المرجعية القرآنية

ماذا لو كانت الأزمة ليست في قوة الأعداء، بل في ضعفنا نحن؟

ماذا لو كان الدواء بين أيدينا، لكننا لا نحسن استخدامه؟

ماذا لو كان القرآن الذي نحمله في جيوبنا ونضعه في رفوفنا، هو نفسه القرآن الذي انتصرت به أمةٌ لم يكن لها عددٌ ولا عتاد؟

فلماذا لا ننتصر اليوم؟

قراءة في كتاب “النظرية الحركية في السياسة الشرعية“

هذه الأسئلة ليست من وحي الخيال. إنها الأسئلة التي انطلق منها الدكتور محمد النوباني في كتابه “النظرية الحركية في السياسة الشرعية”، حين قرر أن يواجه الحقيقة عارية: الأمة تعيش تخبطاً لم يسبق له مثيل، والصف الإسلامي ذاته يعيش حالة من الذهول والحرية أمام الضربات المتتالية.

لكن المؤلف لا يتوقف عند التشخيص، بل يمضي إلى ما هو أخطر: هل نحن معذورون؟

والجواب الذي يقدمه ليس مريحاً، لكنه صادق: لا، لسنا معذورين. لأن الله أودع بين أيدينا ما ينقذنا من الغرق، وبين لنا قدره ومكانته، وجعل القرآن سراجاً نستضيء به.

فما هو هذا السراج؟ وما هي أوصافه التي تجعله مرجعية لا بديل عنها؟ وكيف انحرفنا عنه؟ وما هي نتائج هذا الانحراف؟

هذه هي الأسئلة التي يجيب عنها هذا المقال.

أولاً: بين الذهول والمسؤولية

تبدأ رحلة النوباني من تشخيص دقيق: الأمة تعيش حالة من التخبط الشديد الذي لم يسبق له مثيل في تاريخها. ويستشهد ببيت شعري معبر: “أنّى أهتد إلى الإسلام في بلدٍ / تحدّه كالطير مقصوصًا جناحاه”. فالأمة لم تفقد بوصلتها في أسوأ مراحلها فحسب، بل وصل بها الحال إلى أن يقدَّم إليها إسلام “مخفف” – إن جاز التعبير – ليكون مقبولاً عند المجتمع الدولي.

لكن المفارقة الكبرى أن المشكلة ليست في مكايد الأعداء وشراسة الهجوم، بل في الصف الإسلامي ذاته، الذي يعيش حالة من الذهول والحرية أمام هذه الضربات المتتالية. ويطرح المؤلف السؤال المركزي: هل نحن معذورون في هذا العجز؟ ويجيب بوضوح: “نحن لسنا معذورين”؛ لأن الله قد أودع بين أيدينا ما ينقذنا من الغرق، وبين لنا قدره ومكانته، وأودعنا سراجاً نستضيء به.

والمنهج الذي انتصرت به الأمة أول مرة هو نفسه المنهج الذي ستنتصر به اليوم، كما قال سيد قطب: “يتبين أن الوسائل هي الوسائل كذلك، والأهداف هي الأهداف، ويتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة، ومرجع هذه الأمة، كما كان قرآنها ومرجعها بالأمس في نشأتها الأولى”.

ثانيًا: خطر غياب الرؤية المتكاملة

ينتقل المؤلف إلى تشخيص الأزمة الحقيقية في المشروع الإسلامي المعاصر، والتي يلخصها في “غياب الرؤية المتكاملة والأفق الكلي” في إدارة حركة المشروع الإسلامي. ويؤكد أن هذا الغياب كفيل بإجهاض المشروع وفشله، حتى مع وجود الصدق والإخلاص.

ثم يقدم – دون أن يقصد التسمية والتمثيل – نموذجًا لخمسة أنواع من الدعوات الإسلامية التي فشلت أو تعثرت بسبب غياب الرؤية الشاملة:

النموذج الأول: دعوة سكتت عن مصائب أمتها، واتخذت منهج الوعظ سبيلاً وحيدًا متفرقًا.

النموذج الثاني: دعوة سلكت درب القتال وحملت السيف منذ اللحظة الأولى، دون نظر في الواقع والمآل.

النموذج الثالث: دعوة حصرت كل مشروعها في رياضة النفس وتزكيتها، وكأن الدين ليس إلا هذا الباب.

النموذج الرابع: دعوة تلقت العلوم الشرعية بصورة جامدة من غير ربط بالواقع، بل صارت أداة لتمكين أعداء الدين بما يصدر عنها من فتاوى.

النموذج الخامس: دعوة أخذت بالعموميات وزعمت الدوران مع عموميات الشريعة والعناية بمقاصدها، فأل بها الأمر – في أغلب الأحيان – إلى إهمال أساسيات ومفاصل، وإلى تضييع المناهج التي يُتوصل بها إلى تلك المقاصد، فاقتربت من الدعوات العلمانية الإصلاحية.

ويخلص المؤلف إلى أن الأمة تمتلك الرصيد الكافي من الصدق والإخلاص والاستعداد للتضحية، وهذا الرصيد يؤهلها لقبول الحق والإذعان لسلطان النص على القلوب. كما أن اتفاق هذه الدعوات على أن مرجعيتها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله يُشكل قاعدة صلبة يمكن الانطلاق منها والبناء عليها.

ثالثًا: شكل العلاقة مع المرجعية القرآنية

ينتقل المؤلف من تشخيص الأزمة إلى تحديد طبيعة العلاقة الواجبة مع المرجعية القرآنية، فيؤكد أن سعي الأمة للاتصال بالمرجعية القرآنية والمنهج الرباني ليس نافلة أو موضع اختيار، وإنما هو واجب لا بديل عنه، ومطلب لا بد منه لمن كان يرجو سعادة الدارين.

ويدعو الأمة إلى أن تُقبل على القرآن إقبال الظمأن على المورد العذب، وتتعلق به تعلق الغريق بحبل النجاة.

ثم يبدأ المؤلف في تفصيل مظاهر هذه العلاقة التي يلخصها في سبعة عناصر:

  1. الطاعة: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 32).
  2. الاتباع: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153).
  3. الاعتصام: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).
  4. التحاكم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: 51).
  5. الرَّد إليه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: 59).
  6. الاستجابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24).

رابعًا: أوصاف القرآن الكريم التي توجب التمسك به

يخصص المؤلف صفحات وافية لبيان أوصاف القرآن الكريم التي تجعله مرجعية لا بديل عنها، ويذكر ستة أوصاف رئيسية:

  • الوصف الأول: الهدى

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2). والقرآن كان على هذا النحو من كونه “هدى” – فمن العجز أن تُبتغى الهداية في غيره.

  • الوصف الثاني: الفرقان

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1). والفرقان – كما يقول الإمام الطبري – هو الفصل بين الحق والباطل.

  • الوصف الثالث: تفصيل كل شيء

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89). والقرآن احتوى على المبادئ الأساسية التي تقوم عليها نظم الحياة جملاً، كما أنه تضمن أحكامًا تفصيلية في المسائل التي تريد الله تشريعها في المجتمع الإنساني.

  • الوصف الرابع: بصائر

﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20). والبصائر هي جمع بصيرة، وهي ما يُبصر به الأمور.

  • الوصف الخامس: شفاء

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82). والشفاء هنا شامل لشفاء القلوب من أمراض الشبهات والشهوات، والأبدان من الأسقام.

  • الوصف السادس: نور

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء: 174). والقرآن “نور تتجلى تحت أشعته الكاشفة حقائق الأشياء واضحة، ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل”.

خامسًا: نتائج التمسك بالمرجعية

بعد أن يبين أوصاف القرآن، ينتقل المؤلف إلى نتائج التمسك بالمرجعية، وهي ست نتائج وردت في القرآن الكريم:

  1. التمكين والاستخلاف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: 55).
  2. التأييد: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (التوبة: 40).
  3. النصر: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (غافر: 51).
  4. التثبيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (إبراهيم: 27).
  5. الفلاح: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51).
  6. الفوز: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 71).

سادسًا: أوجه الانحراف عن المرجعية

ينتقل المؤلف إلى أوجه الانحراف عن المرجعية، ويحدد أربعة أوجه رئيسية:

الوجه الأول: اتباع المتشابه

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: 7). والمحكم هو ما عُرف مراد الله منه أو ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه هو ما خفيت دلالته على مراد الله.

ويؤكد المؤلف أن أصحاب المنهج السليم لا يأخذون النص المتشابه منفردًا، بل يأخذونه مع النصوص الأخرى المشتركة معه في السياق والوحدة الموضوعية، فيُضم النص المتشابه إلى النص المحكم، فتتكون منظومة محكمة تؤخذ بمجموعها لا بأحادها.

ويضرب المؤلف مثلاً من آيات القتال والجهاد، فيؤكد أن الأخذ بآية من آيات القتال منفردة بمعزل عن مجموع الآيات الأخرى، ثم تعميمها على جميع مراحل الحياة السياسية، هو ضرب من اتباع المتشابه المنهي عنه.

الوجه الثاني: الإيمان بالمرجعية مع رفض الاحتكام إليها

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (النساء: 60). وهذا الإيمان الصوري كاذب، ويوجب التهمة، بل هو خبر غير مطابق للواقع.

الوجه الثالث: التفريق بين الله ورسوله

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (النساء: 150). ومن صور هذا التفريق: القرآنيون الذين لا يؤمنون إلا بما جاء نصه في القرآن، والقرآن منهم براء. ومن صوره الأخفى: أخذ النص من كتاب الله دون النظر في سياقه التنزيلي الذي جاء به.

الوجه الرابع: تقديم رأي الأغلبية على مفصل القرآن

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: 114). ومن صور الانحراف: الاعتقاد بأن مرجعية القرآن والسنة لا تحتوي على أحكام تفصيلية في الحياة السياسية، ومن ثم اتباع الأحكام السياسية التي تقوم على رأي الأغلبية من غير الرجوع إلى المرجعية القرآنية.

سابعًا: نتائج الانحراف عن المرجعية

يختتم المؤلف هذا الفصل ببيان نتائج الانحراف عن المرجعية، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63). ويذكر ست نتائج:

  1. الفتنة: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (العنكبوت: 3).
  2. التنازع والفشل وذهاب الريح: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46).
  3. الاختلاف والشقاق والتفرة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (آل عمران: 105).
  4. إحباط العمل وإبطاله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (المائدة: 5).
  5. الخسارة: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (البقرة: 108).
  6. الزلل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ (النساء: 115).
المصدر

د. محمد النوباني، كتاب “النظرية الحركية في السياسة الشرعية”، الفصل الثاني: تأصيل النظرية الحركية في المصادر المرجعية الإسلامية، بتصرف.

اقرأ أيضا

المفاهيم القرآنية سبيل لنهضة الأمة

نحو استعادة مركزية القرآن الكريم

التعليقات معطلة