تصميم صور المنشورات 3 2

بعد أن تعرفنا في المقال الأول على ماهية الاستعجال وآثاره، وفي المقال الثاني على أسبابه الأربعة عشر، نأتي الآن إلى السؤال الأهم: كيف نعالج هذه الآفة؟ في هذا المقال الثالث والأخير نسير على طريق العلاج خطوة بخطوة، ثم نقف على موقف الحركة الإسلامية المعاصرة الرافض للاستعجال، ونختم بتحديد الموقع الوسطي للداعية بين الفتور والاستعجال، مستشرفين النصر أو الشهادة.

سادساً : طريق علاج الاستعجال

وما دمنا قد وقفنا على أهم الأسباب التي تؤدى إلى الاستعجال ، فإنه صار من السهل علينا أن ندرك طريق العلاج وتتلخص في :

1- إمعان النظر في الآثار والعواقب المترتبة على الاستعجال ، فإن ذلك مما يهدئ النفس ويحمل على التريث والتأني .

2- دوام النظر في كتاب الله عز وجل ، فإن ذلك يبصرنا بسنن الله في الكون وفي النفس ، وفي التشريع ومع العصاة والمكذبين والبصيرة بهذه السنن تهدئ النفس وتساعد على التأني والتروي ، قال الله تعالى :{ … سأريكم آياتي فلا تستعجلون } [الأنبياء:37] ، { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } [البقرة:2] ، { إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم } [الإسراء:9] .

3- دوام المطالعة في السنة والسيرة النبوية ، فإن ذلك مما يوقعنا على مقدار ما لاقى النبي – صلى الله عليه وسلم – من الشدائد والمحن ، وكيف أنه تحمل ، وصبر ولم يستعجل ، حتى كانت العاقبة له ، وللمنهج الذي جاء به . ومعلوم أن الوقوف على ذلك مما يضبط حركة المسلم ، اقتداء وتأسياً به – صلى الله عليه وسلم -{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر وذكر الله كثيراً } [الأحزاب:21].

4- مطالعة كتب التراجم والتاريخ ، فإن ذلك مما يعرفنا بمنهج أصحاب الدعوات والسلف في مجابهة الباطل ، وكيف أنهم تأنوا وتريثوا حتى مكن لهم ، وهذا بدوره يحمل على الاقتداء والتأسي ، أو على الأقل المحاكاة والمشابهة على حد قول القائل : فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح وقد مرت بنا قصة عمر بن عبد العزيز مع ولده في هذا الشأن ، ونحن نتحدث عن علاج ” الفتور”.

5- العمل في أحضان وفي ظل ذوى الخبرة والتجربة ممن سبقوا علي الطريق فإن ذلك من شأنه أن يجعل خطوات العاملين دقيقة محسوبة وأن يوفر عليهم الكثير من الجهد والوقت وباقي التكاليف : وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم – النظر إلى ذلك حين قال : ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين )1(1) حديث “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”: رواه البخاري (6133) عن أبي هريرة..

6- العمل من خلال منهاج وبرنامج واضح الأركان محدد المعالم يستوعب الحياة كلها ويأخذ بيد العامل من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة فيشبع تطلعاته ويجيب على تساؤلاته ويرفع من مستواه.

7- الفهم الدقيق لأساليب ومخططات الأعداء فإن ذلك من شأنه أن يحمل العامل على النظر في عواقب الأمور وعلى التريث والتأني والتصرف بحكمة وعلى بينة .

8- عدم الرهبة أو الخوف من تسلط الأعداء وإحكامهم القبضة على العالم الإسلامي لأن ذلك يمكن أن يزول في لحظات وما هو على الله بعزيز : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } [آل عمران:196-197]. { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } [محمد:1]. { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } [الأنفال:36]. بيد أن هذا الشرط بأن نقيم الإسلام في أنفسنا وفيمن حولنا بكل ما نملك وبكل ما نستطيع : { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } [محمد:7]. { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا } [النور:55].

9- مجاهدة النفس وتدريبها على ضرورة التريث والتأني والتروي فإنما الحلم بالتحلم ومن يتصبر يصبره الله والرجولة لا تكون إلا بذلك.

10- الانتباه إلى الغاية أو الهدف الذي من أجله يحيا المسلم فإن ذلك يحول دون الاستعجال ويحمل على إتقان المقدمات والوقوف عندها وعدم تجاوزها إلى النتائج .

11- الانتباه إلى موقف المسلم من المنكرات وأسلوب تغييرها فإن ذلك يبصره بمعالم الطريق ويحول بينه وبين الاستعجال .

تلك خطوات لابد منها على طريق العلاج .

سابعا : الاستعجال ومنهج الحركة الإسلامية المعاصرة

وجدير بالذكر أن نشير إلى أن الاستعجال على النحو الذي ذكرنا غير وارد في منهج الحركة الإسلامية المعاصرة بالمرة بل أنه مرفوض صراحة والنص التالي – وهو جزء من منهج هذه الحركة يصدق ذلك :

( أيها المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم : اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده ولست مخالفا هذه الحدود التي اقتنعت كل اقتناع بأنها أسلم طريق للوصول . أجل قد تكون طريقا طويلة ولكن ليس هناك غيرها إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين : إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة .

أيها المسلمون : ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة ولا تميلوا كل ميل فتذروها كالمعلقة ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض وتراقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد .

أيها المسلمون : إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه ذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال ولكن كلفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد ونحن بعد ذلك : إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين وإما مصيبون فلنا مع ذلك ضعف أجر الفائزين المصيبين على أن التجارب في الماضي والحاضر أثبتت أنه لا خير إلا في طريقكم ولا إنتاج إلا مع خطتكم ولا صواب إلا فيما تعلمون فلا تغامروا بجهودكم ولا تقامروا بشعار نجاحكم واعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالك والفوز للعاملين -{ وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم } [البقرة:143] )2(2) نص منهج الحركة الإسلامية المعاصرة: السيد نوح، آفات على الطريق، ص35-36 (نقلاً عن وثائق الحركة)..

ثامنا : الداعية بين الفتور والاستعجال 

ويظهر من حديثنا عن الفتور والاستعجال : تحديد موقع الداعية إن موقعه يجب أن يكون وسطا بين الفتور والاستعجال عل معنى أنه مع المقدمات كخلية النحل دائب النشاط والحركة لا يقصر ولا يتوانى لحظة من ليل أو من نهار ولا يضيع فرصة تتاح له أما أوانه مع النتائج فهو هادئ متريث متأن غير متهور لا يستعجل شيئا قبل أوانه وإلا عوقب بحرمانه . هذا ولم يفت الحركة الإسلامية المعاصرة أن تحدد هذا الموقع وتلك كلماتها أحرف من نور ومشاعل على الطريق 🙁 إن ميدان القول غير ميدان الخيال ، وميدان العمل غير ميدان القول ، وميدان الجهاد غير ميدان العمل ، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ . يسهل على كثيرين أن يتخيلوا ، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوال باللسان ، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليلاً من هذا الكثير يثبت عند العمل ، وكثير من هذا القليل يستطيع أن يعمل ، ولكن قليلاً منهم يقدر على حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل المضني ، وهؤلاء المجاهدون وهم الصفوة القلائل من الأنصار قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله ، وفي قصة طالوت بيان لما أقول ، فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق وامتحنوها بالعمل ، العمل القوي البغيض لديها الشاق عليها ، وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها ….. ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل وعند ذلك يكون عون الله وتأييده ، ونصره )3(3) الموقع بين الفتور والاستعجال والنص الختامي: المرجع السابق، ص36..

الهوامش

(1) حديث “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”: رواه البخاري (6133) عن أبي هريرة.

(2) نص منهج الحركة الإسلامية المعاصرة: السيد نوح، آفات على الطريق، ص35-36 (نقلاً عن وثائق الحركة).

(3) الموقع بين الفتور والاستعجال والنص الختامي: المرجع السابق، ص36.

المصدر

كتاب “آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص24-36 (بتصرف).

اقرأ أيضا

الاستعجال (1/3): المعنى، نظرة الإسلام، المظاهر، الآثار

الاستعجال (2/3): أسباب الاستعجال

التعليقات معطلة