إشاعة الإنكسار النفسي، أسلوب جديد لتصدير الثورة

هل يستقيم أن يصفق عربي وسني لمن يشتم العرب والسنة، ويهدم دينهم من الداخل، ويتحالف مع كل غازٍ على أرضهم؟ قبل أن تنجرف خلف الانبهار بمشروع إيران، توقف لحظة: هل ضحّى أحد لأجلك مثلما ضحى أهلك وأمتك، أم أنك تبيع ثوابتك مقابل سراب دولة لا تقوم إلا على هدم دينك وأصلك؟

حينما ترى (عربياً) يشتم العرب، و(سنّياً) يشتم السنّة، في معرض المقارنة بإيران التي يقوم مشروعها على ركيزتين؛ باطنية تهدم الدين، وشعوبية تحتقر العرب، فاعلم أن هذا التماهي لا يعبّر إلا عن خيانة واختراق كبير أو مرض نفسي خطير، فكيف يستسيغ الإنسان الطبيعي وهو يرى ويسمع آلاف الأبواق المعادية التي تشتم دينه وأمته بكل تاريخها ورموزها، وتنتقص منه ومن أهله وبلاده، بل وتقوم بإهانة أهله وذبحهم وتشريدهم، ثم هو  كالأهبل يوافقهم بما يقولون من حيث يدري أو لا يدري، ويزيد على ذلك بأن يصفق لهم ويكيل المديح لهم؟ ويتفنن في التعبير عن ذلك، بكل مهاراته الإعلامية والترويجية؟

لا مبرر للانبهار بمن يستهدف دينك وأصلك وأرضك

لنضع النقاط على الحروف؛ ما المبرر لكل هذا الانبهار بمن يستهدفك في دينك وأصلك وأرضك وعرضك، وما المبرر لكل هذا الإنكسار في ذاتك وفكرك ونفسيتك؟

أكلّ هذا من أجل لحظة لم تفهم ملابساتها، ولم تظهر نتائجها بعد؟ فحكمت من خلالها حكما نسفت به ثوابت الدين والتاريخ وروابط الأهل والأخوة على طول هذه الأرض وعرضها؟

وقفة مع التاريخ: من فتح البلاد إلى التآمر مع الغزاة

لقد فتح السنّة بلاد الإسلام كلها، ولم يشارك هؤلاء بشبر واحد منها، بل هم يشتمون جهارا نهارا كل الفاتحين من أبي بكر وعمر، إلى صلاح الدين، وطارق ابن زياد، ومحمد الفاتح.

ولم يكتفوا بالشتم، بل وقفوا عمليا مع هولاكو وهللوا له (الطوسي المرجع، وابن العلقمي الوزير) وصار التشفي بذبح خلفاء بني العباس ثقافة ودينا (انظر كتاب روضات الجنات).

علي شريعتي وهو الفيلسوف الشيعي الكبير يوثق التعاون بين الصفويين والصليبيين ضد المسلمين (انظر كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي).

أما تعاونهم اليوم مع بوش في احتلال العراق، ومع بوتين في احتلال سوريا، فينبغي أن لا ينكره عاقل، وقد كان ضحية ذلك الملايين من المسلمين: شهداء ومهجرين ومغيبين، بمن فيهم آلاف الفلسطينيين.

غزة أم مشروع إمبراطوري؟ سؤال وجيه

فما الذي تغير من عقيدة القوم ومن ثقافتهم ليضحوا كل هذه التضحية من أجل غزة؟ أليس هناك عاقل يفكر بعقله؟ أيمكن أن نفسر كل هذا الذي يجري من مقتل سليماني إلى مقتل خامنائي. وهذه المدمرات وحاملات الطائرات التي تزدحم في الخليج التي تنذر بحرب كونية -لا سمح الله- أكل هذا بسبب غزة؟ أم هناك مشروع إمبراطوري طموح يعتمد على دعم صيني روسي، يحاول أن يخترق النظام الدولي الحالي، مما دعا لكل هذا الاستنفار، وهو يشبه في بعض جوانبه الطموح الذي حرك صدام حسين لبناء دولة قوية وجيش لا مثيل له في المنطقة، مما استدعى النظام الدولي أن يحشد له كل تلك الحشود. فما أشبه اليوم بالبارحة.

حالة الانكسار النفسي المراد نشرها في الأمة

نأتي الآن إلى حالة الانكسار النفسي التي يراد لها أن تنتشر كالسم في جسد الأمة:

لن أستذكر معكم التاريخ البعيد، ولا حتى أبطال الجزائر الذين قدموا أنهارا من الدماء في مواجهة الفرنسيين، وأبطال ليبيا الذين واجهوا الإيطاليين، وأبطال أفغانستان الذين واجهوا الروسيين.

تعالوا أحدثكم عن مدينة صغيرة اسمها الفلوجة كيف خاضت حربين مفتوحتين مع الجيش الأمريكي، حتى راح بوش يصلي ويبكي من أجل أن ينقذ الله جنوده المحاصرين.

أحدثكم عن الشعب السوري (أسطورة العصر) بصمودهم وصبرهم وعظيم تضحياتهم.

أحدثكم عن أهل غزة، أنسيتم أنهم (عرب) و (سنّة)؟ فهل رأيتم صبرا كصبرهم وجلدا كجلدهم؟

الاستهانة بالعرب والسنة وطلب القدوة من إيران

أبعد كل هذا يأتي من يدعي أنه عربي وسني ليسخر من العرب ومن السنة، وليطلب منا أن نتعلم الجلد ورفعة الرأس من إيران ومليشياتها؟

ويزيد على هذا ليطعن في ديننا ويروج للمشروع الباطني الفاسد بزعم أنهم هم الذين عناهم الله بقوله: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم)، ثم كرر هذه الزندقة معمم أزهري، وهذه دعوة صريحة لنتنازل عن عقيدتنا وديننا، لصالح الثورة التي يسعى أصحابها لتصديرها إلينا.

ثوابت العقيدة لا تساوم عليها دولة ولا تحرير

ووالله ثم والله ثم والله، لو أن أية قوة في العالم عرضت علينا تحرير العراق كله، وتحرير فلسطين كلها، مقابل أن نتنازل عن حبنا لأبي بكر وعمر لرفضنا، ناهيك عن أصول العقيدة كالتوحيد وختم النبوة وحفظ القرآن.

إننا أيها الناس خير لنا: أن نلقى الله مشردين ومضطهدين، على أن نحرّف دين الله، ونكذب على رسول الله.

لقد قتل كثير من الأنبياء أو هجّروا من ديارهم، ولم يقيموا (دولة)، ويا لبئس الطريق الذي يتخذه البعض من أجل قيام (دولة الإسلام) بزعمهم، إن كان هذا الطريق يشوّه الإسلام نفسه، ويهدمه من أساسه.

العبرة برسول الله لا بمن يساوم على الدين

لقد عرض المشركون على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن يتوجوه ملكا على مكة، مقابل أن يتنازل عن رسالته، أو بعض رسالته، فآثر أن يترك الكعبة ومكة كلها، ويهاجر، ولم يساوم على دينه ولو بكلمة واحدة.

اللهم يا ربنا إننا نعيش في فتنة عمياء، فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين. ثبتنا على الحق الذي يرضيك، حتى نلقاك وأنت راض عنا. يا الله .

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:8].

المصدر

صفحة محمد عياش الكبيسي، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

‏أحداث إيران: رؤية شرعية سياسية  

معقد الولاء والبراء في ديننا

التعليقات معطلة