب الإسلامية اليوم يجب أن تُكسر، ويجب على كل شعب وكل فئة من الناس تريد مصلحة نفسها أن تفكر وتفهم وتستعد لهذا النوع من الأحداث، ولهذا النوع من المتغيرات السريعة والمتغيرات الكبيرة، والتي هي بطبيعة الحال لن تخرج عن قدر الله ولا عن سنن الله سبحانه وتعالى.
الخارطة ليست وليدة اللحظة
هذه الخارطة لم تتشكل اليوم، وهذا المشهد ليس وليد اللحظة، وإنما إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، أو عدنا بالتفكير إلى العقود السابقة، سنجد أن المشهد في المنطقة أعان على الوصول إلى هذه النتيجة. فمن يقرأ الخارطة بمعزل عن العقود الماضية يقرأ نصف المشهد فقط.
إعادة رسم التحالفات
الخارطة لا تعرض واقعًا فحسب، بل تعرض رؤية لما ينبغي أن يكون. فتصنيف الدول إلى حلفاء وأعداء بناءً على مركزية الوجود الإسرائيلي، يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد إعادة رسم للتحالفات، وضغطًا على الدول التي لم تنضم إلى هذا المحور، وتشجيعًا للدول التي انضمت إليه.
تصنيف الميليشيات كحلفاء
وليس أخطر في هذه الخارطة من تصنيف بعض الميليشيات كحلفاء للكيان المحتل، كما في حالة ميليشيا الدعم السريع في السودان. فمثل هذه الميليشيات قد تُستخدم لتنفيذ أجندات خارجية في بلدان عربية آمنة، وقد ترتكب مجازر هائلة تحت غطاء التحالف مع الكيان.
توقعات مستقبلية
بناءً على هذا التصنيف، يمكن توقع أن تشهد المرحلة القادمة:
- تقسيمًا جديدًا للدول على أساس الولاء والبراء من الكيان.
- ميليشيات جديدة ترتكب مجازر في بلدان آمنة.
- ضغطًا على البلدان المترددة للانضمام إلى المحور الأمريكي-الإسرائيلي.
- تشجيعًا للدول التي طبّعت لتوسيع التطبيع وتحويله إلى تحالف استراتيجي.
المصدر
أين المشروع السني؟!، صراع المشاريع في المنطقة، أحمد السيد، بتصرف.


