حين تتحول الثقافة إلى سلطة خفية تتجاوز حدود السياسة، يبدأ تشكيل العقول وإعادة تفسير النصوص والقيم وفق معايير وافدة. يستعرض الكتاب صور هيمنة الثقافة الغربية على الفكر المعاصر، ويتتبع أثرها في قراءة النص الشرعي ومفاهيم التجديد والوسطية والعلاقة بالمخالف، كاشفًا أبرز الشبهات والمسالك التي تُستعمل لإخضاع الشريعة لمرجعية خارجية. ويخلص إلى أن مواجهة هذا التأثير لا تكون بالانغلاق، بل بالوعي العلمي الراسخ والثقة بالمنهج الإسلامي وأدواته المعرفية.
تعريف بالكتاب
يقع الكتاب في ٢٥٠ صفحة، ويجمع بين دفتيه مقدمة في ثلاثة أجزاء متبوعة بمداخل نظرية يُعرِّف فيها المصنف كيف اهتدى إلى تأليف كتابه، وأنه قد بنى ردوده على خصومه المفتونين بالثقافة الغربية كما تأثر بعض المتكلمين المسلمين بالفلسفة اليونانية.
ثم تأتي فصول الكتاب الثلاثة التي تضم مقالات مستقلة يعرض فيها المؤلف أبرز صور تأثير الثقافة الغربية في الفكر الإسلامي المعاصر:
- الفصل الأول: عن النص وكيف يُراد لنا قراءته من قِبَل المهيمن الثقافي الغربي.
- والثاني: في “لبرلة” العلوم الإسلامية، وتقليم أظفار ما ساء الغربَ منها.
- والثالث: للحديث عن التباين الجلي بين نظرة الإسلام لطبيعة العلاقات مع المخالفين سواء كانوا فرقًا مبتدعة أو كفرة، وبيّن الطريقة التي يُراد لنا أن ندير بها هذه العلاقات.
موضوع الكتاب
الكتاب كما قال مؤلفه: “حصيلة نقاشات لأسئلة طرحت محليًا -أي في السعودية- في الصحافة المحلية، والصوالين الثقافية، وعلى خلفية الحوارات الفكرية الفضائية، ولهيب المنتديات الإلكترونية. وليس مناقشة لأطروحات الفكر العربي المعاصر ورموزه ومشروعاته الثقافية”. “وهذه النقاشات جُلها يدور في رحى محاولات “لبرلة” الإسلام، أي “ضخ المفاهيم الغربية في مصطلحات تراثية”، أو “رؤية الإسلام بعيون زرق” كما عبر المؤلف. فالهدف من الكتاب: التعريف بسُبل الهيمنة الثقافية الغربية وانعكاساتها على المتأثرين بهذه الهيمنة، المنقادين لها، وعن تعارض ما جاءت به هذه الثقافة وما يدعو إليه المتأثرون بها مع جوهر الدين الحنيف.
محتويات الكتاب
المقدمة
ابتدأ المصنف مقدمته بالبناء على تشبيه افتتان المسلمين اليوم بالنتاج الليبرالي الغربي بانبهار بعض المتكلمين المسلمين بالتراث الأرسطي، وكيف أن افتتان المرء بعلم أجنبي قد ينتهي به إلى اتباع مذهب صاحب هذا العلم كما حدث في عملية “لبرلة” العلوم الإسلامية المدفوعة بالرغبة في التزلف للغرب المهيمن، وهذه الرغبة راجعة إلى الانبهار بتقدمه الهائل في جميع مجالات الحياة، مستبعدة “انحطاطه في أعظم المطالب، كالجهل بالله، والفواحش، والجريمة، والمادية البائسة، والحياة البهيمية الراتعة”. وهو بهذا التشبيه يسعى أولاً إلى لفت انتباه القارئ لحصول هذا الظاهرة مسبقًا في التاريخ الإسلامي، وثانيًا ينبه القارئ لتبعات تكرار مثل هذا الأمر.
ويصف الساعين في عملية اللبرلة هذه بأن “الإسلام في أعينهم طفل يتيم ذليل لا يعيش إلا إذا جُعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ”، كما ذكر في اقتباسه عن الدكتور فتحي عبد الكريم. ثم مثَّل المؤلف لأحد نماذج هذا الافتتان بالثقافة الغالبة، وهو نموذج محمد عبده وحركته الإصلاحية، مستدلاً على ذلك بكلام ابن خلدون وعبارته الشهيرة: “المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب”.
ثم شرع في تفسير المنطق وراء نظرية ابن خلدون في الولع بالتقليد، وأن مردها إلى شعور المفتون بــ”مركب النقص”، وأن من لم يشعر به كأمثال أبي الأعلى المودودي قاد حركة نهضوية حقيقية لا كحركة محمد عبده التي ظاهرها الإصلاح وباطنها الافتتان. فالمؤلف بهذه المقدمة يصطحب القارئ في تتبع ظاهرة التأثر بالثقافة الغالبة عبر التاريخ؛ من تأثر بعض المنتسبين للعلم بالفلسفة اليونانية قديمًا، إلى تأثر بعض المعاصرين بالثقافة الغربية حديثًا، محاولاً الكشف عن الدوافع المشتركة والنتائج المتشابهة بين الحالتين.
ثم انتقل المؤلف إلى الحديث عن أثر السياسات الإمبريالية الغربية في صياغة الخطاب الدعوي المدجن، واستشهد بما نقله عن المؤرخ النصراني ألبرت حوراني الذي وصف نموذج الغرب في تثقيف الشمال الأفريقي على هواه الغربي وما يراه مناسبًا بـ”التطوير” القائم على “التفسير الليبرالي للقرآن”. ويرى المؤلف أن هذه الأجندة “التطويرية” تحتاج إلى من ينفذها، فحمل لواءها المنخرطون في صياغة الخطاب الديني الموافق للهوى الغربي مدعومين إعلاميًا بالترسانة الغربية، ليُفلح منهم من دس السم في العسل، أما من خانته عبارته فسرعان ما نُبذ اجتماعيًا.
ثم انتقل للحديث عن شريحة الشباب، المتأثرين بالخطاب الديني من جهة وبالثقافة الغربية من جهة أخرى، وأن كثيرًا منهم يتوّهم أن الثقافة الغربية جاءت محمّلة بقيم الانفتاح والتحرر.
كما عاب عليهم وصْمهم الدعاةَ بضعف الوعي السياسي، في حين أنهم هم أنفسهم واقعون تحت تأثير أدوات الهيمنة الثقافية الغربية، التي تتسلل إليهم عبر الرواية الحديثة والنص السينمائي وسائر وسائل التأثير المعاصرة، وكيف أن الواحد منهم “لا يعلم أنه هو الذي يدار بخيوط السياسة من بعيد، ويُطبخ في قِدْر الهيمنة الغربي وهو لا يدري”.
المداخل النظرية
افتتح المؤلف مداخله النظرية بتعريف الاستبداد بوصفه: “الخضوع لسلطة غير موضوعية” ثم ذكر أن الطبيعة اللغوية للنص الشرعي قضية دلالية/ سيمولوجية، ولذا تجد كثيرًا من النصوص الشرعية تحتمل عدة دلالات نتيجة طبيعة بنيتها اللغوية، وأن المفترض حين نتعامل مع هذه النصوص أن نتعامل معها باستخدام منهج علمي كما فعل علماء المسلمين لا انتقاء ما يتوافق مع هوى المستبد كما يفعل الخانعون، الخاضعون لهذا الاستبداد الذي عرَّفه.
وكما فرَّق بين أنواع الاستبداد، فرَّق كذلك بين ضحاياه، فأما ضحايا الاستبداد السياسي فمن أصحاب المناصب الإدارية، وأما ضحايا الاستبداد الثقافي فأكثرهم من المتصلين بالفكر المعاصر.
أما عن كيفية وقوعهم ضحايا للاستبداد فأرجع المؤلف ذلك إلى “انتشار مفاهيم المستبد الثقافي وتغلغلها في تفاصيل أوعية المعرفة المعاصرة، فيتشربها من خلال الحوارات الفضائية، أو الرواية الحديثة، أو النص السينمائي، أو العمود الصحفي، أو التقرير الإخباري”، وأن هذا التأثر بثقافة المستبد قد يكون مضمرًا، فيجد ضحية الاستبداد الثقافي نفسه لا شعوريًا يحاكم الشرع إلى الثقافة الغربية المهيمنة.
ثم انتقل المؤلف إلى الحديث عن محاولات إعادة تشكيل الفقه الإسلامي بما ينسجم مع القيم الغربية المعاصرة، مبينًا أن دعاوى التجديد لا تقف عند حدود تطوير آليات النظر الفقهي، بل تمتد أحيانًا إلى السعي لتغيير أحكام مستقرة في التراث الإسلامي، كأحكام الردة، وبعض الأحكام المتعلقة بالمرأة، والعلاقة بغير المسلمين، والحسبة والإنكار. ويرى المؤلف أن الجامع بين هذه المحاولات هو خضوعها لمرجعية سابقة على النص الشرعي، تتمثل في الرغبة في مواءمة الإسلام مع النموذج الثقافي الغربي، ثم البحث بعد ذلك عما يسند هذه المواءمة من التأويلات والقراءات الفقهية.
وفي خضم هذه المداخل النظرية ذكر ظاهرة أسماها “العلاقة البراجماتية مع النص”، وهذه الظاهرة مفادها إتيان المفتونين بالثقافة الغربية فِعال بني إسرائيل من أخذهم من نص الكتاب ما وافق أهواءهم، ونبذهم ما خالفه منها، وأن هذا راجع لتشبعهم بالثقافة الغربية، حتى صاروا لا يرون إلا بمنظارها، ولا يحتكمون إلا إليها، ولو بدون وعي.
ثم أنهى مداخله النظرية بالكلام على مصائر من أصيبوا بداء الافتتان بالغرب، وأنهم إما أن يتداووا بالرجوع عن مذاهبهم الفاسدة أو ينتهي الأمر بهم وهم يحرفون الكلم عن بعض مواضعه، مفترين على دين الله عز وجل الكذب:
- إما لفظًا بالكذب على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبة ما لم يقله إليه.
- أو فعلاً بتفسير الآيات بغير مراد الله عز وجل منها.
فالهدف من المداخل النظرية التعريف بالاستبداد، وأنواعه، وضحاياه، ومصائرهم.
الفصل الأول- استقبال النص
محور نقاش هذا الفصل كما يظهر من عنوانه: النص، والمقصود به النص الشرعي متمثلاً في كتاب الله عز وجل وسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- عزل النص عن التجربة البشرية
وقد تدرَّج المؤلف في مواضيعه تدرجًا منطقيًا، فتحدث في المقال الأول والذي أتى بعنوان: “عزل النص عن التجربة البشرية” عن ظاهرة خطيرة جدًا وهي البناء على “مقدمات فكرية خاطئة” يتبناها صاحبها دون سبر أغوار لوازمها، فينتهي به الأمر وقد زلق في هوة انتهاك حدود الوحي، وإلا لزم عليه: إما أن يترك تلك المقدمات بالكلية، أو لا يلتزم بكل لوازمها فيكون بناؤه العلمي متصدعًا.
كما يرُد فيه المصنف على من ادعى أنه أعلم بالنص من أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتى بما يُدلل على رجحان عقول الصحابة على سائر العقول، وعلى علو كعبهم في اللغة بما لا يدع للقارئ مجالاً للشك في أن من اتهم علمَهم وفهمَهم قد جانب الصواب، وبالتالي يكون المؤلف في هذه المقالة قد رد على من ادعى أن النص يحتمل تأويلاً غير هذا الذي نعرفه وعرفه الصحابة من قبلنا، وبذلك يكون قد سد بابًا كثيرًا ما يلج منه المتأثرون بالثقافة الغربية المهيمنة.
- توظيف مفهوم الوسطية
ثم في المقالة الثانية: “توظيف مفهوم الوسطية” استكمل الرد عليهم، وهذه المرة على دعواهم بأنهم يريدون من الإسلام نسختهم الوسطية؛ فشرح لهم الفرق بين التوسط والاعتدال في الإسلام وكون التوسط صفة لازمة في الإسلام وجزءًا من تكوينه، خلافًا لما يروجونه من تصوير الإسلام دينًا له نُسَخ، المراد منها لديهم النسخة الوسطية والتي توافق تعاليمها أهواءهم.
وكيف أن هؤلاء يتخذون من “النفعية” و”البراجماتية” بوصلة تقود تبعيتهم، فإذا كان النفوذ لأصحاب الدعوة كانوا معهم، وإذا كان لخصومهم كانوا مع هؤلاء الخصوم.
- تقنية التبعيض
واستكمالاً للسير في مظلة النص، تكلم المؤلف في المقالة الثالثة عن “تقنية التبعيض“، ويقصد بها اجتثاث النص من سياقه، ثم توظيف الأجزاء المنتقاة منه لخدمة تصورات فكرية مسبقة توافق السمة الليبرالية الغالبة على عدد من المدارس الفكرية المخالفة لمنهج أهل السنة، وهي بحسب تصنيفه: (العلمانية، والليبرالية، والتنويرية، واليسارية). ثم شرع في توصيف تلك السمة التي يريدها كل فريق في نسخته الخاصة من الإسلام الوسطي، مبينًا كيف تنعكس هذه السمة على فهمه للإسلام؛ فالعلمانيون اختزلوا الإسلام في حرية الاجتهاد المدني، بينما اختزله الليبراليون في الحريات العامة، أما التنويريون فاختزلوه في قضايا الحضارة والعلوم المدنية، وانتهاءً باليساريين الذين اختزلوه في الاحتجاج السياسي.
- قطعنة الشريعة
ومن الكلام على تجزئة النص نفسه انتقل بنا إلى الكلام على تجزئة أحكام الشريعة نفسها في المقالة التي أتت بعنوان: “قطعنة الشريعة”، ويعني بها اجتزاءها، فيُؤخذ منها قطعي الدلالة ويُنبذ ما سواه، وكيف أن القائمين على هذا التوجه يجعلون عدم ورود الحكم الشرعي في القرآن الكريم أو في الصحيحين قادحًا في قطعية هذا الحكم. ومن ثَمَّ يتأتى للمتأثرين بالثقافة الغالبة تمرير أحكام توافق أهواءهم؛ كرغبتهم في تقرير عدم القتل بالردة، وعدم جريان الربا في الفوائد البنكية، إضافة إلى ترديدهم عبارة: “غالب الأحكام الفقهية ظنية”، مكتفين بمنطوقها دون الإحاطة بمفهومها.
- مؤدى غثاثة الرخص
ثم أتبع ذلك بمقالة بعنوان: “مؤدى غثاثة الرخص”، وهي عبارة عن رده على من قال: “إن الله يحب أن تؤتى رخصه، وأنتم تعتبرون هذا زندقة”، واستند في جوابه إلى ما نُقل عن شيخِ الإمام مالك، الإمام يحيى بن سعيد القطان: “لو أن رجلاً عمل بكل رخصة: بقول أهل الكوفة في النبيذ، وقول أهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة؛ لكان فاسقًا”. وقد ناقش فيها مفهوم “تتبع الرخص”، وما يدخل فيه وما لا يدخل.
ومن خلال ذلك تناول جملة من المفاهيم المهمة والتي ربما تمر علينا كثيرًا ولا نعي معناها، أو نفهمها على غير مرادها، كمسائل الخلاف، وزلات العلماء؛ مما يساعد على فهم المنهج الذي اعتمده المؤلف في الاستدلال بأقوال السلف. وختم المقالة بالتنبيه إلى أن اختلاف العلماء في الرخصة -إن وقع- يُعرض على الأدلة الشرعية عند توفر “أهلية النظر”.
- حاكمية الذوق الغربي
والمقالة قبل الأخيرة: “حاكمية الذوق الغربي” والتي تحدث فيها المؤلف عن انحصار معنى “التجديد” عند المتأثرين بالثقافة الغربية في محاولة توليف الأحكام الشرعية لتتفق مع تلك الثقافة، ويسعى إلى اختبار مدى الموضوعية العلمية لهذا المفهوم. وللتحقق من ذلك، عمد إلى اختبار هذا المفهوم من خلال ما يسمى في المعجم الأصولي بـ”لوازم القاعدة” ويُعرف اليوم بـ”آثار المبدأ”، أي النتائج والأحكام التي تترتب على قبول ذلك المبدأ أو تلك القاعدة؛ فإن جاءت تلك النتائج مطردة ومنسجمة دلّ ذلك على اتساق المبدأ، وإلا دلّ على اضطرابه.
ومن المبادئ التي حاكمها: مبدأ “تطوير أحكام الإسلام ليتناسب مع ذوق العصر”، ويقصد بذوق العصر: الذوق الغربي. ويرى المؤلف أن المتأثرين بالثقافة الغالبة كثيرًا ما يجعلون هذا الذوق مرجعية حاكمة في تقويم الأحكام الشرعية وقبولها أو الاعتراض عليها، ومن خلال هذا المبدأ يفسر المؤلف كثيرًا من المواقف التي يتبناها المتأثرون بالثقافة الغالبة؛ كرغبتهم في إعادة تشكيل صورة المرأة المسلمة لتقترب من النموذج الغربي، إذ يرى أن الذوق الغربي أصبح عندهم معيارًا ضمنيًا للحكم على كثير من القضايا، فيُمدح ما يوافقه ويُستنكر ما يخالفه.
وأما عن نتائج هذه المحاكمة فقد انتهى إلى أن هذا المبدأ غير مطرد، إذ لم يقل أحد منهم -مثلاً- بضرورة تغيير أحكام النسك رغم كونها تعد في الذوق الغربي “وثنية”، ولذلك خلص المؤلف إلى أن هذا التجديد ليس منهجية علمية مطردة بقدر ما هو عملية انتقائية.
- ضغط الثقافة الغالبة على الشعائر: صلاة الكسوف نموذجًا
وختم الفصل بمقالة: “ضغط الثقافة الغالبة على الشعائر: صلاة الكسوف نموذجًا،” وهي مقالة للرد على واحدة من “التأويلات الفقهية للخطاب المستذل للثقافة الغالبة”، وتأتي هذه المقالة تتميمًا للفكرة التي ناقشها في “حاكمية الذوق الغربي”، إذ تنتقل من أثر الثقافة الغالبة في تقويم الأحكام إلى أثرها في فهم الشعائر، أما المثال الذي تناوله فهو دعوى البعض انتفاء الحاجة إلى صلاة الكسوف بسبب قدرتنا على التنبؤ بها بفضل العلوم الفلكية الغربية المتقدمة، وقد رد المؤلف على هذه الدعوى من جهتين: أولاهما شرعية، تتمثل في عدم فهم الأساس التشريعي لصلاة الكسوف، والثانية تاريخية، تتمثل في أن معرفة أوقات الكسوف ليست حكرًا على المنجز العلمي الغربي كما يتوهم بعضهم.
الفصل الثاني- العلوم المعيارية
يشرح المؤلف في هذا الفصل معظم محاولات الثقافة الغربية المستميتة للنيل من الشرع الشريف. فمن الكلام على العلوم المختصة بالنص إلى النص نفسه، انتهاءً بالاستراتيجية المنتقِدة لكليهما دون تقديم بديل يذكر، معرجًا بنا في المنتصف على ما هو المذموم وما هو الممدوح حينما يتعلق الأمر بـ”التجديد” و”التطوير”؛ ردًا على من زعم رفضنا للتجديد لذاته. ويتجلى مقصد المؤلف في تسليط الضوء على مواضع هجوم الخصم؛ إذ تنصبّ في الغالب على النص الشرعي أو العلوم المرتبطة به؛ لأن النجاح في هذا المسلك يعني منح المفاهيم الغربية تأشيرة دخول إلى الثقافة الإسلامية من داخل بنيتها المعرفية نفسها.
- “تعديل الجهاز الدلالي”
في هذا الفصل خمس مقالات، أولها بعنوان: “تعديل الجهاز الدلالي” وفيه تكلم المؤلف على محاولات الخصم إتيان الشرع من باب علم أصول الفقه؛ لعناية هذا العلم بآليات استنباط الأحكام من النصوص، في ذلك امتداد لما قرره في الفصل السابق؛ فبعد حديثه عن محاولات التأثير في فهم النص الشرعي، انتقل هنا إلى العلوم المختصة باستنباط الأحكام منه، في إشارة إلى تنوع المسالك التي تسلكها الثقافة الغالبة لإعادة تشكيل المفاهيم الشرعية.
وسبب اختيار الخصم لعلوم أصول الفقه لكونه -بحسب تعبير المؤلف- “مسؤولاً عن الدلالة”، فضلاً عن مماثلته لسائر العلوم الشرعية من جهة كون بعض مسائله قطعيًا وبعضها ظنيًا ومحلاً للاجتهاد؛ مما يفتح الباب أمام الدعوة إلى “تطوير” ما كان منه محلاً للاجتهاد ليتناسب واحتياجات العصر.
ويرى المؤلف أن هذا التعبير ونظائره كثيرًا ما يُستعمل غطاءً لتمرير المرجعية الغربية والثقافة المهيمنة، كما رد في هذه المقالة على شبهة اعتبار العقل مصدرًا للتشريع أو قيّمًا على الأحكام الشرعية.
- “التركيز على الرواة المكثرين”
وثاني المقالات: “التركيز على الرواة المكثرين”، وفيه يرد على الطاعنين في صحة تدوين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، من خلال مناقشة عدد من الشبهات المثارة حول رواة الحديث، وفي مقدمتهم: أبو هريرة رضي الله عنه. وقد ردَّ المؤلف على هذه الشبهات بأدلة علمية رصينة، موضّحًا الفرق بين عدد الأحاديث وعدد طرق روايتها؛ إذ إن بعض المستشرقين يحسبون طرق الحديث المتعددة أحاديث مستقلة؛ فينشأ عن ذلك طعنهم في كثرة مرويات بعض الصحابة. ومن خلال هذا المثال يبيّن المؤلف أن كثيرًا من هذه الاعتراضات يرجع إلى الجهل باصطلاحات المحدثين ومناهجهم في الرواية. كما يربط هذه الشبهات بمحاولات أقدم للطعن في السنة النبوية أو تأويل النصوص بما يخالف مقاصدها، مستشهدًا في ذلك ببعض النماذج التاريخية التي يرى أنها تمثل جذورًا مبكرة لهذا المسلك.
- “توظيف نقد المتون”
وعُني في مقالته الثالثة: “توظيف نقد المتون” بالرد على اللامِزين لمتن الحديث الشريف -أي نصه- فجاء مكملاً للمقال الذي سبقه، وكلاهما يُغرِّد في سرب آلية الخاضعين للثقافة الغربية في “التخلص من النصوص الشرعية” التي لم توافق هوى لدى الغربي.
- “تعاكس التجديد”
أما المقالة الرابعة: “تعاكس التجديد” فأراد فيها أن يسلط الضوء على الفرق بين تجديد العلوم الشرعية، والعلوم المدنية، وقد أقام الإمام الشافعي رمزًا للأولى، وآينشتاين رمزًا للثانية، فالمؤلف يرى أن كلاً منهما أبدع في العلم الذي اختص فيه، لكن مسارهما الإبداعي كان متوازيًا لا متقاطعًا؛ فأما إبداع الإمام الشافعي فكان في استرجاع المفاهيم السابقة التي طواها النسيان، وأما آينشتاين فإبداعه كان في تجاوز المفاهيم السابقة وابتداع أخرى جديدة تتخطاها. وأن “الفارق الجوهري” بينهما أن “الاستحداث” في العلوم المدنية: مطلوب، بخلافه في الأمور الشرعية إذ هو مردود، وهذا الرد بنص كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
وهو ما قد أشار إليه المؤلف سابقًا في ختام المقالة الأولى من هذا الفصل بقوله: “أما العلوم والشؤون المدنية فهي “اجتهادية” يجوز للعقل أن يبتكر فيها ويبتدع”.
- “استراتيجية اللا بديل”
ويختتم هذا الفصل بمقالة: “استراتيجية اللا بديل” وفيها يناقش المؤلف آخر الاستراتيجيات التي تلجأ إليها النخب المثقفة المتأثرة بالغرب، بعد تعثر محاولات شرعنة قيم الثقافة الغربية داخل البيئة الإسلامية، وتقوم هذه الاستراتيجية على الاعتراض المستمر دون تقديم بديل متكامل، فهم يطالِبون بتجديد أصول الفقه، ويعترضون على منهجية توثيق السنة، دون تقديم بديل لأصول الفقه الحالية، أو الإتيان بمنهج علمي يرونه الأصوب في توثيق السنة.
وقد استعار المؤلف لوصف هذه النخب مصطلح: “الجماعة الوظيفية” من الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، وهذه الجماعة تُستقدم أو تُنشأ داخل مجتمع ما لتؤدي وظائف محددة تخدم السلطة أو الجماعة المهيمنة، مقابل امتيازات أو حماية، دون أن تكون مندمجة اندماجًا كاملاً في المجتمع الذي تعمل فيه. ويرى المسيري أن دورها يُحدَّد أساسًا بوظيفتها ومصلحتها المرتبطة بالجهة التي تخدمها.
الفصل الثالث- نظام العلاقات
ويتناول المؤلف في هذا الفصل أثر الثقافة الغربية في إعادة تشكيل مفهوم العلاقة بالمخالف، سواء داخل المجتمع المسلم أو في علاقته بغير المسلمين. ويرى أن بعض المتأثرين بالثقافة الغربية يعبرون عن هذه الرؤية بمصطلحات مثل: “الموقف من المخالف”، ساعين إلى تقديم تصور يخفف الفوارق العقدية والفكرية، ويعيد صياغة العلاقات وفق المرجعية الليبرالية المعاصرة.
- “تمييزات العلاقة بالمخالف”
وقد أتى في هذا الفصل بسبع مقالات، حاصل الكلام في أولها: “تمييزات العلاقة بالمخالف” أن بعض المتأثرين بالثقافة الغربية يسعون إلى إعادة صياغة مفهوم العلاقة بالمخالف وفق التصور الليبرالي للحرية متجنبين التصريح بذلك، من خلال استعمال ألفاظ أكثر قبولاً في البيئة الإسلامية، مثل: “الموقف من المخالف”. ويرى المؤلف أن هذا التصور نابع من عدم فهم منهج الإسلام في التعامل مع المخالف، وأن الشريعة قد وضعت ضوابط واضحة للعلاقة به تغني عن استيراد النماذج الغربية.
كما ناقش جملة من الشبهات التي تُثار في هذا الباب؛ كالخلط بين مقام الدعوة والإنكار، أو تصوير الالتزام بالأحكام الشرعية على أنه منافٍ للرحمة والسماحة، مبينًا أن هذه المفاهيم لا تتعارض مع وضوح الموقف العقدي أو الشرعي، وأن الدعوة إلى الله لا تستلزم التنازل عن أصول الدين أو تمييع حدوده.
- “تفكيك مفهوم الطائفية”
أما المقال الثاني: فتصدى فيه لـ “تفكيك مفهوم الطائفية” بوصفه أحد المفاهيم التي تُستعمل لإعادة تشكيل طريقة التعامل مع المخالف. ويرى أن ربط بعض صور النقد أو التمايز العقدي بوصف “الطائفية” يهدف إلى إضفاء دلالة سلبية على مواقف قد تكون مشروعة في أصلها؛ بما يؤدي إلى الحد من النقد الداخلي، وإشعار أصحابه بأنهم يمارسون سلوكًا مرفوضًا اجتماعيًا.
ثم أعقب ذلك بأربع مقالات كلها ترد على جملة من التصورات المتأثرة بالنموذج الليبرالي الغربي، كالدعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الولاء والبراء، أو تهنئة الكفار بأعيادهم، أو الموقف من الجهاد، مبينًا الأسس الشرعية التي يستند إليها في مناقشة هذه القضايا.
ثم اختتمه بمقالة: “الجناب المحمدي” الشريف -زاده الله تشريفًا- تناول فيها دفاع التيار الليبرالي عن حرية التعبير، حتى في صورها التي تنتهي إلى الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
خاتمة
تميز الكتاب باستعراض مناهج الخاضعين للاستبداد الثقافي الغربي، الساعين في “لبرلة” الإسلام من خلال ذوقهم الغربي، وكيف يحاولون سقي غراس الشريعة -نصًا كان أو عِلمًا مستنبطًا لحكم من النص- ليكون النتاج موافقًا لما جاؤوا مُحملين به من الغرب. وعرض أغلب الشبهات التي يستخدمونها كمداخل يَلِجون منها للتشكيك في الشريعة، وردَّ عليها منوِعًا في ردوده بين الأدلة الشرعية والعقلية، مؤكدًا أنه ما دام للشريعة قائمون بعلومها، متيقظون لدهاء أعدائها؛ فلن يجدوا سبيلاً إلى اختراق حصونها أو تبديل معالمها حتى يلج الجمل في سم الخياط.
ولا ريب أن قارئ الكتاب سيخرج بصورة أوضح عن الشبهات التي يثيرها المتأثرون بالثقافة الغربية، والمسالك التي يسلكونها في تمرير أفكارهم داخل البيئة الإسلامية. ومن أبرز ما يلفت النظر فيه تنبيهُه إلى أن الإنسان قد يُحاكم الأحكام الشرعية إلى معايير يظنها منطقية أو ملائمة للعصر، بينما تكون في حقيقتها متأثرة بخلفيات ثقافية وافدة تسربت إليه من حيث لا يشعر.
ومع ذلك، قد يخرج القارئ من الكتاب بسؤال جدير بالتأمل: إلى أي مدى يمكن تفسير أزمات الواقع الإسلامي المعاصر بالهيمنة الثقافية الغربية وحدها؟ فمع التسليم بما للثقافة الغربية من تأثير واسع، يبقى العامل الداخلي -من ضعف البناء العلمي والتربوي والفكري- جزءًا لا يمكن إغفاله في تفسير هذا الواقع. ولعل من أهم ما يلفت النظر في هذا الباب أن تضخيم دور الثقافة الغربية قد يقود أحيانًا إلى التقليل من مسؤوليتنا الذاتية في مواجهة آثارها والتعامل معها بوعي ونقد.
ليبرالية، براجماتية، تفسير النصوص، العلاقة مع المخالف، ثقافة غربية، تفسير النص، الحداثة، قدسية النص، الثقافة الغربية، التجديد
المصدر
نور عبد الرحمن النمر، مجلة رواء، العدد التاسع والثلاثون.


