كيف يمكن لحركة مقاومة أن تقدم على تسليم سلاحها في خطةٍ تمنح الصهاينة حقوقاً محددة وحاسمة، بينما تترك حقوق الفلسطينيين فضفاضة هلامية غير منضبطة، في اتفاقٍ مشحون بالمفاسد خالٍ من المصالح، ومآله إنهاء المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية؟ وماذا لو كانت المفاسد المترتبة على رفض الخطة – كالمزيد من القتل والتدمير والتهجير – واقعة على كل حال، سواء استجابت المقاومة أم رفضتها، بل إن وقوعها في حال القبول سيكون أشد؟ وقفةٌ مع فتوى شرعية تنظر في المآلات وتقيس المصالح والمفاسد، لتصل إلى حكمٍ قاطعٍ بضرورة الثبات وتحريم الانصياع لأهل الكفر، ودعوة الأمة بأسرها لنصرة المقاومة بكل السبل المتاحة.
تحليل بنود الاتفاق.. حقوق هلامية مقابل حقوق حاسمة
جاءت البنود التي تخصّ حقوق الفلسطينيين فضفاضة هلامية غير منضبطة ولا محددة، وذلك مثل: (ستكون غزة منطقة خالية من التطرف والإرهاب ولا تشكل تهديدًا لجيرانها) (ستفرج إسرائيل عن عدة مئات من السجناء الأمنيين الفلسطينيين المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة) (سيتم منح العفو لأعضاء حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي) (سيتم تشجيع سكان غزة على البقاء في القطاع وتوفير فرصة لهم لبناء مستقبل أفضل هناك) (ستسلم قوات الدفاع الإسرائيلية تدريجياً الأراضي التي تحتلها حالياً)، فجميعها وعود محلقة في الهواء وغير محددة ولا مزمنة.
بنود الصهاينة محددة وحاسمة وصارمة
في الوقت الذي جاءت فيه البنود الخاصة بحقوق الصهاينة محددة وحاسمة وصارمة، وذلك مثل: (لن يكون لحماس أي دور في حكم غزة على الإطلاق) (في غضون 48 ساعة من قبول إسرائيل للاتفاق علناً، سيتم إعادة جميع الرهائن الأحياء والمتوفين). وهذا يعني إعطاء إسرائيل الفرصة للتلاعب ببنود الاتفاق بعد إتمام الصفقة من جانب واحد بتسليم سلاح المقاومة وتسليم الرهائن وخروج حماس من المعادلة، وقد تواترت شهادات الواقع والتاريخ بأنّ الصهاينة والأمريكان لا عهد لهم ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة.
مآلات الاتفاق المشحونة بالمفاسد
وعليه فإنّ بنود الاتفاق مشحونة بالمفاسد خالية من المصالح، وسيكون مآلها إنهاء المقاومة، وتصفية القضية الفلسطينية، وتكريس الهيمنة الصهيونية في فلسطين كلها وفي المنطقة بأسرها، وإعطاء نتنياهو نصرًا سهلًا؛ يدفعه لمزيد من التوغل في المشروع المزعوم، وبالتأكيد هذا الاتفاق الذي لا توجد أيّ ضمانات لتنفيذ إسرائيل ما يتعلق بها إن وقع – لا قدّر الله – سيكون سببًا في دخول المنطقة كلها في الاتفاق الإبراهيمي ثم الدين الإبراهيمي، طوعًا أو كرهًا، لاسيما وقد شهدنا استسلامًا تامًّا من الأنظمة العربية والإسلامية لخطة ترامب، على الرغم مما فيها من خروقات.
المفاسد المترتبة على الرفض.. واقعة على كل حال
لكن في المقابل توجد مفاسد جمّة ستترتب قطعًا على رفض الاتفاق، منها المزيد من القتل للأبرياء وسفك الدماء والتدمير والتهجير، مع التوقع – بغلبة الظنّ – ألّا يتحقق للمقاومة نصر عسكريّ وحسم للمعركة مع الصهاينة، ومنها إبعاد حلم الاستقلال والخلاص من الاحتلال، وتقريب الحلم الصهيونيّ العنيد بالتهام الضفة وربما هدم الأقصى؛ تمهيدًا لنزول مسيحهم المزعوم حسب النبوءات التي يؤمنون بها.
المفاسد واقعة سواء قبلت الخطة أم رفضتها
غير أنّ اعتبار هذه المفاسد والنظر إلى هذه المآلات يكتنفه كثير من العوارض، منها أنّ أحدًا لا يشكّ ولو للحظة في أنّ إسرائيل مستمرة في الذبح والتشريد مهما كان الوضع، وتاريخها بل وواقعها الحاليّ يؤكد ذلك، فمن المتوقع بغلبة الظنّ أيضًا – إن لم يكن يقينًا – أنّه بمجرد تسليم المقاومة لسلاحها وتسلم الصهاينة للرهائن سيواصل نتنياهو الذبح، وستتضامن معه جميع طوائف الشعب الصهيونيّ، وسيُعْمِل المستوطنون السلاح في أبناء الوطن، وستدعمهم أمريكا، ولن تستحي أن تأكل وعودها، ولن تعدم الحيل للتملص منها.
خذلان الجيل والأمة.. مفسدة عظيمة
من المعلوم أنّ المقاومة هي التي اتخذت قرارها بالحرب وانفردت بإرادتها المستقلة بخوض (طوفان الأقصى)، وقد تكلّم البعض في مدى وجاهة هذا القرار من حيث التوقيت وحجم العمليات والنظر في المآلات، لكنّها دافعت باستماته عن قرارها – ونحن معها – فإن سلّمتْ اليوم سلاحها بعد أن راهنت الشعوب المسلمة عليها فسيكون ذلك خذلانًا للجيل كلّه؛ يجعله يتراجع على مستوى الأحلام والطموحات، وعلى مستوى الحراك الرامي إلى التغيير، وسيكون صدمة لشعوب العالم التي اتخذت غزّة (أيقونة) للحرية والكرامة والعزّة.
خذلان للإنسانية التي بدأت تتهيّأ للتفاعل مع الإسلام
فإن سلمت المقاومة سلاحها فسيكون ذلك خذلانا للإنسانية التي بدأت تتهيّأ للتفاعل الإيجابيّ مع الإسلام وقضاياه، وهذا بالنظر للمآلات يعدّ مفسدة عظيمة.
ميزان المصالح والمفاسد.. رفض الخطة واجب
وبناء على ما ورد في أولاً وثانيًا وثالثًا يتبين لنا أنّ المفاسد المترتبة على الاستجابة لخطة ترامب مفاسد عظيمة، وليس فيها مصالح حقيقية، إن هي إلا مصالح مرجوحة وغالبها مصالح متوهمة وغير حقيقية، أمّا المفاسد المترتبة على رفض هذه الخطة فهي واقعة على كلّ حال سواء استجابت المقاومة للخطة أم رفضتها، بل إنّه يغلب على الظنّ أن وقوعها في المآل في حال قبول الخطة سيكون أشدّ من وقوعها حال الرفض، وقد تقرر في الشريعة أنّه إذا تزاحمت المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وجب عندئذ اختيار أهون الشرّين وارتكاب أخفّ الضررين، ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، فبموجب ميزان المصالح والمفاسد والنظر في المآلات يجب رفض هذه الخطة.
النظر إلى الاتفاق.. هدنة فاسدة أم عقد إذعان؟
إذا نظرنا إلى الاتفاق – إن وقع – على أنّه هدنة؛ فإنّ جميع بنوده قاضيةٌ بفسادها وعدم توافر شروط صحتها وانعدام مشروعيتها، وإن نظرنا إليه على أنّه عقد إذعان حتمته الضرورة؛ فإنّ ما يدفعه هذا الاتفاق من مفاسد بمراعاة أحكام الضرورة واقع لا محالة ونافذ على أيّ حال، بل إنّ احتمال وقوعه مع الرخصة أشد من احتمال وقوعه مع العزيمة، وإذا نظرنا إلى القتال وعدم الدخول في اتفاق فإنّ الأصل الثابت فيه أنّه فرض عين لكونه جهاد دفع، ولا يرتقي اتفاق كهذا إلى المستوى الذي يسقط الفرض.
التكييف الشرعي الصحيح.. الفرار من الزحف
التكييف الصحيح لعملية تسليم المقاومة لسلاحها أو تخلي حماس عن أرض الإسلام في غزة أو التراجع عن الرباط والمقاومة – تحت أيّ مسمى أو اتفاق – هو الفرار من الزحف؛ لأنّ المقاومة الآن في الميدان، وتراجعها عن هذا الموقف ليس تحيّزًا إلى فئة ولا تحرّفًا لقتال، فالواجب قطعًا هو الثبات حتى لو أدّى ذلك إلى فناء المقاومين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: 15-16]، هذه هي الآية التي يستدلّ بها على وضع كهذا.
آية التخفيف لا تستدل بها على الفرار
أمّا قول الله تعالى في السورة نفسها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: 65-66]، فهذا لا يستدلّ به على الفرار من الزحف، وإنّما يستدلّ به على اتخاذ قرار الحرب قبل بدء القتال، فالآيتان تضعان معيارًا لمعرفة مدى تحقق شرط الاستطاعة للدخول في الحرب، وجاء هذا المعيار متحركًا بين حدّين أعلى وأدنى لاختلاف حال الأمة من وقت لآخر.
حماس لا تملك الصلاحية لقرارات مصيرية
ويبقى أنّ حماس تستطيع أن تجد مخارج تعفيها من الصدام السياسي الصريح الذي قد يكلفها فقدان تعاطف بعض الدول، من ذلك أنّها حركة مقاومة، ولا تملك إلا الاتفاق على هدنة أو على وقف الحرب أو الاتفاق على تبادل أسرى، وحكمها لغزّة إنّما جاء في هذا الإطار، مثلما جاء حكم عباس في إطار التماهي مع التطبيع؛ ومن ثمّ فإنّها لا تملك الصلاحية لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالشعب الفلسطيني كله، كقرار تسليم السلاح وإنهاء المقاومة، وقرار التنحي عن مسئولية القطاع وتركه لأيّ جهة دولية أو غير دولية، والشعب ليس في حالة تسمح له باتخاذ قرار فيه تحديد للمصير؛ فالعدل أن يبقى التفاوض في حدود الهدنة وتبادل الأسرى، أمّا ما وراء ذلك فهو تَقَحُّمٌ من حماس لأمر لا صلاحية لها فيه.
الثبات واجب ودعوة الأمة للنصرة
وبناء على ما سبق يجب الثبات، ويحرم الانصياع لأهل الكفر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ [آل عمران: 149-150]، وعلى التوازي يجب على شعوب العالم الإسلاميّ – ولاسيما العلماء وأهل الرأي والشورى – أن يعلنوا الرفض القاطع لهذه الخطة المدمرة، والتضامن الكامل مع المقاومة وأهل غزة ومع القضية الفلسطينية على وجه العموم، ويجب على الأمة بأسرها أن تبذل قصارى جهدها لنصرة المقاومة، بكافّة السبل المتاحة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، وليس هناك مما يحي الأمة أكبر وأهم من نصرة أهل غزة ضد الصهاينة المجرمين .. والله أعلم.
المصدر
صفحة د. عطية عدلان، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
المقاومة الفلسطينية ونزع السلاح بين النداء الإلهي ومكر الأعداء


