مقامك حيث اقامك

إذا كان العبد لا يختار قدره بل الله يختاره له ويختبره به في كلا حاليه: بسطا وقبضا، غنى وفقرا، شكرا وصبرا، فما هو الفقه الذي يجب أن يعيش به المهاجر في غربته؟ وكيف يحول العزلة القاسية إلى محطة بناء وعمل حقيقي ينفعه ويقدم نفعا حقيقيا لأمته ودينه، متجاوزا قيود الجغرافيا؟

السؤال – عزلة قاسية وفراغ وتراجع إنجاز

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا وأستاذنا الكريم، حفظكم الله ونفع بكم.

أكتب إليكم مستشيرا ومسترشدا برأيكم وخبرتكم.

كنت بفضل الله أعمل في الميدان الدعوي، ولي حراك يومي واحتكاك مباشر بالشباب وقضاياهم، لكن شاءت الأقدار أن أنتقل إجباريا إلى بلد بعيد، وجدت نفسي فيه في عزلة تامة؛ لغة لا أتقنها، وعلاقات تكاد تكون معدومة، وبعد عن الأهل والأصحاب والبيئة التي نشأت وعملت فيها.

أعيش في هذه الفترة عزلة قاسية، ويتملكني شعور بالضيق والفراغ وتراجع الإنجاز، ولا أرضى لنفسي أن أستسلم لهذه المشاعر أو أن يمضي هذا الوقت دون فائدة.

رغبتي الصادقة هي أن أحول هذه الغربة إلى محطة بناء وعمل حقيقي ينفعني شخصيا، ويقدم نفعا حقيقيا لأمتي وديني، متجاوزا قيود الجغرافيا.

أرجو منكم النصيحة والتوجيه: كيف يتعامل صاحب الرسالة مع هذا الانقطاع المفاجئ عن الميدان؟

الجواب – العبد لا يختار قدره بل الله يختاره له

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله أخي الكريم.

قرأت رسالتك، وأهمني أمرك، فلم أعجل بالإجابة وقت وصول الرسالة، حتى أوفيها حقها من النظر والتدبر، فالمستشار مؤتمن، والدين النصيحة.

فاعلم – وفقني وإياك الله لما يحبه ويرضاه – بأن العبد لا يختار قدره، بل الله يختاره له، ويختبره به، في كلا حاليه: بسطا وقبضا، غنى وفقرا، شكرا وصبرا، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: 245].

ويمتد البسط والقبض لكل شيء في حياة الإنسان: في عمره، وصحته، ونشاطه، وقوته، وماله، وعمله، وعلمه، وعبادته، وصلاح قلبه، كما في الحديث: «لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة».

والسعيد من رضي بالله وبسطه وقبضه، واشتغل بأمر ربه عن حظ نفسه، وراقب مراد الله فيه ومنه، لا مراده هو من الله وما يتمناه، كما في الحديث: «إذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا».

مقامك حيث أقامك

وقد عبر عن ذلك أهل السلوك بقولهم: “مقامك حيث أقامك”.

فقم في كل مقام يقدره الله لك بما فرضه عليك، فهو أعلم منك بك وبما يصلحك، وكل قضائه لعبده خير، وإن بدا في الظاهر على خلاف ذلك: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].

فكم من عالم مسجون ممنوع من القراءة والتدريس والتصنيف كما يحب ويرغب!

وكم من مجاهد مريض عاجز ممنوع من ساحات القتال في سبيل الله كما يريد ويتمنى!

وكم من عابد ممنوع من الاعتكاف وقيام الليل والصيام والقيام بالفقر والسعي الدائب للحصول على لقمة عيشه وقوت أهله!

وإنما اختار الله لهم ما يحب أن يراهم فيه، لا كما يريدون هم لأنفسهم!

وقد قص الله قصص اختباره لرسله وأنبيائه والمحن التي جرت عليهم ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].

لا يفوتك في كل مقام ما يرضي الله

فلا يفوت عليك في كل مقام يقيمك الله فيه أن تقوم له بما يرضيه، لا بما تتمناه لنفسك وتشتهيه!

فأنت في مهجر وغربة ممنوع مما تحب أن تكون فيه، كما كان جعفر بن أبي طالب والمهاجرون معه في الحبشة، طوال خمس عشرة عاما، ولم ييسر الله لهم طول تلك المدة رؤية حبيبهم محمد ﷺ وصحبته، ومشاركته دعوته وجهاده، حتى إذا رجعوا قال لهم رسول الله ﷺ: «لكم أنتم، أهل السفينة، هجرتان».

فما يدريك لعل الله كتب لك في غربتك التي أنت فيها ثواب هجرتين وأجرك مرتين!

ماذا تفعل في مقام القبض؟

ولا تشغل نفسك في مقام القبض هذا بغير حفظ نفسك، وأداء ما فرض الله عليك، فإن يسر الله لك باب عمل صالح فالزمه، سواء كان:

تدريسا وتعليما لمن يحتاجه من المسلمين، ولو كان طالبا واحدا.

أو دعوة إلى دين الله في المكان الذي أنت فيه.

أو خدمة لمسجد يحتاج للخدمة بأذان وإقامة ونحوها.

أو لزوما له واعتكافا فيه بين قراءة للقرآن وقيام وصيام وذكر.

أو صنعة وحرفة تتعلمها وتشتغل بها وتعيل أهلك وذوي رحمك.

نماذج من رسل الله في تقلب الأحوال

وانظر كيف كان حال يوسف النبي في صغره في رعاية أبيه، ثم في غيابة الجب إلى قصر مواليه، ثم لبثه في السجن بضع سنين، ثم في الوزارة والملك، لم يخرج في كل أحواله عن قول الله عنه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24].

وكذا موسى وهو في قصر فرعون شابا مخدوما معظما، ثم وهو في مدين عشر سنين راعيا للغنم مستخدما، ثم رسولا مكرما!

فكن مع الله وقدره وقبضه وبسطه كما كان حال رسله، وأوليائه، وأصفيائه، يحبون ما يحبه لهم، ويفرحون بما قدره عليهم في حال القبض والصبر، كما في حال البسط والشكر، إذ كان صبرهم عليه يقربهم زلفى إليه.

مقام الإحسان – أن تعبد الله كأنك تراه

وهو مقام الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه».

وليس العبادة لله هنا بالمعنى الاصطلاحي وهي الأفعال المخصوصة المشروط لصحتها النية والهيئة، بل المعنى أن تعبد الله وتسلم إليه وجهك وأمرك وشأنك كله، وتكون له عبدا يراقب سيده في كل أحواله كأنه يرى ربه، فإن لم يكن العبد يرى ربه في شيء من عمله لذهول، أو انشغال بال، فلا يغيب عن باله أن الله يراه، فهو في كل أحواله بين مراقبة منه لربه، ويقين منه بمراقبة الله له.

المصدر

صفحة د. حاكم المطيري، على منصة X بتصرف.

اقرأ أيضا

رسالة إليك.. أنت المقصود بها

التعليقات معطلة