تصميم صور المنشورات 16

بين آيةٍ تُقرنُ حقَّ اللهِ بحقِّ الأرحامِ، وحديثٍ يَعدُ الواصلَ ببسطِ الرزقِ ونسءِ الأثرِ.. تأمُّلٌ في فقهِ صلةِ الرحمِ بينَ تأصيلِه الشرعيِّ وتطبيقاتِه العمليةِ التي تَصنعُ من القطيعةِ جسورًا، ومن الجفوةِ مودَّةً.

– حبلُ اللهِ الممدُودِ: «فقهُ صِلَةِ الأَرحامِ بينَ التَّأْصيلِ والتَّطبيقِ»..

أَخي المسلمَ الصَّادق!

اعلمْ – وفَّقكَ اللهُ لمرضاتِهِ – أَنَّ الحديثَ عن «صِلَةِ الرَّحِمِ» ليسَ نافلَةً منَ القولِ، ولا لونًا من أَلوانِ التَّرفِ الاجتماعيِّ؛ بلْ هو حديثٌ عن أَصلٍ عظيمٍ من أُصولِ الأَخلاقِ الشَّرعيَّةِ، ومعلَمٍ مكينٍ من معالمِ المنهجِ الإسلاميِّ في بناءِ الأُسرَةِ والأُمَّةِ.

إنَّها القضيَّةُ التي قرنَها اللهُ تعالى› بتقواهُ في مطلعِ «سورَةِ النِّساءِ» فقال سبحانَهُ:

﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

ففي هذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ بليغَةٌ إلى أَنَّ حقَّ الرَّحِمِ ليسَ حقًّا هامشيًّا، ولا شأْنًا عائليًّا يُترَكُ للأَمزجَةِ والأَهواءِ؛ بلْ هو حقٌّ مرعيٌّ برقابَةِ اللهِ، محفوظٌ في ميزانِ الشَّريعَةِ، داخِلٌ في دائرَةِ التَّقوى التي يُسأَلُ عنها العبدُ بينَ يدي رَبِّهِ.

أَوَّلًا- التَّعريفُ المنهجيُّ: ما هي «الرَّحمُ»؟

إذا أَردنا التَّأْصيلَ العلميَّ؛ فقدِ اختلفَ الفقهاءُ في «حدِّ الرَّحمِ» التي تجبُ صلتُها على ثلاثَةِ أَقوالٍ:

القولُ الأَوَّلُ: أَنَّهم كلُّ ذي رحمٍ محرمٍ؛ بحيثُ لو كانَ أَحدُهما ذكرًا والآخرُ أُنثى لم يحلَّ لهُ نكاحُهُ.

القولُ الثَّاني: أَنَّهم كلُّ من يرثُ من الأَقاربِ.

القولُ الثَّالثُ، وهو الأَرجحُ والأَوسعُ: أَنَّ الرَّحمَ تشملُ كلَّ من بينَكَ وبينَهُ قرابَةٌ؛ سواءٌ كانَ محرمًا أَو غيرَ محرمٍ، وارثًا أَو غيرَ وارثٍ، وهذا هو الذي يتَّسقُ مع عمومِ النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ.

أَمَّا «الصِّلةُ» فهيَ: إيصالُ ما أَمكنَ من الخيرِ، ودفعُ ما أَمكنَ من الشَّرِّ عن الأَقاربِ؛ حسبَ الطَّاقةِ والعرفِ.

ثانيًا- الحكمُ الشَّرعيُّ: «فريضةٌ لا نافلَةٌ»

إنَّ «صلةَ الرَّحمِ» واجبةٌ بالإجماعِ، وقطيعتُها كبيرَةٌ من كبائرِ الذُّنوبِ. ولم يجعلِ الشَّارعُ الحكيمُ هذا الحكمَ خاضِعًا للمقابلَةِ؛ فليسَتِ الصِّلَةُ أَن تصِلَ من وصلَكَ، فتلكَ مكافأَةٌ.

وإنَّما الصِّلَةُ الحقيقيَّةُ؛ هيَ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «ليسَ الواصِلُ بالمكافئِ، ولكنَّ الواصِلَ الذي إذا قطعَتْ رحمُهُ وصلَها».

ثالثًا- أَنواعُ الصِّلةِ ومراتبُها: «فقهُ التَّطبيقِ»

تتنوَّعُ «صِلَةُ الرَّحمِ» بتنوُّعِ حاجاتِ النَّاسِ وقدراتِهم، وتنتظمُ في عدَّةِ مراتبَ:

١- المرتبَةُ النَّفسيَّةُ والعاطفيَّةُ: وتكونُ بالسَّلامِ، والسُّؤَالِ، والتَّودُّدِ، والمشاركَةِ في الأَفراحِ، والمواساةِ في الأَتراحِ.

٢- المرتبَةُ الماليَّةُ: وهي محكُّ الصِّدقِ؛ بتفقُّدِ فقرائِهم ومدِّ يدِ العونِ لهم، والصَّدقَةُ على الرَّحمِ صدقَةٌ وصلةٌَ.

٣- المرتبَةُ الدَّعويَّةُ والعلميَّةُ: وهي أَعلى المراتبِ؛ بتعهُّدِهم بالنُّصحِ، وأَمرِهم بالمعروفِ، ونهيِهم عن المنكرِ، برفقٍ وأَدبٍ، امتثالًا لقولِهِ تعالى: ﴿وأَنذرْ عشيرتَكَ الأَقربينَ﴾.

رابعًا- الوعظُ والتَّزكيَةُ: «ثمراتُ الوصِلِ وشؤمُ القطيعَةِ»

تأَمَّلوا – يا رعاكُمُ اللهُ – عاقبَةَ هذا الميثاقِ: مَن أَرادَ سعَةً في الرِّزقِ، وبركَةً في العمرِ، وذكرًا حسنًا بعدَ الموتِ؛ فلا يبحثْ عن مشاريعَ وهميَّةٍ، بلْ ينظرْ في رحمِهِ؛ يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَن يبسطَ لهُ في رزقِهِ، وأَن ينسأَ لهُ في أَثرِهِ؛ فليَصِلْ رحمَهُ».

وفي المقابلِ؛ يا لخسارَةِ قاطعِ الرَّحمِ! إنَّهُ يحرمُ نفسَهُ من دخولِ الجنَّةِ ابتداءً: «لا يدخلُ الجنَّةَ قاطعٌ» وتُرفعُ عنهُ رحمَةُ اللهِ؛ بلْ إنَّ لعنَةَ اللهِ تحلُّ بالقاطعينَ الذينَ يفسدونَ في الأَرضِ كما نطقَ القرآنُ العظيمُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.

كيفَ يطيبُ لعبدٍ عيشٌ، وأَعمالُهُ العلميَّةُ أَو الدَّعويَّةُ موقوفةٌ لا تُعرضُ على اللهِ تعالى؟ إنَّ أَعمالَ بني آدمَ تُعرضُ كلَّ خميسٍ ليلةَ الجمعةِ؛ فلا يُقبلُ عملُ قاطعِ رحمٍ!

الخاتمَةُ والدَّعوَةُ إلى العمَلِ

أَيُّها الأَحبَّةُ الكرامِ! إنَّ المنهجَ العلميَّ لا تكتملُ ثمرتُهُ؛ حتى يتحوَّلَ إلى واقعٍ معيشٍ، وسلوكٍ ظاهِرٍ، وخُلُقٍ يُرى في البيوتِ والمجالسِ والمعاملاتِ.

فلنكسِرْ كِبرياءَ النُّفوسِ، ولنُغالبْ حظوظَها، ولنتجاوزْ عن زلَّاتِ الأَقاربِ ما استطعنا إلى ذلكَ سبيلًا؛ فإنْ كانَ فيهم جفاءٌ فلنقابلْهُ بالصَّفحِ، وإنْ كانَ فيهم جهَلٌ فلنقابلْهُ بالحِلمِ، وإنْ كانَ منهم تقصيرٌ فلنقابلْهُ بالإحسانِ؛ محتسبينَ ذلكَ عندَ اللهَ، راجينَ بهِ وجهَهُ والدَّارَ الآخرَةَ.

وليُمسِكْ كلُّ واحدٍ منَّا هاتفَهُ؛ فيتَّصلْ برَحِمٍ قصَّرَ في حقِّها، أَو يرسلْ رسالَةَ سلامٍ ومودَّةٍ، أَو يعزمْ على زيارَةٍ يُحيي بها ما ماتَ من الأُلفَةِ، ويَصِلُ بها ما انقطعَ من الوُدِّ، ويرفعُ بها عندَ اللهِ مقامَهُ.

ولا تجعلْ للشَّيطانِ عليكَ سبيلًا بأَن يقولَ لكَ: لِمَ تبدأُ أَنت؟ بلْ قلْ لهُ: أَبدأُ لأَنِّي أَطلبُ رضا اللهِ، وأَصِلُ لأَنِّي أَخافُ قطيعَةَ ما أَمرَ اللهُ بهِ أَن يُوصَلَ، وأَعفو لأَنِّي أَحبُّ أَن يعفوَ اللهُ عنِّي.

فطوبى لمن خرجَ من هذِهِ الموعظَةِ بعزمٍ صادقٍ، وقلبٍ ليِّنٍ، وخطوَةٍ عمليَّةٍ يُطفئُ بها نارَ القطيعَةِ، ويفتحُ بها بابَ الرَّحمَةِ، ويجعلُها ذُخرًا لهُ يومَ يلقى اللهَ لا ينفعُهُ إلَّا قلبٌ سليمٌ وعملٌ صالحٌ.

اللَّهُمَّ! اجعلْنا لأَرحامِنا واصلينَ، وبعقودِكَ مستمسكينَ، ولا تجعلْنا من القاطعينَ المحرومينَ.

المصدر

صفحة الشيخ عبدالله الأثري، على منصة X.

اقرأ أيضا

من آثار رحمة الله في خلقه وأمره

كتب ربكم على نفسه الرحمة .. دروس مستفادة

التعليقات معطلة