فتوى رقم 24 حكم الشرع فيما يجري في اليمن في الأيام الأخيرة

بسم الله الرحمن الرحيم

تاريخ الفتوى

الأحد الموافق 9 من ربيع الآخر 1448ه 20 من سبتمبر 2026م

تصويرُ النازلة وسؤالُها

في الآونة الأخيرة حدثت طفرة في الوضع اليمنيّ لم تكن متوقعة؛ فقد نجح الحوثيون في التوسع في الساحل والسيطرة على باب المندب والجزر اليمنية، وفي الوقت ذاته قاموا بقصف أهداف داخل المملكة العربية السعودية؛ بذريعة قصفها لمدرج مطار صنعاء.

فهل ينحاز المسلم لصالح المملكة لكونها تقاتل الحوثيين المناصرين لإيران ومشروعها والمعتدين على السنة في اليمن؟ أم ينحاز للحوثيين لكونهم مناصرين لفلسطين ومعادين للكيان الصهيونيّ؟ وأيّ الفريقين على حقٍّ في هذه القضية؟ أفيدونا أفادكم الله.

التكييف الشرعيّ لواقع النازلة وتحرير محلّ النزاع

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

هذه المسألة من المسائل الشائكة، وما جعلها شائكة على هذا النحو إلا التلبيس الذي يقوم به الفريقان، فلا الحوثيون يمثلون اليمن أو يتبنون القضية الفلسطينية، ولا قوات التحالف ومَن وراءها من حكام السعودية والإمارات يمثلون الشعب اليمنيّ أو يقفون موقف المدافع عن شرعيته.

ولم تكن ميليشيات الحوثيّين سوى ذراع من أذرع المشروع الإيرانيّ المجرم الذي خرب حواضر العالم الإسلاميّ الكبرى، ولم تكن عاصفة الحزم المزعومة سوى أداة في يد المشروع الغربيّ الذي يستهدف تقسيم اليمن وتدميره؛ تمهيدًا لمشروع تقسيم الخليج والمنطقة كلها لصالح المشروع الصهيونيّ.

ومن ثمّ فإنّ الانحياز للحوثيّين بزعم أنّهم يدافعون عن القضية الفلسطينية جَرْيٌ بائس وراء سراب كاذب، والانحياز إلى النظام في المملكة ركون إلى الذين ظلموا.

ومما يزيد القضية غموضًا وتلبيسًا أنّ الذي يظهر في الصورة العامّة (المزيّفة) هو أنّ فِرَق الشيعة بكلّ مكوناتها – سواء الرافضية منها أو الزيدية – هم الذين يدافعون عن القضية الفلسطينية وعن القدس، وأنّ أهل السنة – الذين هم جمهور الأمة وسوادها الأعظم – لا يكترثون بالقضية ولا يولون أيّ اهتمامٍ بالمقدسات، ويقبعون مع الصهاينة في خندقهم ضدّ المقاومة الفلسطينية.

والحقيقة – التي يغفل عنها المسلمون ويتغافل عنها المنافقون – هي أنّ الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين، وتوالي الصهاينة وتخذل القضية الفلسطينية، لا تمثل أهل السنة، بل لا تمثل المسلمين ولا تُعَبِّر عن الإسلام، إنْ هي إلا أجهزة الاحتلال بالوكالة، وإنّما أهل السنة هم الشعوب المسلمة المقهورة، والممنوعة من قِبَل هذه الأنظمة المرتَدّة من ممارسة حقها في الدفاع عن قضايا الأمة بما فيها قضية فلسطين، ومع ذلك تقوم بما تقدر عليه، ويتعرض الأحرار منها بسبب ذلك للعسف والجور من هذه الأنظمة العميلة.

هذه الحقيقة تمضي معها على التوازي في طريق كشف التزوير حقيقة أخرى، وهي أنّه لا إيران بمشروعها الإجراميّ تمثل ما كان يسمى بالمذهب الإماميّ – على ضلاله وانحرافه – ولا الحوثيّيون يمثلون زيدية اليمن، وإنّما الواقع أنّ المشروع الإيرانيّ – ومثله الحوثيّ – يمتطي ظهر التشيع، وما نشهده من صراع ضدّ إسرائيل هو في حقيقته صراع أصحاب المشاريع التي تزاحمت وتَدَاعَتْ على أهل الإسلام، ومما زاد الأمر تلبيسًا أنّ المشروع الإيراني – بسبب عمالة النظام العربي للكيان وللأمريكان – نجح في ارتداء برقع الدفاع عن فلسطين والقدس؛ ليغسل جرائمه.

أمّا النظام الدوليّ – ومِن ورائه أمريكا والغرب – فإنّه يمسك بخيوط اللعبة، ويحاول أن يطيل أمد الصراع ريثما تتهيّأ له الظروف لإعادة تقسيم المقسم وتجزئة المجزّأ، وإذا كان النظام العربيّ – على الرغم من علمه بهذه الخطط – لا يسعى لكسب الصراع؛ فإنّ إيران ترى أنّ فرصتها مواتية لتحقيق مشروعها.

الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.

أولًا: لا يجوز للمسلم الانحياز – عقديًّا أو شعوريًّا أو عمليًّا – لهذا الفريق أو ذاك، كما لا يجوز له الولاء لهؤلاء ولا لهؤلاء، ويجب إعلان البراءة من الجميع، وعلى العلماء أن يبصروا الشعوب المسلمة بذلك، وأن يعلنوها في وجه الجميع كما أعلنها الحنفاء: (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ‌كَفَرْنا ‌بِكُمْ ‌وَبَدا ‌بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الآية (الممتحنة: 4)، ويحرم على كلّ متصدر للخطاب العام في منصات الإفتاء أو الإعلام أن يسهم في تغييب الوعي بكلام فيه تلبيس وتدليس على الناس.

ثانيًا: يجب على علماء المسلمين أن يقودوا الشعوب المسلمة في السعي للتحرر من هذه الأنظمة، ويجب على الشعوب المسلمة أن تنحاز إلى علمائها العاملين لا إلى عملائها من الحكام المحاربين لله ورسولة الموالين للصهاينة، كما يجب على علماء اليمن في داخل اليمن وخارجه من كافّة مكونات أهل السنة أن يهبوا لتحرير اليمن من كلا الفريقين الحوثيّ المحتلّ والأعرابيّ المتزندق، يجب على أهل الحلّ والعقد في الأمة أن يقودوا شعوبهم المسلمة في عملية تحرير شاملة من صهاينة اليهود وصهاينة الأمريكان وصهاينة العرب وصهاينة الفرس، وأن يتخذوا من الكتاب والسنة دستورًا ومنهجًا، ومن النبيّ وصحابته قدوة وأسوة ومثالًا، وممّا حكته سورة الحشر عبرة واعتبارًا: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ‌الرُّعْبَ ‌يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) الآية (الحشر: 2)، هذا هو الطريق الذي يعدّ أقوم السبل وأقربها إلى الغاية.

ثالثًا: يجب على أهل السنة – الذين هم أهل الإسلام على الحقيقة – أن يتوحدوا ويكونوا يدًا واحدة ضدّ كلّ هذه المشاريع المجرمة، التي تتصارع وتتدافع فوق جسد الأمة، وأن يكون لهم مشروعهم الموحد، ولا يجوز للمسلمين أن يتوسعوا في التثريب على المخالف ما لم يكن خلافه في محكمات الدين، فمن سعد بما وقع للصهاينة من نكاية على يد أعدائنا من الإيرانيين وأذرعهم فلا تثريب عليه، ومن سعد بما وقع لإيران وأذرعها من نكاية فلا تثريب عليه؛ إذْ إنّ المشروعين كليهما حربٌ على الإسلام وأهله .. والله أعلم.

التعليقات معطلة