إذا كان حجم الاستهداف الغربي للمسلمين وبلادهم بهذا الاتساع، والهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية تحكم قبضتها على هذه الأمة، والأنظمة العميلة مرتبطة بسيدها الغربي من كل النواحي، والحكام منكشفو الولاء وشائعو الفساد والإفساد في أقدس بقاع الإسلام، فمن أين سيأتي التغيير؟
قراءة في ثبات اليقين أمام واقع الهيمنة والاستضعاف
الواقع كما يراه الناس
من يرى حجم الاستهداف الغربي للمسلمين وبلادهم، ويراقب حجم الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية التي تحكم قبضتها على هذه الأمة حتى لا تقوم لها قائمة، إضافة إلى ما نعانيه من استبداد هذه الأنظمة العميلة التي تحكمنا والتي ارتبطت بسيدها الغربي من كل النواحي، وإلى انكشاف ولاء الحكام وشيوع فسادهم وإفسادهم علانية وفي أقدس بقاع الإسلام، مكر بالليل والنهار، إفساد للأسرة، استهداف للعقيدة، ترويج للانحلال والانحراف والشذوذ والتعري والتحلل من القيود الشرعية، التمرد على دين الله وشرعه.
والذي يرى واقع أمته فيراها ممزقة، فقدت هيبتها، وسُلب منها قرارها، ثم يلقي نظرة خاطفة على ما يجري من فلسطين إلى السودان إلى بورما إلى مسلمي الروهينجا، وإلى ما لا نهاية له.
من يرى كل هذا حوله يقول: لا يوجد مخرج، لا طاقة لنا للنهوض من جديد، ولا للعمل للتغيير. فمن أين سيأتي التغيير والواقع هذا حاله، وإن القبضة أصبحت أشد من أن تُفك، وإن ما بُني خلال عقود من سياسات الهيمنة والظلم لا يمكن أن يتغير.
لماذا يقول البعض هذا الكلام؟
في أغلب الأحيان، من يقول ذلك لا يقوله لأنه لا يريد التغيير، ولا لأنه فقد غيرته على أمته، وإنما لأنه يحسب الأمور بموازين البشر.
وبصراحة، عندما تحسبها بهذه الطريقة يصعب عليك أن ترى أي ضوء في آخر النفق.
هنا بالضبط يأتي القرآن ليقلب لك المعادلة، وليقول لك: انتبه، أنت تحسبها بالحساب الخطأ.
الآية التي تقلب المعادلة
يقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: 46-47].
لاحظ يا أخي، القرآن لم يقل لك: أنت واهم، لا يوجد مكر. بل قال: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾، يعني نعم، هناك مكر من أعداء الله، وهناك تدبير يصعب تخيله، وقد يبلغ ما يراه الناس من عظم المكر حدًّا يظنون معه أنه لا يمكن أن يتغير بعدها.
ثم قال مباشرة: ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾. هنا ينقلب المشهد كله.
أنت ترى ما يفعلون، لكن إياك أن تنسى أن الله يراه. أنت ترى قوتهم، والله سبحانه هو صاحب القوة. أنت ترى شبكة هائلة من النفوذ والمصالح والمؤسسات، والله يقول لك: كل هذا عندي. كل ما تراه من مكر وهيمنة وظلم، الله يعلمه وهو محيط به، فلا يخرج شيء منه عن علم الله، ولا عن قدرته، ولا عن حكمته.
﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾.
فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله
ثم ماذا يعقب الله على هذه الصورة؟ هنا تأتي الآية التي والله لو استقرت في قلب المسلم لما استطاع هذا الواقع أن يزحزح إيمانه قيد أنملة.
قال بعدها مباشرة: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾.
انظر إلى حالة الاطمئنان التي تشعرك بها هذه الكلمة. ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ يعني لا تسمح لما تراه الآن، لكل ما تراه من مكر وتدبير رغم حجمه وعظمه، أن يُسقط وعد الله من حساباتك.
لأنك كبشر قد لا تعرف بأي صورة سيأتي التغيير، وقد لا تعرف من أين ستُفتح الأبواب، وقد تعجز بحساباتك البشرية عن تصور كيف يمكن لأمة بهذا الضعف أن تستعيد مكانتها.
اليأس الذي يهز الإيمان بقدرة الله
إن اليأس أحيانًا لا يدفعك إلى إنكار وجود الله، لكنه يهز إيمانك بمدى قدرة الله على تغيير هذا الواقع الذي صُوّر لك أنه بات مستحيلًا.
وهذا تمامًا ما يجب أن نحذر منه.
وقد بيّن لنا الوحي بالطريق العملي كيف يكون التعامل والحساب في هذه الظروف العصيبة.
كيف تعامل رسول الله ﷺ مع هذا الواقع؟
انظر إلى رسول الله ﷺ، وهو أكرم الخلق وسيد البشر والأسوة الحسنة، كيف تعامل مع هذا الواقع عندما بدا لبعض أصحابه أن لا مخرج لهم منه؟
في مكة كانت تقول الحسابات البشرية: رجل واحد، أصحابه قلة، وقريش تملك القوة والمنعة والمكانة. تعذيب، حصار، اضطهاد.
ثم يخرج ﷺ إلى الطائف، فلا يجد النصرة التي يرجوها، بل يؤذيه أهلها، ويغرون به سفهاءهم، فيرمونه بالحجارة حتى أدمت عقبيه ﷺ.
ويرجع إلى مكة في أشد حالات الاستضعاف.
بهذه الصورة، لو كانت المسألة حسابات قوة بشرية فقط، لكان السؤال: كيف يمكن لهذه الدعوة أن تغير شيئًا؟
لكن رسول الله ﷺ لم يكن يبني نظرته إلى الواقع والمستقبل على موازين قريش، بل كان يبنيها على وعد الله.
بشارات النبي ﷺ في أشد لحظات الاستضعاف
كان يقول لأصحابه المعذبين المضطهدين: «والله ليُتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
وكان يقول لهم: «أبشروا فإن الله عز وجل مظهر دينه ومتم كلمته وناصر نبيه».
وكان ﷺ يقول لزيد وقد أحزنه حال رسول الله ﷺ: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا».
لم يكن رسول الله ﷺ ينظر إلى ما في أيدي قريش، بل كان ينظر إلى وعد الله.
ثم تأمل هذا النبي الكريم الذي كان مستضعفًا في مكة ومطاردًا من أهلها، يعود بعد سنوات فيدخلها فاتحًا. والذي كان مستضعفًا يقيم دولة ويقود أمة. والجماعة التي كان ينظر إليها على أنها شيء صغير تصبح أمة تغير وجه التاريخ.
لماذا أقول لك هذا الكلام؟
لماذا أقول لك هذا الكلام؟ لا أقوله لأعطيك بشرى بأن الأمور ستتغير غدًا، ولا لأعطيك موعدًا لنصر لا أعلمه، ولكن لأذكرك بحقيقة يجب ألا تضيع منك:
لا تجعل لحظة من التاريخ تهدم إيمانك. كل ما تراه الآن هو لحظة من التاريخ.
فالذي غيّر واقع مكة قادر على تغيير واقع الأمة، والذي أخرج المسلمين من حال الاستضعاف إلى التمكين لا يعجزه مكر الماكرين.
ولهذا ختم الله الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾. الله عزيز فلا أحد يغلبه، وهو سبحانه ذو انتقام فلا تظن أن ما يفعله الظالمون سيبقى بلا حساب.
لا تنظر إلى المكر وحده
أنا لا أنكر عليك خوفك من مكر بلغ حده، ولا أدعوك للتعامي عن مكر تكاد تزول منه الجبال، لكن أقول لك: لا تنظر إليه وحده بمعزل عن وعد الله وقدرته، ولا تغفل لحظة واحدة عن قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 48].
كل ما هو مطلوب منك أن تثق بوعد الله، وأن تعمل بما أمرك به.
أما أن تتغير الموازين، ومن أين يأتي الفرج، ومتى يفتح الله الباب، فهذا ليس شأنك، ولا مما كُلفت به. فلا تشغل نفسك بما يقع عليك، ولكن اشتغل بما كُلفت به.
المكر لكن الله أكبر
أخي الحبيب، المكر لكن الله أكبر، وهو سبحانه القادر على أن يكتب السطر الأخير لهذا الصراع بتحقق وعده وإقامة دينه ونصر عباده، وهو وحده صاحب الحكمة البالغة والإرادة النافذة.
القائل في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: 36].
والقائل: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].
فاثبت واعمل، ولا تترك حبل الله.
لأن الله حين قال لك: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لم يعطك موعدًا، لكنه أعطاك شيئًا أعظم، وهبك يقينًا بأن الوعد لن يسقط.
فإياك أن تظن أنه ليس هناك من مخرج، لأنك ببساطة لا تملك مفاتيح الأبواب. فمفاتيح الأبواب كلها بيد الله وحده، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا.
والله المستعان.
المصدر
سائد مرعي “حين تنهار الحسابات البشرية: وعد الله ومكر الماكرين” محاضرة مفرغة بتصرف.


