بعد أن رأينا في المقال الأول كيف أن الاستعجال يؤدي إلى الفتور والموت غير الكريم وتعطيل العمل، نطرح الآن السؤال الأهم: لماذا يقع الداعية في هذه الآفة؟ في هذا المقال الثاني نفرد الأسباب كاملة ، من الدافع النفسي والحماسة الإيمانية، إلى صحبة ذوي العجلة، مروراً بطبيعة العصر وواقع الأعداء والجهل بأساليبهم، لنقف على أربعة عشر سبباً حقيقياً توقع العامل في فخ الاستعجال.
أسباب الاستعجال
- الدافع النفسي
فقد يكون الدافع النفسي هو السبب في الاستعجال ، ذلك أن الاستعجال طبيعة مركوزة في فطرة الإنسان كما قال المولى تبارك وتعالى :{ خلق الإنسان من عجل … } [الأنبياء:37] ، { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً } [الإسراء:11] ، { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم …. } [يونس:11] وإذا لم يعمل الداعية على ضبط نفسه وإلجامها بلجام العقل والتخفيف من غلوائها فإنها تدفعه لا محالة إلى الاستعجال1(1) الدافع النفسي سبباً للاستعجال: الاستشهاد بآيات: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37]، {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11]، {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ} [يونس:11]. والسيد نوح، آفات على الطريق، ص31..
- الحماسة أو الحرارة الإيمانية :
وقد يكون الحماس أو الحرارة الإيمانية هي السبب في الاستعجال ، ذلك أن الإيمان إذا قوى ، وتمكن من النفس ، ولَّد طاقة ضخمة ، تندفع – ما لم يتم السيطرة عليها وتوجيهها – إلى أعمال تؤذى أكثر مما تفيد وتضر أكثر مما تنفع . ولعل هذا هو السر في أن الله سبحانه وتعالى تولى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم و المؤمنين في المرحلة المكية إلى الصبر والجلد ، وقوة التحمل فقال { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً } [المزمل:10] ، { فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } [الروم:60] ، { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً } [الفرقان:20] … إلى غير ذلك من الآيات2(2) الحماس الإيماني سبباً: الاستشهاد بآيات الصبر من سورة المزمل آية 10، والروم آية 60، والفرقان آية 20. المرجع السابق، ص31..
- طبيعة العصر :
وقد تكون طبيعة العصر هي الباعث على الاستعجال ، ذلك أننا نعيش في عصر يمض بسرعة ويتحرك فيه كل شئ بسرعة ، فالإنسان يكون هنا وبعد ساعات يكون في أقصى أطراف الأرض ، بسبب التقدم في وسائل المواصلات ، والإنسان يضع أساس بيت اليوم ويسكنه غداً بسبب التمكن من وسائل العمارة الحديثة ، وقس على ذلك أشياء كثيرة في حياة الإنسان ، فلعل ذلك مما يحمل بعض العاملين على الاستعجال لمواكبة ظروف العصر و التمشي معه3(3) طبيعة العصر سبباً: السيد نوح، آفات على الطريق، ص31..
- واقع الأعداء :
وقد يكون واقع الأعداء هو السبب في الاستعجال ، ذلك أنه ما يمر من يوم الآن إلا وأعداء الله يحكمون القبضة ويمسكون بزمام العالم الإسلامي ، ويلاحقون العمل الإسلامي في كل مكان لإسكات كل صوت حر نزيه ، وحسبنا أن إسرائيل كانت بالأمس فكرة في الأذهان فإذا بها اليوم واقع يحكم القبضة على جزء غال عزيز من ديار الإسلام هو فلسطين ، وينطلق منه إلى لبنان ، وسائر بلدان العالم العربي ليحقق حلم اليهود 🙁 إسرائيل من النيل إلى الفرات ) فلعل ذلك مما يحمل بعض العاملين على الاستعجال ، قبل أن يتفاقم الخطر ويصعب الخلاص4(4) واقع الأعداء سبباً: المرجع نفسه، ص31-32..
- الجهل بأساليب الأعداء :
وقد يكون الجهل بأساليب الأعداء هو السبب في الاستعجال ، ذلك أن أعداء الله لهم أساليبهم الخبيثة ، والمتنوعة في الوصول إلى قلب العالم الإسلامي ، وإحكام القبضة عليه ، وأخطر هذه الوسائل وأشدها دهاء ومكراً أن يواجه المسلمين نفر من بينهم يعلنون الإسلام ويبطنون الكفر ، والحقد والضلال ، إن مثل هذا الأسلوب من الكيد يحول دون التعبئة العامة في الأمة ، وما أكثر هؤلاء ، لمواجهة الشر أو الباطل وإزاحته من الطريق ، بل إنه ليجعل العامة معهم وفي صفهم ولقد لجأ أعداء الله لمثل هذا الأسلوب ، بعد أن جربوا زماناً طويلاً ، ومرات عديدة ، أسلوب المواجهة الصريحة السافرة ، ورأوا أنه لن يغنى عنهم من الله شيئاً ، وأنه يحمل المسلمين حتى المفرطين و المستهترين منهم على التصدي وبذل الغالي و الرخيص ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . فلعل الجهل بمثل هذا الأسلوب وغيره من الكيد يكون سبباً من الأسباب التي توقع في الاستعجال5(5) الجهل بأساليب الأعداء سبباً: المرجع السابق، ص32..
- شيوع المنكرات مع الجهل بأسلوب تغييرها :
قد يكون شيوع المنكرات مع الجهل بأسلوب تغييرها هو السبب في الاستعجال ، ذلك أن الإنسان لا يتحرك حركة الآن إلا وقد أحاطت به المنكرات ، ولفته من كل جانب ، وواجب المسلم حين يرى ذلك أن يعمل على تغيير المنكر وإزالته ما في ذلك شك ، لئلا تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر و الفساد ، قال تعالى :{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض … } [البقرة:251] ، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز } [الحج:40]. وقال – صلى الله عليه وسلم – : ( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )6(6) حديث تغيير المنكر باليد واللسان والقلب: رواه مسلم (49) عن أبي سعيد الخدري. ( مثل القائم على حدود الله و الواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً )7(7) حديث سفينة نوح: رواه البخاري (2493) عن النعمان بن بشير. بيد أنه ليس كل منكر تجب إزالته أو تغييره على الفور ، وإنما ذلك مشروط بألا يؤدى إلى منكر أكبر منه فإن أدى إلى منكر أكبر منه وجب التوقف بشأنه ، مع الكراهة القلبية له ، ومع مقاطعته ، ومع البحث عن أنجح الوسائل لإزالته ، والأخذ بها ، ومع العزم الصادق على الوقوف في أول الصف حين تتاح فرصة التغيير . وفي السنة و السيرة شواهد على ذلك : فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث والأصنام تملأ جوف الكعبة ، وتحيط بها وتعلوها من كل جانب ، ثم لا يقبل على إزالتها بالفعل إلا يوم فتح مكة في العام الثامن من الهجرة ، أي أنها بقيت منذ بعث إلى يوم تحطيمها إحدى وعشرين سنة . ليقينه صلى الله عليه وسلم بأنه لو قام بتحطيمها من أول يوم ، قبل أن يحطمها من داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أبشع ، وأشنع فيعظم الإثم ، ويتفاقم الضرر ، لذلك تركها ، وأقبل يُعِد الرجال ، ويزكى النفوس ، ويطهر القلوب حتى إذا تم له ذلك أقبل بهم يفتح مكة ، ويزيل الأصنام مردداً :{ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } [الإسراء:81]. وها هو – صلى الله عليه وسلم يخاطب أم المؤمنين عائشة قائلاً : ( ألم ترى أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ فقلت يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ ، قال : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت ) 8(8) حديث عائشة في الكعبة: متفق عليه: البخاري (1584)، مسلم (1333). فالنبي – صلى الله عليه وسلم – هنا توقف في شأن تجديد الكعبة ، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم خوفاً من أن يؤدى ذلك إلى منكر أكبر ، وهو الفرقة و الشقاق ، بدليل قوله في رواية أخرى 🙁 …. ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم … ) بل إن المسلم حين يسكت عن منكر خوفاً من أن يؤدى إلى منكر أكبر ، مع الرفض القلبي و المقاطعة ومع البحث عن الأفضل السبل للتغيير ، ومع العزم الصادق على أنه حين تتاح الفرصة لن يكون هناك توان ولا تباطؤ ، لا يكون آثماً بذلك وصدق الله الذي يقول : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها … } [البقرة:286] ، { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ، وأنفقوا خيراً لأنفسكم } [التغابن:16] . فإذا نسى العامل أو الداعية فقه أسلوب تغيير المنكر وإزالته وقع – لا محالة – في الاستعجال لظنه ، أو لتصوره أن الأمر يجب تنفيذه فوراً ، وأنه آثم ومذنب إن لم يقم بذلك9(9) شيوع المنكرات والجهل بأسلوب تغييرها: السيد نوح، آفات على الطريق، ص32-33..
- العجز عن تحمل المشاق ، ومتاعب الطريق :
وقد يكون العجز عن تحمل المشاق ومتاعب الطريق هو السبب في الاستعجال ، ذلك أن بعضاً من العاملين يملك جرأة وشجاعة وحماساً لعمل وقتي ، ولو أدى به إلى الموت ، لكنه لا يملك القدرة على تحمل مشاقّ ومتاعب الطريق لزمن طويل ، مع أن الرجولة الحقة هي التي يكون معها صبر ، وجلد ، وتحمل ، ومثابرة ، وجد ، واجتهاد حتى تنتهي الحياة . لذلك تراه دائماً مستعجلاً ليجنب نفسه المشاق و المتاعب ، وإن تزرَّع بغير ذلك . وقد أفرزت الحركة الإسلامية في العصر الحاضر صنفاً من هذا ، عجز عن التحمل والاستمرار فاستعجل وانتهي ، وصنفاً آخر أوذي في الله عشرات السنين فصبر ، وتحمل واحتسب لأن الظروف غير ملائمة ، و الفرص غير مواتية ، و العواقب غير محمودة و المقدمات ناقصة أو قاصرة ، وكانت العاقبة أن وفقهم الله وأعانهم فثبتت أقدام على الطريق ولا تزال10(10) العجز عن تحمل المشاق: المرجع السابق، ص33..
8 الظفر ببعض المقدمات ، أو ببعض الوسائل مع عدم تقدير العواقب :
وقد يكون الظفر ببعض المقدمات أو ببعض الوسائل مثل العدد البشرى ، ومثل الأدوات مع عدم تقدير العواقب ، من زيادة تسلط أعداء الله ومن حدوث فتنة وردة فعل ، لدى جماهير الناس قد يكون كل ذلك هو السبب في الاستعجال . ولعل هذا هو السر في أمر الإسلام بالصبر على جور الأئمة ، ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح و الخروج السافر عن الإسلام . يقول – صلى الله عليه وسلم – : ( من رأي من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية )11(11) الظفر بالمقدمات والصبر على جور الأئمة: حديث “من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر…” رواه البخاري (7054) ومسلم (1849) عن ابن عباس. ويقول عبادة بن الصامت – رضى الله تعالى عنه – : دعانا النبي – صلى الله عليه وسلم – فبايعناه ، فقال فيما أخذ علينا 🙁 أن بايعنا على السمع و الطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ) 12(12) حديث عبادة بن الصامت في البيعة: متفق عليه: البخاري (7056)، مسلم (1709). . بل حتى الكفر البواح لا يكون معه خروج إلا إذا أمنت الفتنة ، وتوفرت القدرات والإمكانات وهذا لا يمنع أن ننكر عليهم باللسان وبالقلب. يقول الإمام النووي – رحمه الله – في شرح حديث عبادة : ” معنى الحديث : لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم ، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة ظالمين). ونقل ابن التين عن الداودى قال : ( الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب ، وإلا فالواجب الصبر )13(13) قول النووي وابن التين: شرح صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور فتنة. ونقل ابن التين في شرح البخاري..
9- عدم وجود برنامج أو منهاج يمتص الطاقات ، ويخفف من حدتها وغلوائها :
وقد يكون عدم وجود برنامج أو منهاج يمتص الطاقات ويخفف من حدتها وغلوائها هو السبب في الاستعجال ، ذلك أن نفس الإنسان التي بين جنبيه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل . ولعل ذلك هو السر في أن الإسلام غمر المسلم ببرنامج عمل في اليوم و الليلة ، وفي الأسبوع وفي الشهر و في السنة وفي العمر كله بحيث إذا حافظ عليه كانت خطوته دقيقة وكانت جهوده مثمرة . ولعله السر أيضاً في تشديد الإسلام على الأئمة أن يستفرغوا كل ما في وسعهم وكل ما في طاقتهم لاستنباط ما يملأ حياة المسلمين بالعمل الجاد المثمر الخالي من الضر و الشرر وإلا حرموا الجنة . يقول – صلى الله عليه وسلم – ” ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة “14(14) عدم وجود برنامج: حديث “ما من أمير يلي أمر المسلمين…” رواه مسلم (142) عن معقل بن يسار..
10- العمل بعيداً عن ذوى الخبرة و التجربة :
وقد يكون العمل بعيداً عن ذوى الخبرة و التجربة هو السبب في الاستعجال ، ذلك أن الإنسان يولد ولا علم له بشيء في هذه الحياة كما قال سبحانه : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً …. } [النحل:78] ثم يبدأ – عن طريق ما وهبه الله من السمع والأبصار والأفئدة – التعلم ، و التعلم لا يكون من الكتب وحدها ، بل يتم أيضاً بواسطة التجربة ، و الممارسة ، و العامل الواعي هو الذي ينتفع بخيرات وتجارب من سبقوه على الطريق ليوفر على نفسه الجهد ، و الوقت و التكاليف ، أما إذا شمخ بأنفه ونأي بنفسه وبدأ العمل بعيداً عن ذوى الخبرة و التجربة فستكون له أخطاء ، وقد يكون الاستعجال واحداً منها . ولعل السر في وصية الإسلام باحترام العلماء وكبار السن الصالحين وذوى الفضل حيث يقول – صلى الله عليه وسلم – :” يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً ولا يؤمَّن الرجل الرجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه “15(15) العمل مع ذوي الخبرة: حديث “يؤم القوم أقرؤهم…” رواه مسلم (673) عن أبي مسعود الأنصاري..
11- الغفلة عن سنن الله في الكون وفي النفس وفي التشريع :
وقد تكون الغفلة عن سنن الله في الكون وفي النفس وفي التشريع هي السبب في الاستعجال ، ذلك : أن من سنن الله في الكون : خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وخلق الإنسان و الحيوان و النبات على مراحل مع أنه قادر على خلق كل ذلك وغيره بكلمة ” كن ” { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } [يس:82] . ومن سنن الله في النفس : أنها لا تضحي ولا تبذل ولا تعطى إلا إذا عولجت من داخلها ، واقتلعت منها كل الحظوظ ، وأدركت قيمة وفائدة التضحية و البذل و العطاء { قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها } [الشمس:9-10] وذلك لا يتم بسهولة ويسر ، وإنما لابد له من جهد ووقت وتكاليف . ومن سنن الله في التشريع : أن الخمر حرمت على مراحل وكذلك الربا ، وإذا نسى العامل أو الداعية هذه السنن كانت السرعة و العجلة ، أما حين تظل ماثلة أمام عينيه ، حاضرة في ذهنه وفؤاده ، فإنها تهدئ من نفسه ، وتضبط حركته ، وتبصره بموضع قدميه16(16) الغفلة عن سنن الله: السيد نوح، آفات على الطريق، ص34..
12- نسيان الغاية التي يسعى إليها المسلم :
وقد يكون نسيان الغاية التي يسعى إليها المسلم هي السبب في الاستعجال ، ذلك أن المسلم يسعى أساساً لتحقيق مرضات الله ، وهذا إنما يتحقق بالتزام منهجه ، وعدم التفريط فيه ، و الثبات على عليه إلى يوم اللقاء قدر الطاقة مع الإخلاص { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } [الكهف:110] ، { فاتقوا الله ما استطعتم … } [التغابن:16] وتلك مقدمات يسأل عنها المسلم بين يدي الله يوم القيامة وعليها تكون النجاة أو عدم النجاة أما النتائج من التمكين أو عدم التمكين فلا يسأل عنها ، لأنها بيد الله يأتي بها حيث يشاء وكما يشاء . فإن حدث ونسى العامل أو الداعية هذه الحقيقة فإنه يقع لا محالة في الاستعجال17(17) نسيان الغاية: الاستشهاد بسورة الكهف آية 110، وسورة التغابن آية 16. المرجع السابق، ص34..
13- الغفلة عن سنة الله مع العصاة والمكذبين :
وقد تكون الغفلة عن سنة الله مع العصاة و المكذبين هي السبب في الاستعجال . ذلك أن من سنة الله مع العصاة و المكذبين ، الإمهال ، وعدم الاستعجال { وأملي لهم إن كيدي متين } [الأعراف:183] ، { وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً } [الكهف:58] . ومن سننه كذلك معهم : أنه إذا أخذهم لم يفلتهم { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة * إن أخذه أليم شديد } [هود:102] ، { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون } [الأنفال:59] . ومن سنته أيضاً : أن أيامه ليست كأيامنا هذه {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ، وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون } [الحج:47]. وإذا غفل العامل أو الداعية عن هذه السنن استعجل قائلاً: نناجزهم قبل أن يستفحل شأنهم، وقبل أن يمسكوا بزمام الأمور، فتستحيل إزاحتهم بعد ذلك من طريق الناس18(18) الغفلة عن سنة الله مع العصاة: الاستشهاد بسورة الأعراف آية 183، والكهف آية 58، وهود آية 102، والأنفال آية 59، والحج آية 47..
14- صحبة نفر من ذوى العجلة وعدم التأني :
وقد تكون صحبة نفر من ذوى العجلة وعدم التأني هي السبب في الاستعجال ، ذلك أن الطبع يعدى ، و المرء على دين خليله ، وإذا لم يحسن المسلم اختيار صاحبه ، فإنه يقتدي به لا محالة في ما يعتنق وفي كل ما يسلك – سيما إذا كان هذا الصاحب قوى الشخصية – وقد يكون من بين ذلك الاستعجال ، ولعل هذا هو سر تأكيد الإسلام على ضرورة مراعاة الدقة والأمانة في اختيار الصديق و الصاحب ، وقد قدمنا طرفاً من الأحاديث الدالة على ذلك أثناء الحديث عن ” الفتور “19(19) صحبة ذوي العجلة: حديث “المرء على دين خليله” رواه أبو داود (4833) والترمذي (2378) وحسنه..
تلك هي الأسباب التي توقع في الاستعجال .
الهوامش
(1) الدافع النفسي سبباً للاستعجال: الاستشهاد بآيات: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37]، {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11]، {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ} [يونس:11]. والسيد نوح، آفات على الطريق، ص31.
(2) الحماس الإيماني سبباً: الاستشهاد بآيات الصبر من سورة المزمل آية 10، والروم آية 60، والفرقان آية 20. المرجع السابق، ص31.
(3) طبيعة العصر سبباً: السيد نوح، آفات على الطريق، ص31.
(4) واقع الأعداء سبباً: المرجع نفسه، ص31-32.
(5) الجهل بأساليب الأعداء سبباً: المرجع السابق، ص32.
(6) حديث تغيير المنكر باليد واللسان والقلب: رواه مسلم (49) عن أبي سعيد الخدري.
(7) حديث سفينة نوح: رواه البخاري (2493) عن النعمان بن بشير.
(8) حديث عائشة في الكعبة: متفق عليه: البخاري (1584)، مسلم (1333).
(9) شيوع المنكرات والجهل بأسلوب تغييرها: السيد نوح، آفات على الطريق، ص32-33.
(10) العجز عن تحمل المشاق: المرجع السابق، ص33.
(11) الظفر بالمقدمات والصبر على جور الأئمة: حديث “من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر…” رواه البخاري (7054) ومسلم (1849) عن ابن عباس.
(12) حديث عبادة بن الصامت في البيعة: متفق عليه: البخاري (7056)، مسلم (1709).
(13) قول النووي وابن التين: شرح صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور فتنة. ونقل ابن التين في شرح البخاري.
(14) عدم وجود برنامج: حديث “ما من أمير يلي أمر المسلمين…” رواه مسلم (142) عن معقل بن يسار.
(15) العمل مع ذوي الخبرة: حديث “يؤم القوم أقرؤهم…” رواه مسلم (673) عن أبي مسعود الأنصاري.
(16) الغفلة عن سنن الله: السيد نوح، آفات على الطريق، ص34.
(17) نسيان الغاية: الاستشهاد بسورة الكهف آية 110، وسورة التغابن آية 16. المرجع السابق، ص34.
(18) الغفلة عن سنة الله مع العصاة: الاستشهاد بسورة الأعراف آية 183، والكهف آية 58، وهود آية 102، والأنفال آية 59، والحج آية 47.
(19) صحبة ذوي العجلة: حديث “المرء على دين خليله” رواه أبو داود (4833) والترمذي (2378) وحسنه.
المصدر
المصدر: كتاب “آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص24-36 (بتصرف).


