“ليس العيب في القرآن، فالقرآن كما أنزله الله. العيب فينا: كيف نتعامل معه؟ هل نشتغل حوله، أم نشتغل به وفيه؟”
ألم تسأل نفسك يوماً: لماذا نقرأ القرآن ولا يتغير حالنا؟ الفرق بين الاشتغال “حول القرآن” والاشتغال “بالقرآن” هو سر الأزمة التي تعانيها الأمة.
القرآن الذي صنع الأمة
كان القرآن يوماً ما معجزةً حيةً تحرك القلوب، وتغير المصائر، وتنقل الرعاة إلى قيادة الأمم. كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون الآيات فتزلزل قلوبهم، وتغير سلوكهم، وتصنع منهم أمةً فذة لا تشبه البشر العاديين. يتلقون خمس آيات أو عشراً، فيقفون عندها، يتدبرونها، يعملون بها، حتى تتفاعل مع أرواحهم وتُحكم سيطرتها على واقعهم، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى آيات أخر .
أما اليوم، فالقرآن بين أيدينا، نقرؤه، ونحفظه، ونتغنى به، ولكن أين تأثيره في نفوسنا؟ أين التغيير الذي كان يحدثه في الصحابة؟ لماذا نقرأ سورة تلو الأخرى، لكننا لا نكاد نرى أثرها في واقعنا؟
أزمة التداول الاجتماعي للقرآن
غياب الانخراط العملي
الأمة تعاني اليوم من “أزمة غياب التداول الاجتماعي للقرآن الكريم” . والمقصود بـ”التداول الاجتماعي” هو انخراط المجتمع كله في تصريف آيات القرآن في السلوك البشري العام، تلاوةً وتزكيةً وتعلماً وتعليماً.
بعبارة أخرى: القرآن لا يؤثر في واقعنا لأننا لم نجعله محور حياتنا. نقرؤه في المناسبات، ونحفظه للتبرك، ونسمعه في السيارات، لكنه لا يتحكم في قراراتنا، ولا يوجه معاملاتنا، ولا يُصلح ما فسد من أخلاقنا.
هذه الأزمة هي أصل الانحراف. فاستقامة المجتمع لا يمكن أن تتحقق إلا باستقامته على موازين القرآن. ولن يستقيم المجتمع على موازين القرآن حتى يحل أزمته مع القرآن على المستوى الفردي أولاً .
حول القرآن أم بالقرآن؟
إن التمييز بين الاشتغال “حول القرآن” والاشتغال “بالقرآن وفي القرآن” . هو جوهر “تحديد الجهة” .
الاشتغال حول القرآن
وهو التعامل السطحي الذي يكتفي بالنظريات والأفكار المجردة حول النص، دون أن يخضع له أو ينضوي تحت سلطانه. من يشتغل حول القرآن يتخذه شعاراً يرفعه، لكنه في واقع الأمر يعمل بأفكاره الشخصية وآرائه الذاتية، ولا يخضع لمنهج القرآن في شيء.
وهذا الذي نراه في واقعنا: كتب كثيرة عن القرآن، ومحاضرات وبحوث، لكن القليل من الانقياد الحقيقي للقرآن. الناس يتحدثون عن القرآن أكثر مما يعملون به. وهذا هو الفرق بين من جعل القرآن منهج حياة، ومن جعله مجرد موضوع للدراسة أو الزخرفة.
الاشتغال بالقرآن وفيه
أما الاشتغال “بالقرآن” و”فيه” ، فهو: “عمل يتخذ كتاب الله أساس مشروعه، وصلب عمله ومنهاجه، تلاوة وتزكية وتعلماً وتعليماً” . وهو الدخول في مسلك القرآن تلقيًا لآياته، وخضوعاً لحركته التربوية في النفس، ومكابدةً لحقائقه الإيمانية، واستيعاباً لأحكامه وحكمه، في طريق حمل النفس على التحقق بمنازله والتخلق بأخلاقه.
هذا هو عين منهاج النبوة في إصلاح النفس والمجتمع. هذا هو الذي صنع الصحابة، ونقلهم من رعاة الغنم إلى رعاة الأمم، ومن ظلام الجاهلية إلى نور الهدى .
حفظ القرآن لا يكفي وحده
الحفظ المشروع هو مشروع حياة
قد يظن البعض أن كثرة الحفظ هي عنوان الاهتمام بالقرآن. من يحفظ أكثر فهو أفضل.
“إن حفظ القرآن عن ظهر قلب مهم جداً، لكنه لا يمثل بمفرده حقيقة ما نحن فيه” . لماذا؟ لأن الحفظ المطلوب في المنهاج القرآني ليس هو الحفظ الذي نجده عند كثير من الناس اليوم، حيث يختمون القرآن حفظاً في سنة أو سنتين، لكنه لا يؤثر في سلوكهم ولا في أخلاقهم.
الحفظ الذي مارسه الصحابة رضي الله عنهم كان مختلفاً تماماً: “كانوا يتلقون خمس آيات أو عشراً، فيدخلون في مكابدة حقائقها الإيمانية ما شاء الله، فلا ينتقلون إلى غيرها إلا بعد نجاحهم في ابتلاءاتها. ومن ثم يصير حفظ القرآن بهذا المسلك مشروع حياة، وليس مجرد هدف لسنة أو سنتين” .
الحافظ الحقيقي
ليس الحافظ هو من أودع الآيات في صدره فقط، بل “الحافظ للشيء هو الحافظ لأمانته، المتحقق بحكمته، العامل بمقتضاه، المكابد لما تلقى عنه من حقوق الله” .
إنه يضرب أمثلة بليغة:
الذي لا يكابد منزلة الإخلاص ولا يجاهد نفسه على حصونها المنيعة، ولا يتخلق بمقام التوحيد لله، لا يمكن أن يعتبر حافظاً لسورة الإخلاص!
الذي لا يذوق طعم الأمان عندما يدخل في حمى المعوذتين، لا يكون قد اكتسب سورتي الفلق والناس!
قد يسأل الإنسان نفسه: أين أثر قراءته لسورة البقرة في تسليم وجهه لله؟ وأين أثر سورة المزمل في حماسة دعوته؟
بهذا المعيار، نرى أن أكثر الناس لم يحفظوا القرآن حقاً، حتى لو حفظوه كله عن ظهر قلب. لأن الحفظ الحقيقي لا يتحقق إلا بالعمل والتحقق والامتثال .
لماذا كل هذا الاهتمام بالجهة؟
لا بد من تصحيح المسار قبل البدء
قد يسأل سائل: لماذا كل هذا الكلام عن “تحديد الجهة”؟ ولماذا هذا التركيز على التمييز بين الاشتغال حول القرآن والاشتغال به؟
الجواب: لأنه لا بد قبل أي خطوة في طريق الدين والدعوة من تحديد معالم الطريق ومعرفة الجهة التي نتجه إليها. كثير من الناس ينطلقون بحماس، لكنهم لا يعرفون إلى أين يتجهون. يعملون ويتعبون، لكن النتائج تكون مخيبة لأنهم أخطأوا الجهة من البداية .
تحديد الجهة يعني: أن نقرر أن القرآن هو أصل المشروع، وهو المنهج، وهو الحاكم، وهو الموجه. لا نقرأه لنأخذ منه ما يوافق أفكارنا المسبقة، بل ننقاد له ونسلم لأحكامه، ونخضع لتربيته.
القرآن أصلاً للحركة التربوية
القرآن ليس مجرد دستور نظري نرجع إليه عند الحاجة، بل هو أصل الحركة التربوية اليومية في النفس. هو الذي يحرك المشاعر، ويوجه الإرادات، ويصقل الأخلاق. هو النبع الذي لا ينضب، والبوصلة التي لا تخطئ.
كلما كان المسلم قريباً من القرآن، متدبراً له، عاملاً به، كان قريباً من الله. وكلما ابتعد عنه، ولو بحجة الاشتغال بـ”علومه” من حوله، كان بعيداً .
تطبيقات عملية على تحديد الجهة
كيف نصحح علاقتنا بالقرآن؟
بعد أن عرفنا الفرق بين الاشتغال حول القرآن والاشتغال به، نأتي إلى السؤال التطبيقي: كيف نصحح علاقتنا بالقرآن؟
- إعادة النظر في نية القراءة
لا نقرأ القرآن للتبرك فقط، ولا للتغني به، ولا لكثرة الختمات. نقرأه لنعرف ما يريده الله منا، ثم نفعله. النية هي التي تحدد الجهة. فلتكن نيتك: “اللهم اجعل هذا القرآن حجة لي لا علي، واجعله نوراً يهديني إلى صراطك المستقيم”.
- التوقف عند الآيات للتدبر والعمل
ليس المطلوب قراءة القرآن بسرعة كمن يقرأ جريدة. المطلوب التوقف عند الآيات، خاصة التي تخاطب القلب وتحرك الوجدان. اسأل نفسك: ما الذي تريده هذه الآية مني؟ أي معنى إيماني يجب أن أحققه؟ أي خلق يجب أن أتحلى به؟ أي ذنب يجب أن أتخلى عنه؟
- تحويل الآيات إلى أهداف سلوكية
إذا قرأت آية عن الصبر، فاجعل هدفاً سلوكياً محدداً: “سأصبر اليوم على هذا الموقف المؤلم”. إذا قرأت آية عن الصدق، فاجعل هدفاً: “سألتزم بالصدق ولو كان علي”. القرآن إذا لم يتحول إلى سلوك، لم ينتفع به صاحبه .
- مراجعة النفس يومياً
هل عملت اليوم بما قرأت؟ هذا هو السؤال المحوري. الصحابة كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن حتى يعلموا ما فيهن من العمل. فالقرآن لم ينزل ليتلى فقط، بل ليتلى ويعمل به.
إلى أين نتجه بعد تحديد الجهة؟
الرسالة الأولى من كتاب الشيخ فريد الأنصاري هي بمثابة “تصحيح البوصلة” . قبل أن تبدأ أي رحلة، يجب أن تعرف أين تتجه. قبل أن تبدأ مسيرتك مع القرآن، يجب أن تحدد الجهة: هل ستجعل القرآن أصلاً ومنهاجاً، أم ستجعله مجرد زخرفة؟
تحديد الجهة هو أن تعلم أن مشكلتنا ليست في القرآن، فالقرآن كما أنزله الله، فيه الهدى والنور والشفاء. مشكلتنا في نحن : في كيفية تعاملنا معه، وفي ضعف تداوله في حياتنا، وفي تحويله إلى رموز وأوراق بدل أن يكون قلباً نابضاً يحرك الجوارح.
فمن أراد أن يصلح نفسه، ويستقيم على دين الله، ويجعل القرآن نوراً في حياته، فليبدأ بتحديد الجهة. وليعقد العزم على أن يكون ممن يشتغلون بالقرآن وفيه، لا حوله. وعندها فقط – بإذن الله – ستتحقق معجزة التغيير، وسيعود القرآن ليصنع الأمة من جديد.
ربنا اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، واهدنا به إلى صراطك المستقيم.
المصدر
هذا المقال مستوحى من كتاب فضيلة الشيخ فريد الأنصاري – رحمه الله -:”هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها”، الرسالة الأولى: في تحديد الوجهة (أو تحديد الجهة). إعادة صياغة موسعة وتفصيل لفكرة الرسالة.


