كيف يمكن لرجلين، كان أحدهما سائقاً في سلاح المدرعات لا يقرأ ولا يكتب، والآخر ملازماً في السابعة والعشرين من عمره، أن يصلوا إلى قمة السلطة ويحكموا لعقود، ثم يموتوا مقتولين في نهاية مشوارهم، بعد أن قتلوا من الناس ما لا يحصيه إلا الله؟ وكيف تتشابه النهايات حتى في التفاصيل؟ وما سر هذه السنة الإلهية التي لا تتبدل، والتي تجعل كل من عليها فانياً، ولا يبقى غير وجه ربك ذو الجلال والإكرام؟
كيف ينزع الله الملك من رئيس كانت كل أجهزة الدولة رهن إشارته؟
هل رأيت كيف ينزع الله الملك من رئيس كانت كل أجهزة الدولة ذات يوم رهن إشارته، وكيف يؤتي الله الملك رجلاً ما كان لأحد أن يتصور وصوله إلى سدة الحكم؟
بعد فترة دامية لا تُنسى في تاريخ اليمن الحديث، قُتل ثلاثة رؤساء خلال أقل من تسعة أشهر: العقيد إبراهيم محمد الحمدي بالاغتيال، وأحمد حسين الغشمي بتفجير حقيبة مفخخة، ثم سالم ربيع علي الذي أُعدم رمياً بالرصاص بعد انقلاب في عدن.
صار المنصب الأهم في اليمن ملغوماً يخافه الجميع.
الشاويش علي عبد الله صالح.. سائق في سلاح المدرعات
وعندما عُرضت الرئاسة على من كان الشاويش/ علي عبد الله صالح، الذي كان سائق في سلاح المدرعات، الذي لا يقرأ ولا يكتب، وافق عليها، وسعى لها، وأكد قدرته على ضبط الأمن في البلاد، فقيل له: «خذ منصب الرئيس ولنرَ كيف ستقبض على الجناة وتضبط الأمن».
أخذ الرئاسة، وبدأ يبني جيشاً يدين له بالولاء، ويحارب من يعارضه، ويرشي من يلين، ويصفّي من يتمرد، حتى استقر له الحكم قرابة ثلاثة وثلاثين عاماً، وحّد اليمن بالنار والدم، و«رقص على رؤوس الأفاعي» كما وصف نفسه.
الملازم معمر القذافي.. انقلاب على الملك في السابعة والعشرين
وفي ليبيا، في الأول من سبتمبر 1969، قاد الملازم معمر محمد أبو منيار القذافي، وكان في السابعة والعشرين من عمره، ومجموعة من الضباط الشباب المتأثرين بجمال عبد الناصر، انقلاباً على الملك إدريس السنوسي.
أرسل جمال عبد الناصر مستشاره الإعلامي محمد حسنين هيكل ليستطلع الأمر، فالتقى الشاب الذي يقود الإنقلاب، وكان معمر القذافي.
آثر الملك إدريس حقن الدماء فتنازل عن العرش وغادر إلى مصر ليقضي بقية عمره فيها.
رجلان كانا أبعد ما يكونان عن السلطة
وهكذا وصل رجلان كانا أبعد ما يكونان عن السلطة إلى قمتها: علي عبد الله صالح في اليمن ومعمر القذافي في ليبيا.
عزّز كل منهما سلطانه وصلاحياته بطريقته. بنى صالح شبكة ولاءات قبلية وعسكرية، وأعلن الحروب على خصومه، وقتل من الناس ما لا يحصيه إلا الله، وخاض أربع حروب ضد الحوثيين.
أما القذافي فبدأ بإزاحة رفاقه في مجلس قيادة الثورة واحداً تلو الآخر حتى لم يبقَ في الواجهة سواه، وجعل لليبيا جيشاً لا يصلح فيما بعد للإنقلاب عليه، كما انقلب هو على الملك من قبل.
جرائم صالح والقذافي في حكمهما
قتل القذافي وأبناؤه الكثيرين من أبناء ليبيا، حتى طال القتل جماهير الكرة الذين يشجعون الفريق المنافس لفريق ولده، حتى طلاب الجامعات أُعدموا علنا أمام زملائهم ليكونوا لهم عبرة.
بلغ به الغرور مرة حين فكّر بتسيير مظاهرة شعبية حاشدة من ليبيا إلى مصر والوصول بها للقاهرة دون تنسيق مع مصر، فردّ عليه الرئيس السادات بغارات جوية دمّرت جزءاً كبيراً من جيش القذافي.
وفي عام 1978 أراد التدخل في الشأن اللبناني، فاستقبل الإمام موسى الصدر، كبير علماء وجماهير الشيعة في لبنان، ثم احتجزه، وزيف طريقة خروجه من ليبيا لإيطاليا، ولم يُرى موسى بعد ذلك أبداً، وظل سجيناً لدى القذافي حتى مات أو قتل.
سقوط صالح والقذافي
ظلت السلطة المطلقة تغري كلاً منهما صالح والقذافي.
تحالف صالح مع الحوثيين بعد ثورة 2011 ودعمهم في انقلابهم على الرئيس عبد ربه منصور هادي، ظاناً أنه سيستخدمهم للبقاء والصعود مجدداً، فإذا بهم يحملون مشروعاً لا يتسع له ولا حتى يقبل به شريكاً معهم.
وفي ليبيا ظل القذافي يحكم كفرعون لا يتخيل أن شعبه يمكن أن يثور، ولا يرضى أن يكون له معارض، ونسي أو تناسى أن من بين الليبيين أهالي سجن بوسليم الذين قتلوا في السجن ودُفنوا فيه تحت خرسانة صبت على جثثهم، ودون أن يُبلَّغ ذووهم بمصيرهم لعقود.
وهؤلاء الذين فقدوا أبائهم وأبنائهم في السجن هم من بدأ بالتظاهر ضد القذافي، وخرج الشعب معهم، فسقطت بنغازي سريعاً، وانشق وزير الداخلية عن القذافي، وسقطت المدن واحدة بعد واحدة حتى سقطت العاصمة وهرب القذافي حتى حوصر في سرت.
تشابهت النهايات حتى في التفاصيل. ضاق الحصار على صالح في صنعاء، وعلى القذافي في سرت.
نهاية القذافي في ماسورة تصريف مياه
اقتنع كل منهما أن البقاء يعني الموت، فجهّز كل منهما في الساعات الأخيرة له في الحياة موكباً للفرار.
خرج موكب القذافي بسيارات شبه مدمرة ورجال جرحى، فاستهدفه طيران التحالف ونيران الثوار من كل صوب. نزل القذافي من السيارة واندفع نحو ماسورة تصريف مياه، بينما اتجه ابنه المعتصم ووزير دفاعه أبو بكر يونس جابر وآخرون ممن نجوا من القصف إلى أماكن أخرى للاحتماء من الرصاص والغارات.
ثم أُخرج معمر القذافي من الماسورة، وضُرب وعُذّب علنا، ثم قُتل مع ابنه ووزير دفاعه في 20 أكتوبر 2011 ثم دفن في مكان مجهول.
نهاية صالح تحت وابل من الرصاص والقذائف
أما الرئيس علي عبد الله صالح فجهّز ثلاثة مواكب للتمويه، وكان هو في الموكب الأكثر تسليحاً وحماية، محاولاً الانتقال سياسياً وعسكرياً من تحالف الحوثيين وإيران إلى السعودية وحزب الإصلاح، ولكن الخروج من العاصمة لم يكن سهلاً ولا ممكناً.
كانت الأكمنة الحوثية في كل طريق يمكن أن يسلكه موكب علي عبد الله صالح في حالة خروجه وهروبه من صنعاء.
وفي الرابع من ديسمبر 2017 خرج موكب صالح وسار في طريقه حتى اقترب من إحدى نقاط تمركز الحوثيين، فأمطروا الموكب بوابل من الرصاص والقذائف.
وسقط علي عبد الله صالح قتيلاً وتوقف موكبه وقلبه، وانتهت سلطته كما نفذت أنفاسه، وانتهت صلاحياته كما انتهت حياته، وسقط كما كان يُسقط خصومه، واغتيل كما كان يغتالهم.
العبرة.. كل من عليها فان
مات معمر القذافي بعد حياة مليئة بأوامر قتل وتصفيات، ظل يصدرها منذ تولى الحكم وحتى هرب من طرابلس.
ومات علي عبد الله صالح بعد تهديدات له وللمقربين منه، وهو نفسه الذي كان يهدد بعض الناس بحرقهم وحرق أهلهم وهم أحياء.
وسيموت في النهاية كل حاكم صالحاً كان أو مفسداً، فكل من عليها فان، ولن يبقى غير وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وما ربك بظلام للعبيد.
ولا يعلم حاكم حي اليوم كيف ستكون نهايته: أيُطارد شهوراً كالذي احتمى في اللحظات الأخيرة بماسورة صرف، أم يُنتزع منه الحكم في لحظة وهو في عز سلطانه كالسادات الذي تحوّل في ثوانٍ من رئيس يشهد عرضاً عسكرياً إلى جثة ملقاة على أرض المنصة تدوسها الأقدام.
المصدر
صفحة علي عبد الرازق على منصة ميتا بتصرف.


