الشام

كيف يمكن لثورةٍ انطلقت من المساجد، وهتفت “قائدنا للأبد سيدنا محمد”، أن تجد نفسها بعد سقوط النظام أمام استمرار الأوضاع العلمانية في السياسة والاقتصاد والقانون، وتكريم أهل الرقص والمجون، ومظاهر الفساد والاستبداد التي بدأت تطل برأسها؟ ولماذا لم تقطف السواعد المؤمنة الصابرة ثمار تضحياتها رغم تحرير الأرض بجهدها ودمائها؟ وقفةٌ مع اللحظة الفارقة في الشام، وخطر التحول إلى “ترس” في أروقة السياسة الدولية، ومصير الأمة إذا لم يستدرك المصلحون.

مشكلة الثورة السورية.. ثورة بلا مشروع

مشكلة الثورة السورية أنّها كانت ثورة بلا مشروع، بل ظلت سنوات طويلة بلا قيادة سياسية موحّدة، مما جعلها تبدو بغير وجهة واضحة لِما بعد سقوط الأسد، فضلا عن إطالة هذا السقوط إلى عام 2024.

ولم يسقط النظام سوى مع تغيّر ظروف خارجية أدت إلى رفع الدعم عنه فانهار سريعًا مع وجود فئة انتهزت الفرصة واستطاعت سابقًا تنظيم نفسها في كيان قادر على الإدارة والتفاهم مع القوى الدولية، دون أن تمتلك مشروعًا راشدًا واضح المعالم، أو حاضنة شعبية راسخة.

الكلام لا يعجب الحالمين لكنه من مُناصر للثورة

وهذا الكلام بطبيعة الحال لا يعجب الحالمين الذين يحمّلون مفردة “الثورة” أكثر مما تطيقه، ولكني أقوله وأنا أناصر هذه الثورة منذ انطلاقها، وأدافع عنها دفاعًا شرسًا شهدتْ به منشوراتي ومدوناتي منذ عام 2011، مع فرحي العظيم بسقوط نظام المجرمين قبل نحو عامين ورفع الأوضاع الأمنية الخانقة عن أهلنا في سورية.

لماذا أقوله الآن؟

لأنّي أخشى من ذهاب تضحيات أهلنا في سورية سدى، ولأنّ كثيرًا من المصلحين يشعر بالأسى تجاه ما يحدث من استمرار الأوضاع العلمانية في السياسة والاقتصاد والقانون وغير ذلك، وتكريم أهل الرقص والمجون وفتح الأبواب لهم، مع بعض مظاهر الفساد والاستبداد التي بدأت تُطلّ برأسها.

يقول هؤلاء: لم تقم ثورتنا على ذلك، لقد كنا نقول “قائدنا للأبد سيّدنا محمد” صلى الله عليه وسلّم، لقد خرجنا من المساجد وكانت السواعد المؤمنة الصابرة على دينها هي التي حرّرت هذه الأرض بجهدها ودمائها.

هذا صحيح لكنه لا يكفي

وهذا صحيح، ولكنّه لا يكفي كي تقطف ثمرة جهدك وكفاحك إذا لم تمتلك مشروعًا قويّا لديه “أجهزة” لقطف الثمار! وهذه هي القضية التي يجب على الثورات العربية وكل محاولة تغيير تعلّمها: إذا لم تكن فاعلًا له أدوات الفعل الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني وسائر المجالات؛ صرتَ مفعولًا به، حتى لو امتلكت يومًا ما عناصر الفعل العسكري.

الفرصة لم تضع بعد

ومع ذلك، فإنّ الفرصة في نظري لم تضع بعد، خصوصا وأنّ النظام السياسي الحالي ما زال جديدًا ولم يشكّل بعد وضعًا استبداديّا صلبًا يخنق النشاط الدعوي، كما هو مآل كل نظام عربي حين لا يمتلك مشروعًا إسلاميّا راشدًا (ونسأل الله السلامة من هذا المصير).

لكنّ هذه الفرصة تحتاج من أُطر العمل الدعوي والإسلامي إلى آفاق أوسع في فهم عملية التغيير الفكري والنفسي والمجتمعي والسياسي، الذي هو أساس التصدّي لكل هذه المظاهر العلمانية كالحفلات التي ترعاها الدولة وغيرها.

لا يكفي الاحتجاج على المظاهر العلمانية عند حدوثها

فلا يكفي الاحتجاج عليها عند حدوثها، بل يجب تكوين برنامج عمل تغييري ينطلق من تصحيح المفاهيم الأساسية لهذا الدين: كالإسلام والإيمان والتوحيد وعلاقة الشريعة به والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، مع بيان فساد العلمانية وتمظهراتها لمختلف فئات الشعب، ورفع الالتباس بينها وبين الإسلام، وترسيخ الهوية الإسلامية وتجلّياتها، والانخراط في مختلف جوانب المجتمع والدولة واستهدافها بالتغيير من خلال جهود مدروسة وعمل مؤسسي منسَّق.

والجيّد أنّ الفرصة متاحة الآن بأن يكون عملًا سلميّا محضًا، دون العودة – لا قدّر الله – إلى ساحة المعارك والدماء والأشلاء!

التعويل على مظاهر التديّن لا يكفي

أما التعويل على امتلاء المساجد بالشباب، وانتشار المعاهد الشرعية، وحفلات تكريم الحفّاظ، وما شابه من مظاهر التديّن فهو تعويل على أمور طيّبة لكنّها لا تقوى على التغيير بذاتها، فإنْ لم يكن لديك تصوّر للتغيير ورصد للأمراض الفكرية والعقائدية والسلوكية وعمل منظَّم في المجتمع والسياسية والاقتصاد لا يتوانى لإحداث التغيير، إلى جانب التدافع السلمي مع المشاريع العلمانية؛ فعاجلا أو آجلا سيأتي التغيير الذي تكره، وسيحصد ثماره بالتضييق عليك وعلى أنشطتك الدعوية، وستعود إلى مربّع المظلومية والسكوت، أو النزوح والتشرّد والشتات!

إساءة الظن بالقيادة أم قراءة للتجارب؟

هناك من سيقول: ولكنْ هذه إساءة ظنّ بالقيادة التي “حررتنا”. وهي ليست كذلك، بل هي قراءة مبنية على استقراء التجارب التاريخية والحديثة، وبناء على فهم طبيعة النفس الإنسانية.

فكثير ممن دخل في خضم “التحرر الوطني” مخلصًا وفيّا مكافحًا انتهى به الأمر إلى مجرّد “ترس” في أروقة السياسة الدولية. ترس عاجز عن الحركة الذاتية وعن ممارسة سياسة راشدة تصبّ في صالح أمّته. ترس يواجه الاعتراض الشعبي بالتجاهل ثم القمع لأنّه ببساطة لم يمتلك من البداية مقومات المشروع السياسي الراشد، فوقع فريسة عمالقة السياسة العالمية، وشيئا فشيئا لم يشعر أنه انزاح عن إخلاصه الأول، ولكنه بدأ يضفي على تصرفاته الجديدة صفة “الشرعية” و”الضرورة”.

هكذا تماما ينشأ الطغاة، ولا يُستثنى منهم مسلم مهما كان صادقًا في بداياته، جميعنا معرّضون لهذه الوصفة السياسية الكئيبة المتكرّرة!

إما أن يستدرك المصلحون اللحظة الفارقة الآن

فإمّا أن يستدرك علماء الشام ودعاتها وعمّال نهضتها ومصلحوها وشبابها هذه اللحظة الفارقة الآن، وإما أن يتوقعوا مستقبلًا كئيبًا في مرحلة جديدة من معاناة هذه الأمة مع الطغيان العلماني والتبعية والضعف والهوان، فالآمال وحدها لا تصنع التغيير، بل نصنعه نحن – بإذن الله – حين نأخذ بأسبابه في الأرض.

المصدر

صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

لماذا تصرّ الدولة السورية على رعاية حفلات لمروان خوري وأصالة؟

التعليقات معطلة