هل تساءلت يومًا لماذا تبدو إسرائيل في حالة حرب دائمة، وكأنها لا تستطيع العيش بلا صراع؟ ولماذا كلما شارفت معركة على نهايتها، تبحث عن جبهة جديدة؟ في مشهد إقليمي متغير، أصبح السؤال ليس: هل ستبحث إسرائيل عن عدو جديد؟ وإنما: من سيكون العدو التالي؟
إسرائيل لا تعيش طويلًا بلا أعداء
من الصعب أن يتصور المرء إسرائيل وهي تعيش طويلًا بلا أعداء أو بلا صراعات. فطبيعة المشروع الذي قامت عليه، والعقيدة الأمنية التي تحكم سياساتها، والقائمة على التوسع وفرض الوقائع بالقوة، تجعلها في حاجة دائمة إلى معركة جديدة كلما شارفت معركة على نهايتها.
السؤال ليس: هل ستبحث عن عدو؟ بل: من سيكون؟
وإذا وضعت حربها الخاسرة ضد إيران أوزارها، فلن يكون السؤال: هل ستبحث إسرائيل عن عدو جديد؟ وإنما: من سيكون العدو التالي؟ وفي المشهد الإقليمي الراهن، لا تبدو أمامها إلا: تركيا أو مصر.
- المسار الأول: تركيا عبر سوريا
فإذا اختارت إسرائيل التصعيد الجاد في سوريا، فإنها تضع نفسها في مواجهة شبه مباشرة مع تركيا، حيث أن سوريا هي الأرض الصالحة لاستدراج الأتراك. فالجيش السوري سيعتمد بدرجة كبيرة على الدعم والخبرة والتكنولوجيا التركية، ومع مرور الوقت قد يتحول الاحتكاك غير المباشر إلى مواجهة مع قوة إقليمية تمتلك جيشًا كبيرًا، وصناعة عسكرية متطورة، وطموحات استراتيجية متنامية.
وعندئذ لن تكون المواجهة محدودة أو مضمونة النتائج، بل قد تتطور إلى صراع واسع يترقب العالم بأسره مآلاته.
- المسار الثاني: مصر عبر غزة
أما المسار الثاني “مصر” فهو غزة. فالموقع الجغرافي لمصر يجعلها الدولة الوحيدة القادرة عمليًا على منع أي محاولة لفرض تهجير جماعي على سكان القطاع.
مشروع التهجير يعود إلى الواجهة
وإذا قررت إسرائيل المضي نحو فرض سيطرة كاملة على غزة، فإن مشروع التهجير سيعود إلى الواجهة باعتباره أحد المشاريع التي طُرحت في مراحل سابقة تحت مسميات متعددة، وكان يُراد لها أن تجد طريقها إلى التنفيذ في ظل اتساع دائرة التطبيع.
السابع من أكتوبر قلب الحسابات
غير أن أحداث السابع من أكتوبر قلبت الحسابات رأسًا على عقب، وأربكت مشاريع وخططًا لم تسر كما أراد أصحابها، وفتحت الباب أمام معادلات جديدة لم تكن في الحسبان.
استنزاف إسرائيلي غير مسبوق
وإذا اختارت إسرائيل فتح جبهة جديدة في غزة، فإنها ستقدم على ذلك بعد استنزاف كبير في السلاح والموارد، وبعد خسائر سياسية وإعلامية غير مسبوقة. فقد تراجعت صورتها عالميًا بصورة حادة، وأصبحت قطاعات واسعة من الرأي العام، ولا سيما بين الشباب في الغرب، تنظر إليها بوصفها دولة تمارس سياسات دموية وتوسعية.
التقارب المصري التركي: تحول استراتيجي
مصر وتركيا: بعد أكثر من عقد من التوتر والعداء السياسي، بدأت مصر وتركيا مرحلة جديدة من التقارب، رافقتها مشاريع تعاون عسكري، وعلاقات وصفتها دوائر سياسية وإعلامية في تركيا بأنها تاريخية. وظهر هذا التقارب أيضًا في موافقة مصر على وجود دور تركي في غزة ضمن ترتيبات معينة.
- محاولات إفشال التقارب
غير أن أي تقارب بين القاهرة وأنقرة كان، في كثير من الأحيان، يواجه محاولات لإفشاله أو إبطائه. فهناك أطراف إقليمية لا ترغب في أن تمضي مصر بعيدًا في شراكتها مع تركيا، كما أن الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية تنظر هي الأخرى بحذر إلى أي تحالف استراتيجي قد يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
- التعاون العسكري: خيارات أوسع لمصر
وفي الوقت نفسه، تحاول مصر إحداث تحولات عسكرية وإعادة رسم التوازنات الإقليمية، وهو المجال الذي حققت فيه تركيا تقدمًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. كما أن التعاون العسكري مع تركيا قد يمنح مصر خيارات أوسع في التسليح، خصوصًا أن السلاح التركي لا يخضع، في نظر كثيرين، للقيود السياسية ذاتها التي قد ترافق استخدام بعض منظومات التسليح الغربية أو الأمريكية في أوقات الأزمات.
- نافذة 2028: أحداث قد تغير كل شيء
ويعتقد بعض المراقبين أن الفترة الممتدة حتى عام 2028، أي قبل انتهاء الولاية الحالية لكل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد تشهد أحداثًا كبيرة تجعل المنطقة مفتوحة على مختلف السيناريوهات.
غير أن ما علمنا إياه التاريخ الحديث، وخاصة خلال الأعوام القليلة الماضية، هو أن المستحيل كثيرًا ما يتحول إلى واقع، وأن الأحداث الكبرى تأتي غالبًا من خارج حسابات الجميع.
السابع من أكتوبر وسوريا: شاهد على المفاجآت
ففي السابع من أكتوبر وقع ما لم يكن يتوقعه أكثر المحللين جرأة. وفي سوريا شهد العالم انهيار معادلات كانت تبدو راسخة، وتغيرت موازين قوى وتحالفات إقليمية ومذهبية خلال أيام قليلة، في مشاهد لم تكن تخطر على بال، لكنها وقعت على الهواء مباشرة وأمام أنظار العالم كله.
- أي تطور قد ينعكس على المنطقة بأسرها
ولذلك، فإن أي تطور كبير في مصر أو تركيا أو سوريا أو الولايات المتحدة، أو في أي دولة مؤثرة، قد ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل المنطقة بأسرها، وقد نشهد أحداثًا تتجاوز كل ما هو متوقع أو متصور.
- تحرير القدس لم يعد حلمًا بعيدًا
ومن هنا، فإن الحديث عن تحرير القدس، وإعادة فتح أبواب المسجد الأقصى أمام المسلمين، لم يعد يبدو حلمًا بعيدًا كما أراد كثيرون أن نعتقد. فقد وُلدت أجيال كاملة ولم تعرف الأقصى إلا تحت الاحتلال، حتى بدا وكأن هذا الواقع قدر لا يتغير.
- تحولات متسارعة وسيناريوهات متعددة
أما اليوم، فإن المنطقة تشهد تحولات متسارعة، وتتشكل أمامها سيناريوهات متعددة، بعضها قد يجعل الطريق إلى القدس أكثر وضوحًا مما كان عليه في العقود الماضية. ولم يعد الأمر قائمًا على أمنيات مجردة، بل على احتمالات واقعية مرتبطة بتغير موازين القوى، وتبدل التحالفات، واتخاذ قرارات مدروسة بعد إعداد واستعداد.
النصر من عند الله لمن ينصره
ومع ذلك، فإن النصر في الإسلام لا يرتبط بدولة بعينها، ولا بشعب دون آخر. فليس شرطًا أن يأتي النصر من مصر، أو من تركيا، أو من سوريا، وإنما النصر من عند الله يؤتيه من ينصر دينه ويستحق تأييده. قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
وشرف حمل هذا النصر لن يكون حكرًا على قوم دون قوم، ولا على شعب دون آخر، بل سيكون لمن استحقه، عربيًا كان أو تركيًا أو من أي أمة من أمم المسلمين؛ لأن الإسلام لا يعترف بالحدود الجغرافية في وحدة الأمة، وإنما يجمعها بعقيدة واحدة، ورسالة واحدة، وراية واحدة، ودين واحد، وغاية واحدة.
الأقصى عنوان عز الأمة
ويبقى المسجد الأقصى هو العنوان الجامع لهذه الأمة، فلا عز لها عزًا كاملًا، ولا شرف لها شرفًا تامًا، ولا تستعيد مكانتها العالمية التي تليق بها، إلا يوم يعود هذا المسجد المبارك إلى حضن الأمة الإسلامية، محررًا من الاحتلال.
والله على كل شئ قدير.
المصدر
صفحة علي عبد الرازق، على منصة ميتا بتصرف.


