هل جُمع القرآن في مصحف واحد بين دفّتين في عهد النبي ﷺ كما يزعم بعض الحداثيين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يخبرنا التاريخ عن هذا المصحف؟ ولماذا أجمع الصحابة على جمع أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي ﷺ؟ وكيف يُفهم قول الله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} في سياقه الصحيح؟ وهل يحق لنا أن نرفض الروايات الصحيحة الثابتة بدعوى تنزيه القرآن عن الجهد البشري، والله سبحانه قد جعل من سننه أن يجري كثير من قدره بأيدي عباده المتقين؟ وقفة مع شبهةٍ تثيرها قراءةٌ أعجمية للنص، وغزوٌ علمويٌّ للعقول، يُريد تقديم الدين في صيغٍ رياضية تدفع عنه ما يظنونه شبهات، فإذا بهم يزرعون الشكَّ في المتفق عليه مما نقله أصحاب رسول الله ﷺ.
حقيقة الجمع في العهد النبوي
القرآن محفوظ كاملاً دون أن يكون مجموعاً في مصحف واحد
من الأقوال الحداثية الفاسدة الزعم بأنّ جمعَ القرآن في مصحف واحد قد تمّ في عهد النبيّ ﷺ، والاستنكار الشديد لجمعه في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
وهؤلاء يظنّون أنّهم ينزّهون بذلك القرآن عن شبهة الاعتماد على القدرات البشرية الناقصة، علمًا أنّنا لو تبنّينا مقالتهم لَما خلا حفظ كتاب الله من صورة الجهد البشري، فقد شاء الله تعالى أن يجري كثير من قدره وفعله سبحانه بجهود عباده المتّقين، قال سبحانه: {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14].
ونحن لا نملك اليوم ذلك المصحف الواحد الذي جُمع في عهد الرسول ﷺ، بل لا نملك خبرًا واحدًا عنه! ولو حدث هذا فكيف أغفلت الأمة الإخبار به؟! وكيف لم يعترض أحد على الروايات التي تحكي جمع أبي بكر الأول لِما بين اللوحين؟! هذا مصحف لا يمكن أن يخفى خبره!
الجهد البشري طريق من طرق حفظ الله
الشاهد أننا حتى لو سايرنا هؤلاء في هذيانهم، لَما تحقق لهم ما أرادوا، فإنّ ما تلاه وما نجده اليوم من مصاحف هي جهود بشرية، قدّر الله أن يحفظ بها كلامه بالطريقة التي أراد سبحانه.
ولو أراد الله أن يكون حفظ كتابه خاليًا من الجهد البشري لأنزل كتابًا ملموسًا من السماء وما أعجزه ذلك، ولكنّه قال سبحانه: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النساء: 153]، ولم يُنبئنا أنّه أعطاهم سؤلهم، بل وجّه إليه الذمّ وقَرَنه بالظلم! وقال لنا سبحانه عن المشركين: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام: 7].
القرآن مؤلف كامل دون مصحف جامع
وقد سمع النبيّ ﷺ القرآن وَحيًا وقُرئ عليه، وكفل الله له حفظه في صدره، وتولّى عليه الصلاة والسلام نقله إلى أصحابه بعد أن يُقضى إليه وحيُه وتعليمهم إيّاه وبيانه، فتلوه وحفظوه في صدورهم وكتبوه في صحفهم ووعوه وعملوا به. فكان القرآن مؤلَّفًا كاملًا بلا ريب على عهد رسول الله ﷺ، لكنّ هذا لا يستلزم أنّه كان مجموعًا كلّه في مصحف واحد بين دفّتين، وعدم وجود ذلك المصحف الواحد في العهد النبوي لا يعني أنّه لم يكن محفوظًا كلّه كاملًا بحفظ الله في صدور الجيل الأول وصحفهم في ذلك العهد.
جمع أبي بكر وعثمان.. سيرورة طبيعية لحفظ الدين
جمع أبي بكر استجابة لواقع استحرّ فيه القتل بالحفاظ
وأما الذي جرى في عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه فهو جمع مصحفٍ واحدٍ يحوي بين دفّتيه جميع ما نزل من القرآن، فكان هذا ممّا قدّره الله لحفظ كتابه إلى يوم الدين، بعد أن استحرّ القتل في الحفّاظ يوم اليمامة، فصار التفكير في جمع المكتوب وتنظيمه في مصحف واحدٍ ناتجًا عن ذلك الواقع.
ثم ازداد هذا الحرص البشري التقيّ في عهد عثمان رضي الله عنه، وهي سيرورة طبيعية وصلنا من خلالها الدين كله، ولا طريق لنا إلى الدين من غير أوساط هؤلاء البشر الكرام!
لا طريق إلى الدين إلا عبر أوساط الصحابة الكرام
فلا يغرّنّكم ما يُهوّل به هؤلاء الأعاجم وإن كانوا عربًا، فقد غزت القيم العلموية قلوبهم وأحبّوا أن يقدّموا الدين في صيغ “رياضية” تدفع عنه ما يظنّونه “شبهات”، فإذا بهم يقعون في نثر الشبهات حول المتفق عليه مما نقله أصحاب رسول الله ﷺ، فزرعوا الشكّ بمن لو شكّكنا بهم لَما وثقنا بشيء نُقل لنا من هذا الدين وفهمه!
تفنيد الاستدلال بآية سورة القيامة
السياق القرآني يفسر المقصود بالجمع
وأما استدلالهم بآية سورة القيامة: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} فهو استدلال أعجميّ مبتور من سياقه، كعادة من يريد فرض رأيه على كتاب الله عزّ وجلّ، فالسياق كاملا: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16-19].
نهي النبي ﷺ عن التعجل وطمأنته بالحفظ والبيان
والآية الأولى من السياق تؤكّد أنّه عليه الصلاة والسلام كان يُحرّك لسانه مع الوحي أو بعد نزوله حرصًا على حفظه واستعجالا بذلك مخافة أن يفوته شيء منه، فكان الجواب الواضح: نهيُه عن ذلك: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}، ثم طمأنتُه بأنّه سبحانه تكفّل بجمع القرآن له وتثبيته في صدره وقراءته على الوجه الصحيح: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}، فلا داعيَ للعجلة في التلاوة خشيةَ النسيان، فإنّ الله عزّ وجلّ قدّر أن تحفظه وتُحسن قراءته، بل وزيادة على ذلك سيعلّمك بيانه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.
حرف “ثم” وبيان المستحيل العقلي في فهمهم
فالسياق واضح أنّه في مواجهة التعجّل في التلاوة مع الوحي أو بعد نزوله خشية نسيانه، ولا يُعقل أن يكون الجواب الناهي المطمئِن: لا تقلق سنجمعه في مصحف مكتوب لاحقًا! فهذا ليس تطمينًا لمثل هذه الحالة العاجلة.
وهو غير معقول؛ لأنّ ذلك الجمع الكامل في مصحف واحدٍ يكون بعد نزول القرآن كاملًا لا في بدايات الوحي، وقد قال سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، وحرف “ثمّ” يقتضي الترتيب والمهلة الزمنية بين ما سبقها وما لحقها، واللائق أن يكون بيان القرآن بعد حفظه وإحسان قراءته، لأنّه يحتاج أن يبلّغه للناس، أما أن يكون البيانُ بعد جمع القرآن كله في مصحف واحد فهذا لا يتطرّق إليه عاقل!
الاستعمال اللغوي لكلمة “جمع” في القرآن والسنة
وهؤلاء يستغلّون جهل الناس بالعربية، ويحسبون أنّ كلمة {جَمْعَه} المذكورة في الآية تعني ما نعرفه اليوم من الجمع المادي لمادة مكتوبة في كتاب واحد، غير أنّ المقصود بالجمع هنا هو الحفظ والاستظهار كما يدل السياق.
شواهد من كلام الصحابة
وهو مستعمل في العربية كثيرا، كقول عبد الله بن عمرو: “جمعتُ القرآنَ فقرأتُه في ليلة” (مسند أحمد)، وكقول أبي موسى الأشعري: “لا يَدخلنّ عليكم إلّا من جَمَعَ القرآن” (مصنّف ابن أبي شيبة).
ومن هنا يسقط الاستدلال بهذه الآية للتدليل على أنّ القرآن قد جُمع كاملًا في مصحف واحد بين دفّتين في عهد الرسول ﷺ، فليس فيها ما يدلّ على ذلك، وسياق الآيات يخبر بمعنى آخر، وفيها لسانيّا ما ينفي هذا الفهم الأعوج!
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا بتصرف.


