تصويرُ النازلة وسؤالُها
بسم الله الرحمن الرحيم
كثرت في هذه الأيام حوادث القتل للمحتسبين على الحكام، الذين يمارسون الحسبة السياسية؛ ويأمرون المسئولين السياسيين بالمعروف وينهونهم عن المنكر، وينكرون عليهم فسادهم أو طغيانهم أو ولاءهم للأعداء، أو غير ذلك من المنكرات الكبرى التي تُرتكب من أنظمة الحكم في هذه الأيام، والتي قد تصل في كثير من الأحيان إلى حدّ المروق من الدين والخروج عن الملة.
هذا القتل قد يكون بمباشرة قوات الداخلية، عن طريق السلاح أو التعذيب المفضي للموت، وقد يكون بأحكام قضائية مسيّسة، كتلك الدعوى التي تحركها النيابة ضدّ الشيخ الطريفي مطالِبَةً بإعدامه، وقد يشترك في القتل أكثر من مسئول، وأكثر من جهة سياسية أو سيادية، وقد يقع التعاون على القتل بقيام نظام من الأنظمة بتسليم لاجئ سياسيٍّ إلى مجرم، كالذي يمارسه الآن نظام الدبيبة ضد المهندس محمود فتحي المعارض المصري؛ فما حكم الشرع في هذا؟
التكييف الشرعيّ لواقع النازلة وتحرير محلّ النزاع
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
هذه الأنظمة التي تقوم باعتقال وسجن وتعذيب وقتل العلماء والدعاة والمعارضين السياسيين والإعلاميين، وتقوم كذلك بتهجيرهم وتشريدهم وملاحقتهم والتضييق عليهم واضطهادهم، هذه الأنظمة ترتكب هذه الأعمال الوحشية ضدّ هؤلاء الذين يجمعهم أنّهم يمارسون الحسبة السياسية، دون أدنى حقّ، ودون أدنى رعاية لحقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية، بل إنّ أغلب هذه الأنظمة ليس لها شرعية من حيث الأصل، وهي – إذ تمارس هذه الأعمال الوحشية – تمارسها في سياق الحرب على الحقّ، بل وعلى الإسلام نفسه.
وهؤلاء المحتسبون عُزَّلٌ لا سلاح معهم، ولا يقومون – حتى – بالدفاع عن أنفسهم، فما يجري يُعَدُّ من قبيل الظلم الكبير والبغي الفاحش والعدوان السافر، بل إنّ هذا هو الذي وصفه القرآن بالإجرام، ووصف فاعليه بأنّهم مجرمون، وبأنّ ما يمارسونه فتنة هي أكبر وأشد من القتل نفسه، لأنه يأتي في سياق الصدّ عن سبيل الله وتعطيل أحكام دين الله ومظاهرة الكافرين على المسلمين؛ فمنطلقات الحكم في هذه المسألة منطلقات تستدعي أمورًا عقدية كبيرة تسهم في تغليظ الحكم وعدم السماح بتخفيفه أو التهاون فيه؟
الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.
أولًا: إنّ أَمْرَ الحكام والمسئولين بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والاحتساب عليهم، والأخذ على أيديهم، من أعظم الواجبات الشرعية، قال تعالى: (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) (هود: 116)، أي: “فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض”([1])، ولكن لما لم يقم بذلك من يكفي “اتبع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملك، وعتَوْا عن أمر الله”([2])، وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ، حَبَّةُ خَرْدَلٍ»([3]).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)([4])؛ وعليه فإنّ من قام بذلك يكون مأجورًا لا مأزورًا، ويكون مصلحًا لا مفسدًا، ولا يكون فعله خروجًا على الحاكم، إن صحَّ أنه حاكم في نظر الشرع.
ثانيًا: جميع ما يقوم به هؤلاء الحكام والمسؤولون ضدّ هؤلاء المحتسبين حرام من أعظم الكبائر، سواء كان سجنا أو ترويعا أو تعذيبًا أو مطاردة أو قتلا، فإذا وقع القتل بأيّ وسيلة فهي جريمة من أكبر الكبائر، جريمة تترتب عليها العقوبة الأخروية والعقوبة الدنيوية.
فأمّا العقوبة الأخروية فقد نصّ عليها القرآن في أكثر من موضع، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)) (آل عمران: 21-22)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) (النساء: 93).
والآية نصّتْ على عقوبات أخروية أربعة: الخلود في جهنم، واللعن، والغضب، والعذاب العظيم، ولا تجتمع هذه الأربعة إلا لمن يُخلَّد في النار، ويستثنى من الخلود في النار من كان مسلمًا وكان قتله للمسلم في سياقٍ غير سياق المعاداة الله ورسوله، أمّا إن كان القاتل غير مسلم، أو مارس القتل في سياق المعاداة – ليس للقاتل فقط – وإنّما له ولما يحمله من الحقّ؛ فهذا يكون استثناؤه من الأصل الذي هو ظاهر القرآن أمرًا غير مقبول منهجيًّا وفقهيًّا وأصوليًّا.
ثالثًا: أمّا العقوبة الدنيوية فهي القصاص، إلا أن يعفو أولياء الدم عن القصاص إلى الدية، فيكون فيه الدية المغلظة، والقصاص في القتل العمد ثابتٌ بالإجماع، ومستند الإجماع قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) (البقرة: 178-179).
وإذا لم يتمكن أولياء الدم من القصاص لم يسقط، فلا القصاص يسقط بالتقادم ولا الدية تسقط بالتقادم؛ إذا ثبت القتل العمد العدوان، فمتى تمكن وليّ الدم من القصاص فهو حقّه، سواء جاء تمكنه بسلطان شرعيّ مكنه الله من الحكم بعد القيام على الحاكم الطاغية القاتل، أو كان بعمل فرديّ قام به وليّ الدم؛ لكون الزمان شاغر عن سلطان شرعيّ، أو في سياق ثورة على النظام، أو غير ذلك؛ فإنّ القصاص حكم أصليٌّ، وإناطته بالسلطان حكم ثانويّ تابع، فإذا قام وليّ الدم بالقصاص عند شغور الزمان عن سلطان شرعيّ لم يكن مفتئتًا على وليّ الأمر، وذلك بعد مراعاته للشروط المقررة شرعًا، واحترازه من تحريك فتنة ومفسدة عامّة.
رابعًا: يدخل في العقوبتين الأخروية والدنيوية جميع من اشترك في القتل، المباشر والمعاون والآمر، حتى المحرض والقاضي بالباطل، وكذلك المسئول الذي أمر بتسليمه للظالم إذا غلب على ظنّه أنه سيقتله، وجمهور الفقهاء([5]) قالوا تُقتل الجماعةُ بالواحد، منهم مالك وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وأحمد، والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، وقال به من الصحابة عمر وعليّ وابن عباس والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، واستدلَّ الجمهور بما رواه البخاريّ عن ابن عمر: أن غلامًا قُتل غيلة، فقال عمر رضي الله عنه: «لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم»([6])، وقد فعل عمر هذا والصحابة في المدينة، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع أو حلّ محلّ الإجماع([7]).. والله أعلم.
([1]) تفسير ابن كثير ط العلمية (4/ 309)
([2]) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (15/ 529)
([3]) رواه مسلم ك الإيمان باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان …. برقم “74” (ج 1ص108)
([4]) صحيح مسلم (3/ 1340) برقم (1715) مسند أحمد ط الرسالة (14/ 400) برقم (8800).
([5]) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 245) – بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 182) – البناية شرح الهداية (13/ 125) – الحاوي الكبير (12/ 27) – روضة الطالبين وعمدة المفتين (9/ 159) – الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 633)
([6]) صحيح البخاري (9/ 8) برقم (6896)
([7]) تفسير ابن كثير (1/ 358) – العناية شرح الهداية (10/ 243)


