هل ترك الإسلام فراغًا دستوريًا في نظام الحكم، أم أنَّ من يدَّعي ذلك يخلط بين الأمور الدنيوية الآلية وبين الأحكام الشرعية الثابتة؟ رحلة نقدية في تقسيمات “التجديد” التي تريد هدم ما بناه الشرع قبل أن تبني.
الدين والدولة – نقد نظرية الفراغ الدستوري
ظاهرة النسف والهدم باسم التجديد
قرأت لأحدهم كلامًا فيه طُموح إلى التجديد، غير أنّه طموحٌ مُرْسَلٌ في الفضاء بلا رصيد، والعجيب أنّ صاحب هذا الكلام – إذْ يمارس ما يسميه (التجديد!) – في ميدان يُعَدُّ أكثر الميادين تعطشًا للتجديد والتوليد، يبدأ عمله بالنَّسْف والهدم والتقويض، فيدّعي أنّ الإسلام في ميدان الحكم والسياسة أتى فقط بقيم عامة ومبادئ كلية، وترك للعقل البشريّ مهمة إنشاء النظام الذي يناسبه؛ ويزعم أنّ هذا هو ما يناسب طبيعة الإسلام، الذي لا يتدخل – بزعمه – في مثل هذه التفاصيل، وإنّما يترك للعقل البشري الاجتهاد فيها؛ لكونها من قبيل الأمور (الدنيوية!)، واعتمد في ذلك على ما اعتمد عليه بعض أساتذته، من تقسيم تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما هو ديني وما هو دنيوي، وأنّ ما لم يكن منها من قبيل التصرفات الدينية لا تقوم به الحجة، وأنّ النظام السياسي ابن الظروف التاريخية، وعلى المسلم أن يحاول أن يؤثر بعقيدته وفقهه بقدر المستطاع.
وجاهة الشبهة الظاهرية وخفاؤها الواقعي
ولكونه ناقل ليس إلّا؛ رأيت أن أردّ عليه بالردّ على المنابع التي استقى منها، فهذه الشبهة – ابتداء – تبدو وجيهة من وجوه، الأول: اتفاقها ظاهرا مع خاصية في الشريعة، وهي أنّها تترك فجوات تشريعية واسعة في الأنظمة التي يلزم تجددها مع تجدد الحياة، وتتركها للعقل البشريّ إعمالا لطاقته وتفعيلا لدوره، الثاني: وجود تصرفات نبويّة من قبيل الأمور الدنيوية ووقوعها خارج دائرة التشريع بالفعل، الثالث: أنّ الجزء الأخطر في الأنظمة على اختلاف ألوانها هو المنظومة القيمية، بما يعني أنّها إن كانت واضحة ومتماسكة في نظام ما فإنَّ هذا يكون مجديًا.
وبرغم ذلك الذي يبدو للنظرة العاجلة والوهلة الأولى وجيهًا نجد أنّ هذا الكلام غير متماسك منطقيًّا ولا واقعيًّا، إضافة إلى منافاته لواقع التشريع الإسلاميّ، وسوف يتبين لنا أن كل تك الوجوه التي تجعل للشبهة شيئًا من الوجاهة مجردُ خيالات موهومة.
محمد عابد الجابري وإمامة الحداثيين
وربما كان الدكتور محمد عابد الجابريّ هو أول من فتح هذا الباب، ثم تبعه الآخرون على أثره مقررين ومستشهدين، وإن كانوا قد فاقوه في الاستدلال بطريقة أصولية حِرَفِيّة عالية الحذق عميقة الخداع، ومحمد عابد الجابري يعدّ إمام الحداثيين العرب وكبيرهم بلا منازع، فما هي نظريّته.
نظرية “الفراغ الدستوري” وترك الأمر للصحابة
بعد أن بذل وسعه في تقرير زعمه أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ترك أمر الدولة والحكم لأصحابه ليقرروه؛ راح يقرر المنطلق: “والخلاصة أنه لما كان النبي قد ترك الأمر لصحابته ليفصلوا فيه من بعده؛ فإنّ ما أقره الصحابة وما صنعه الخلفاء من بعدهم وما قاله الفقهاء في الخلافة كل ذلك يؤول أمره إلى الاجتهاد، والاجتهاد في مسألة ترك أمرها للمسلمين سيختلف حتما باختلاف العصور وتغير الظروف … وليس هناك نص من هذا النوع يلزم المسلمين بنوع من الحكم معين ولا وجود لنص ينهاهم عن نوع من الحكم معين”1([1]) الدين والدولة وتطبيق الشريعة – د. محمد عابد الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ط أولى 1996م ص70-71.
وبعد أن ادعى على مدى صفحات وجود فراغ دستوري ظهر في عدم تحديد مدة الخلافة وفي عدم تحديد اختصاصات الخليفة يقول: “وبعدُ فليس هناك نظام للحكم شرع له الإسلام، وإنما أقام مع تطور الدعوة المحمدية نظامًا في الحكم اعتُمد في البداية – وعقب وفاة النبي – نموذج (الأمير على القتال) … وعندما تطورت الدولة العربية الإسلامية مع الفتوحات والغنائم وانتشار الإسلام بات نموذج (أمير الحرب) غير قادر على استيعاب التطورات التي حصلت فبرز فراغ دستوري”2([2]) الدين والدولة وتطبيق الشريعة – د. محمد عابد الجابري – المصدر نفسه – ص80-81، هكذا (فراغ دستوري!!).
وهو يبتغي من وراء هذا اللف والدوران أن يُثْبِت أنّ نظام الحكم قد تطور متأثرا بالمتغيرات البيئية ومتطلبات الحياة المتجددة، بينما الشريعة قد تركت هذا الأمر برمته للتجربة الإنسانية ووكلته كله إلى العقل البشري؛ ومن ثم فنحن في زماننا هذا نضع نظمنا ابتكارا من عند أنفسنا أو اقتباسا من غيرنا بحرية تامّة دون أن يكون للشريعة سلطان علينا؛ وكيف تتسلط الشريعة على أمر دنيوي كهذا وهي معنية بأمور الدين؟! ذاك كان مقصده، أعلنه أو لم يعلنه؛ فالكلمات تحمل في ثناياها روائحها الدالة على حقائقها.
“أنتم أعلم بأمور دنياكم” بين الفهم الصحيح والفهم المغلوط
والحقيقة أنّ الكثيرين أساءوا فهم حديث “أنتم أعلم بأمور دنياكم” وبنوا عليه جبالا من الأوهام، وجاء تقسيم السنة النبوية إلى سنة تشريعية وغير تشريعية معتمدا على هذا الحديث وعلى جملة من الأحاديث قليلة العدد ضعيفة الدلالة على ما راموا من التقسيم، وقد كان من أبرز الأسماء التي تعرضت لهذا التقسيم: الدكتور محمد سليم العوا، وسعد الدين العثماني رئيس وزراء الحكومة المغربية السابق، وغيرهم، وهؤلاء – مع تباين أقوالهم توسيعا وتضييقا – اعتمدوا على هذا الحديث، مع قطوف لبعض العلماء، وضعوها على غير مواضعها.
والحقيقة أنّ حديث تأبير النخل من أروع الأحاديث التي تُقَرِّر أصلا كبيرا في هذا الدين العظيم، وهو أنّ أمور الدنيا موكولة إلى العقول البشرية والعلوم الإنسانية والخبرات والتجارب، موكولة للإنسان الخليفة يجتهد فيها بما وهبه الله تعالى من العقل والحكمة والنظر، وأنّ الشريعة لا تتدخل في تفاصيلها وإنّما فقط بالحياطة الخارجية عبر قواعد عامة تضبط السلوك والتصرف بما يعظم المنفعة ويدفع المضرة، وهذا من أعظم وأهم خصائص الشريعة الإسلامية العظيمة، ومن أهم السمات التي تؤهلها للعالمية والديمومة.
ما هي الأمور الدنيوية تحديداً؟ السؤال الجوهري
لكن ما هي على وجه التحديد الأمور الدنيوية؟ هذا هو السؤال الجوهريّ الذي يحمي العقل والفهم من الانزلاق في هذه المسألة الخطيرة، فإنّه من المستحيل شرعاً أن يكون البيع والشراء والرهن والهبة والشركة والمضاربة والحجر والتفليس والدين والقرض من الأمور الدنيوية بإطلاق، مع أنها ليست من العبادات ولا العقائد ولا الشعائر التعبدية، ومثلها مسائل المعاهدات والمهادنات والتحالفات والجهاد والفيء والغنائم وما شابهها، ومثلها عقد البيعة للإمام وعزله عند الاقتضاء والشورى وغيرها، ومثلها القضاء وشروط القاضي والبينات والدعاوى وغيرها، يستحيل أن تكون هذه الأمور – التي ليست من أمور الآخرة وليست من العقائد ولا الشعائر التعبدية – أن تكون بإطلاق من الأمور الدنيوية، من المستحيل أن تكون كتأبير النخل ينطبق عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم).
فجميع هذه الأمور من بيع وشراء ورهن وربا وقطعٍ ليد السارق وعقوبةٍ للمحارب وإشهادٍ ومعاهدات وتخميسٍ للغنائم وغيرها، مما تعرضت لبيان حكمه آيات وأحاديث، هي في حقيقتها أمور من قبيل تنظيم المجتمع وترتيب أحوال الخلق وتنظيم العلاقات بين الناس، وليست من قبيل العبادات والأمور الأخروية؛ فهل نقول إنّها من الأمور الدنيوية على المعنى الذي ورد به الحديث؛ فيكون الناس أعلم بها من الرسول بل من الله الذي أنزل حكمها في كتابه؟! هذا – بلا ريب – كلام ظاهر البطلان والبوار.
إنّ الجانب الدنيوي في البيع يكون في طريقة المساومة، وفن عرض السلعة، والأدوات التي يستعملها في نقل السلعة وعرضها، والأسواق التي تنظم ذلك، وما شابه ذلك، أمّا شروط صحة البيع، والمحرمات من البيوع، وغير ذلك مما تعرض له القرآن والسنة ببيان الأحكام، كنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغرر وعن الربا، وعن بيع ما يحرم استعماله، فهذه قطعا ليست من الأمور الدنيوية على المعنى الذي جاء في حديث تأبير النخل، وقِسْ على ذلك كل ما ذكرناه وما لم نذكره من الموضوعات التي تعرض القرآن والسنة لبيان أحكامها بالحل أو الحرمة أو الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة أو الصحة أو البطلان.
الفرق بين الأمور الدنيوية والأحكام الشرعية (تأبير النخل نموذجاً)
ومن خلال الاستقراء نستطيع أن نقول: إنّ الفرق بين الأمور الدنيوية وبين الأحكام الشرعية التي هي من “العاديات” كالفرق بين تأبير النخل وبين “المزابنة”، وكالفرق بين زراعة القمح في الشتاء لا في الصيف وبين “المحاقلة”، وكالفرق بين صك النقود وطباعة أوراق البنكنوت وبين “الصرف”، وكالفرق بين وسائل وأساليب التحقيق وبين “الدعاوى والبينات”، وكالفرق بين صناعة السلاح وبين “الجهاد”، وهكذا ..
فتأبير النخل وزراعة القمح وصك النقود وصناعة السلاح وما شابهها من الأمور الدنيوية، التي تركت في الأصل للتجربة البشرية، ولا تتدخل الشريعة إلا بالحياطة الخارجية التي تحفظ النشاط البشريّ من الانزلاق، وتعظم من الاستفادة به، أما المزابنة، والمحاقلة، والصرف والجهاد والإعداد للجهاد والدعاوى والبينات والمعاهدات وآثار الحرب وغير ذلك فهي من “العاديات”، التي هي من أمور الدين وإن لم تكن من العبادات، والتي تنظمها الأحكام الشرعية وإن كان الأصل فيها العفو، وخذ على ذلك مثالاً واحداً: تأبير النخل من الأمور الدنيوية، ولكن المزابنة وهي نوع من بيع منتج ذلك النخل ليست من الأمور الدنيوية، وإلا لقال الرسول عن المزابنة أنتم أعلم بأمور دنياكم مثلما قال عن التأبير، وقس على ذلك.
تطبيق التقسيم على السياسة: الآليات من الدنيا والأسس من الدين
هذه الأمور الدنيوية يوجد منها في عالم السياسة وفي النظم السياسية الكثير المتنوع، فأغلب ما يدخل في باب الآليات والأدوات وما هو من قبيل الأمور التقنية المادية هو من أمور الدنيا، ومناهج الإدارة للدولة ومؤسساتها، وكذلك أساليب التعامل الدبلوماسي، وما شابه ذلك مما هو موكول إلى قدرات البشر يُعَدُّ من أمور الدنيا، وما دامت كذلك فليست مما يشمله التشريع، وإنما هي متروكة للإبداع الإنسانيّ، وللحكمة الإنسانية، وللتجارب البشرية المتراكمة، أمّا الأحكام الشرعية فشأن آخر؛ فإنّ: “شؤون الدنيا يتعلق بها أمران، الأمر الأول: ما يختص بكيفية هذه الشئون من ناحية الصنع والإدارة؛ فهي متروكة للمختصين، وأمّا الأمر الثاني: فهو ما يتعلق بالناحية التكليفية، من حيث الحل والحرمة فهذا خاص بالشرع”3([3]) التشريع من السنة وكيفية الاستنباط منها – د. علي القره داغي – مجلة مركز بحوث السنة والسيرة – العدد الثاني 1987م – ص365.
إنّ أسس النظام الإسلاميّ كالعدل والشورى وسيادة الشريعة وسلطان الأمة من الأمور الدينية، وكذلك الأحكام الشرعية التي تحقق هذه الأسس في واقع الناس وتنظمها كالأحكام المتعلقة بتحقيق العدالة في الحكم والقضاء والاقتصاد وتوزيع الثروة وغير ذلك؛ جميعها من الدين وليست من أمور الدنيا، وكذلك الأحكام المؤطرة والمنظمة لمؤسسات النظام الإسلاميّ والتي اسْتُخْلِصت من السنة القولية والعملية ومن سنة الخلفاء الراشدين التي دلنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كلها من أمور الدين لا من أمور الدنيا، وكذلك الأحكام التي تنظم الممارسة السياسية؛ بما يتفق مع مقاصد الشريعة ومع أسس وقواعد النظام الإسلامي، مثل أحكام الحرب وآثارها والمهادنات وشروطها، كل ذلك من أمور الدين لا من أمور الدنيا.
مؤسسة الخلافة بين الثابت الشرعي والمتغير الدنيوي
فإذا أخذنا مؤسسة الخلافة مثالًا لما يشتمل على أمور دينية شرعية تنظمها أحكام الشريعة وأمور دنيوية متروكة لاجتهاد العقول وللتجربة البشرية؛ فإننا نجد أنّ شروط من يتولى الخلافة وطريقة توليته ووجوب طاعته وشروط هذا الوجوب، وواجباته تجاه الرعية، وتنظيم العلاقة بينه وبين الرعية، وما يجب له وما يجب عليه داخليا وخارجيا، وأحكام إنهاء ولايته أو انتهائها، وغير ذلك من أمور الدين التي يجب أن تؤخذ من النصوص الشرعية أو من الاجتهاد الشرعيّ، أمّا الأمور التقنية وآليات الاختيار ومؤسسات الخلافة المادية والتقنية والتنظيمية، وأساليب إدارته وبروتوكولات دبلوماسيته وغير ذلك فهذه أمور دنيوية، فمن حق الأمة أن تستبدل بالبيعة صناديق الانتخاب بشروط معينة تجعلها متفقة مع أحكام الشريعة، ومن حقها – بل من واجبها – أن تطور المؤسسات فنيا وتنظيميا بما يناسب الزمان ويساعد على تحقيق مقاصد الشريعة.
غفلة الأمة عن واجب تطوير المؤسسات
وإذا كان في تاريخ الخلفاء خطأ قد وقع يستحق أن نقف عنده وننسبه إلى ذلك الجيل الطهور فهو غفلة الأمة عن واجب كبير من واجبات الوقت، وهو نقل مؤسسات الدولة الإسلامية – وعلى رأسها مؤسسة أهل الحل والعقد ومؤسسة السلطة التشريعية – من الطور البسيط الذي كان مناسباً وكافياً للحياة البدوية البسيطة إلى الطور الحضاري المعقد الذي يواكب انفتاح الأمة الإسلامية على العالم من حولها ويلبي الحاجة التي فرضتها سرعة الفتوح، وذلك عبر تطوير الجوانب الفنية في هذه المؤسسات ووضع آليات جديدة تستجيب للطفرة الكبيرة التي حدثت بعد الفتوح الهائلة، سواء كان ذلك بالابتكار أو بالاقتباس.
ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في غاية اليقظة يوم أن افتتح مسيرة مباركة لم تكتمل بعده إلا في عهد عبد الملك بن مروان؛ بما وضعه من دواوين، وبما أدخله على بيت المال من تعديلات في اللوائح التنظيمية والقرارات الإدارية، التي تعد من قبيل الأمور الدنيوية، والسبب في توقف هذه المسيرة هو الفتنة التي عاجلت الأمة فأذهلتها عن كثير من واجبتها، وأعتقد – إلى درجة اليقين – أن مؤسسة كمؤسسة أهل الحل والعقد لو وضع لها ما ينظم عملها من تراتيب إدارية ولوائح تنظيمة وغير ذلك من الأمور الدنيوية التي إن أخذت حكم الوجوب فإنما هو من قبيل مالا يتم الواجب به فهو واجب؛ لو كان ذلك لما وقع الانحراف الذي غير – بشكل جذريّ – مسار السياسة في الإسلام، ولكان للأمة شأن لا يدانيه شأن.
ولا شك أن آليات اختيار الحاكم وانتخابه، وآليات إدارة الشورى، وكذلك كل ما يمكن أن يقتبس من الغير إذا احتاجت الأمة إليه كالفصل بين السلطات وتوقيت عقد الإمامة وغير ذلك، ومثله جميع ما يدخره الزمان من مبتكرات العقل البشريّ في ميدان الآليات والأدوات؛ كل هذا من أمور الدنيا.
نقد تقسيم سعد الدين العثماني وتوظيفه للقرافي
وقد اعتمد سعد الدين العثمانيّ التقسيم الذي ذهب إليه الإمام القرافيّ رحمه الله، حيث قسم تصرفات النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى تصرفات بالفتوى، وتصرفات بالقضاء وتصرفات بالإمامة، وبنى العثمانيّ على هذا التقسيم أنّ تصرفات الرسول بالفتوى هي الدين التعبديّ؛ فهي تشريعية، أمّا تصرفاته بالقضاء والإمامة فليست تشريعية لكونها من أمور الدنيا؛ فلا يقع بها التأسي والاقتداء، وهي اجتهادات بشرية لا عصمة لها ولا حجة فيها، ومن ثم فنحن موسَّعٌ علينا في هذه الأبواب، نأخذها من الحكمة والتجارب.
القرافي بين الإنصاف والتوظيف المغرض
ومن عاد إلى كلام القرافيّ سيصيبه الذهول من حجم التزوير والتزييف الذي يمارسه الرجل على قرائه؛ فليس في كلام القرافيّ قَطّ ما يدل على أنّ هذا هو قصده من التقسيم الذي ذهب إليه، “فليس المقصود بهذا التمييز إخراج تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة من الأمور التشريعية وحصرها في الأمور الدنيوية، وإنما المقصود هو تصحيح تلقي الناس لها وتعاملهم معها، فما كان من تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالقضاء فلا يوكل إلى آحاد الناس التصرف بها إلا عن طريق قاضي الوقت، وما كان منها بالإمامة فلا يصح لآحاد الناس أن يتصرفوا فيها إلا عن طريق إمام الوقت، أما ما كان بطريق البلاغ أو الفتيا فموكول إلى كل فرد التصرف به مباشرة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتوقف على إمام أو قاضي4([4]) نظرية الدكتور سعد الدين العثماني عرض ونقض – د. عطية عدلان – ص26.
وهذا هو ما بينه القرافيّ نفسه في الفروق والذخيرة وفي تمييز الأحكام، فانظر إليه يقول: “فما فعله عليه السلام بطريق الإمامة كقسمة الغنائم وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود وترتيب الجيوش … ونحو ذلك فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه، فكان ذلك شرعاً مقرِّراً لقوله تعالى: (واتبعوه لعلكم تهتدون)، وما فعله عليه الصلاة والسلام بطريق الحكم كالتمليك بالشفعة، وفسوخ الأنكحة والعقود … فلا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر … وأما تصرفه عليه الصلاة والسلام بالفتيا والرسالة والتبليغ فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين، يلزمنا أن نتبع كل حكم مما بلغه إلينا عن ربه بسببه، من غير اعتبار حكم حاكم ولا نظر إمام “5([5]) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام – للإمام القرافي – ط ثانية 1995 – دار البشائر الإسلامية بيروت – ص108، وقد انطلق القرافيّ في تقسيمه هذا من التعظيم لكل ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان أنّ الغلط في التنزيل لا يكون بسببه هو وإنما بسبب الاختلاف في فهم موقع التصرف النبويّ؛ ذلك “أنه صلى الله عليه وسلم له أن يتصرف بطريق الإمامة؛ لأنه الإمام الأعظم، وبطريق القضاء؛ لأنه القاضي الأحكم، وبطريق الفتيا؛ لأنه المفتي الأعلم، ويتفق العلماء في بعض التصرفات وإضافته إلى أحد هذه العبارات ويختلفون في بعضها”6([6]) الذخيرة – أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس الشهير بالقرافي – دار الغرب الإسلامي – بيروت – ط الأولى 1994م – (6/ 157).
الأصل في تصرفات النبي التأسي والاقتداء
وبذلك يتبين لنا أنّ هذا التقسيم لا حجة فيه لما ذهب إليه الدكتور العثمانيّ، ولا ينبغي أنْ ننسى أنّ الأصل في تصرفات النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّها للتأسي والاقتداء، وأنّها حجة على العباد، إلا ما ورد فيه دليل أو قامت معه قرينة تخرجه عن ذلك لكونه من خصائص النبيّ صلى الله عليه وسلم أو من الأمور الجبلية أو من أمور الدنيا، يقول الآمديّ: “إذا فعل النبي عليه السلام فعلاً ولم يكن بياناً لخطاب سابق، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب أو الإباحة … فمعظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا مُتَعَبَّدون بالتأسي به في فعله واجباً كان أو مندوبا أو مباحا … والمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والإجماع، أما النص فقوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا}، ولولا أنه متأسَّى به في فعله ومتَّبَع، لما كان للآية معنى … وأيضا قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} ووجه الاستدلال به أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة، فلو لم تكن المتابعة له لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة وذلك حرام بالإجماع، وأيضا قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}، ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي بالنبي عليه السلام من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر، ويلزم من عدم التأسي عدم الملزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر … وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة وهو حرام، وفي تقبيله عليه السلام للحجر الأسود، وجواز تقبيله وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا تحصى”7([7]) الإحكام في أصول الأحكام – للآمدي، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي – المكتب الإسلامي – بيروت – 1/186-187.
وقد تعامل الصحابة مع هذه الحقيقة المستقرة بفقه ووعي، فإنّك “إذا تدبرت أحوال الصحابة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وجدت هذا ظاهراً في تعاطيهم مع ما كان يصدر عنه من تصرفات، فالأصل أنها موضع التسليم والانقياد، فإذا اشتبه عليهم طبيعة هذا التصرف بادروا إلى السؤال للتحقق بما يؤكد أو ينفي الطبيعة التي صدر عنها هذا التصرف بعد وجود قرينة دفعت لحالة الاشتباه، ولو كان لهم عزل السنة الدنيوية أو السياسية أو العسكرية عن التشريع لبادروا إلى الاعتراض، وإنّما كان سؤالهم ناشئا عن قضية طارئة على تصرف مخصوص مع استصحاب الأصل الذي تصدر عنه التصرفات النبوية”8([8]) ينبوع الغواية الفكرية – عبد الله بن صالح العجيري – مجلة البيان – فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية – ط أولى 1443هـ – ص576.
نماذج على الأمور الدنيوية الحقيقية في القضاء وغيره
أمّا الأمور الدنيوية فهي شيء آخر مختلف عن كل هذه التقسيمات، يعرفها كل عارف بالفرق بين الدين والدنيا، فمن ذلك تأبير النخل، والغيلة التي همّ النبي بالنهي عنها، وغير ذلك مما يدخل في فنون الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو الطب أو الهندسة أو المعمار والبناء وغير ذلك، ويمكن أن تقع في باب القضاء، كمهارة القاضي في استخلاص الحقيقة من أقوال المدَّعِيَيْنِ، فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله؛ فإنما أقطع له قطعة من النار؛ فلا يأخذها “9([9]) رواه البخاري (2680)، فالطرائق العقلية التي يهتدي من خلالها القاضي إلى الحقيقة باستقراء كلام المتخاصمين أمر دنيويّ، بينما الأحكام المنظمة للقضاء والمتعلقة بالدعاوى والبينات وطرق الإثبات وشروط القاضي وأحوال نقض حكم القاضي وغير ذلك من الأمور الدينية التشريعية، بل إنها تقع في باب العبادة، من ذلك ما اعتبره بعض العلماء وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفاقا، ولم يُرِدْ به أن يتأسى به الناس، فقد خرّج مسلم عن عائشة: «نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج»10([10]) صحيح مسلم (2/ 951)، وعن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رمل بالبيت، وأن ذلك سنة، فقال: صدقوا وكذبوا … قلت: ويزعم قومك أنه طاف بين الصفا والمروة على بعير، وأن ذلك سنة. فقال: صدقوا وكذبوا. …”11([11]) مسند أحمد – ط الرسالة (4/ 437)، وبين له أنّهم صدقوا في أنّ الرسول فعله، وكذبوا في قولهم بأنّه سنة.
أمّا استدلال بعضهم بأنّ الصحابة اختلفت طرائقهم في اختيار من يحكمهم على عدم وجود نظام للحكم فهو – لعمر الحق – مجازفة أجرأ من المجازفة بالنفيس من المال في مقامرة خاسرة، فالثابت أنّ جميع الخلفاء تم اختيارهم عبر مرحلتين: مرحلة البيعة الخاصة ومرحلة البيعة العامة، فأمّا بيعة الخاصة فهي اختيار وعقد وتولية، وأما بيعة العامة فهي إقرار وإعلان للسمع والطاعة، وهي بمثابة استفتاء للأمة على اختيار نوابها وولاة أمرها للإمام؛ فإن أجازته الأمة ببيعة العامة أو الاستفتاء العام ثبت العقد واستقرت الإمامة، وإلا كان على أهل الحل والعقد أن يعيدوا الاختيار، هذا هو الثابت الذي لم يتغير.
أما الذي تغير من حالة لأخرى فهو بعض الإجراءات التي يمكن أن تدخل في حيز الأمور الاجتهادية والأحكام المتغيرة، مثل مشاركة الإمام لأهل الحلّ والعقد وترشيحه لأحد الصالحين للإمامة لتختاره الأمة، فيما سمي بالاستخلاف، وهو إجراء لا يلغي الحكم الثابت المستمر وهو البيعة بنوعيها: بيعة الخاصة وبيعة العامة، ومثل ترشيح عدد تختار منهم الأمة من شاءت كما فعل عمر، وكل هذه الإجراءات لا تضر بالأصل المستمر، وهو البيعة واختيار الأمة للحاكم، وكونها مصدر شرعية الحاكم.
وسياق الرواية التي روت استخلاف أبي بكر لِعُمَرَ أوضحُ دليل على أنّ الاستخلاف لم يكن سوى مشاركة في الشورى والاختيار، روى ابن الجوزيّ في مناقب عمر: «لما ثقل أبو بكر رضي الله تعالى عنه واستبان له من نفسه، جمع الناس فقال: إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا لمأتي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي، فقاموا في ذلك وحلوا عنه فلم تستقم لهم، فقالوا: أرئ لنا يا خليفة رسول الله …»12([12]) مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – أبو الفرج ابن الجوزي – دار ابن خلدون – الإسكندرية – مصر – ص55. وبدأت بعدها المشورة ثم البيعة، فقوله: ردّ الله عليكم أمركم اعتراف منه وإقرار بانّ السلطان للأمة، وقولهم: أرئ لنا بعدما حاروا في الأمر ولم تستقم لهم استدعاء منهم له ليشاركهم في القرار، وعليه فليس هناك تغير في أصل طريقة التولية، وإنما التغير في بعض التفاصيل التي تنتسب إلى الأمور الاجتهادية أو إلى الأمور الدنيوية، والتي لا تضر بثبات المنهج.
الهوامش
([1]) الدين والدولة وتطبيق الشريعة – د. محمد عابد الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ط أولى 1996م ص70-71
([2]) الدين والدولة وتطبيق الشريعة – د. محمد عابد الجابري – المصدر نفسه – ص80-81
([3]) التشريع من السنة وكيفية الاستنباط منها – د. علي القره داغي – مجلة مركز بحوث السنة والسيرة – العدد الثاني 1987م – ص365
([4]) نظرية الدكتور سعد الدين العثماني عرض ونقض – د. عطية عدلان – ص26
([5]) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام – للإمام القرافي – ط ثانية 1995 – دار البشائر الإسلامية بيروت – ص108
([6]) الذخيرة – أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس الشهير بالقرافي – دار الغرب الإسلامي – بيروت – ط الأولى 1994م – (6/ 157)
([7]) الإحكام في أصول الأحكام – للآمدي، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي – المكتب الإسلامي – بيروت – 1/186-187
([8]) ينبوع الغواية الفكرية – عبد الله بن صالح العجيري – مجلة البيان – فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية – ط أولى 1443هـ – ص576
([9]) رواه البخاري (2680)
([10]) صحيح مسلم (2/ 951)
([11]) مسند أحمد – ط الرسالة (4/ 437)
([12]) مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – أبو الفرج ابن الجوزي – دار ابن خلدون – الإسكندرية – مصر – ص55
المصدر
صفحة د. عطية عدلان، على منصة ميتا.


