كيف يمكن لفتاوى صادرة عن بعض المنسوبين للعلم أن تقضي بأن خدمة الزوجة لزوجها ولأولادها ليست واجبة عليها، بينما كانت أزواج النبي ﷺ وأصحابه يتكلفون الطحين والخبيز والطبخ وفرش الفراش، ولم تعرف امرأة امتنعت من ذلك؟ وما سر هذه الفتاوى التي تخرج على استحياء في اتجاه دعم النسوية وإضعاف قوامة الرجل، بينما تظل الأسرة المسلمة هي الحصن الأخير للقيم والأخلاق بعد انهيار النظم الإسلامية؟ وقفةٌ مع مسألة خدمة الزوجة في ميزان الشريعة، بين القول بالوجوب والقول بالاستحباب، وبين النصوص الخاصة والعامة التي تحكم هذه العلاقة.
الفتاوى المثيرة للجدل في عصرنا
كثرت في هذه الأيام الفتاوى الصادرة عن بعض المنسوبين للعلم والفتوى من أفراد ومؤسسات، تقضي بأنّ خدمة الزوجة لزوجها ولأولادها ليست واجبة عليها، وليس للزوج الحقّ في أن يلزم زوجته بالقيام بأعمال الخدمة في بيته.
فما حكم الشرع في هذه الفتاوى؟ وما القول الصحيح في هذه المسألة؛ علماً بأنّ هناك -على التوازي- فتاوى أخرى كثيرة صدرت على استحياء؛ في اتجاه دعم النسوية وإضعاف قوامة الرجل.
النظرة إلى المسألة بين النصوص الخاصة والعامة
ومن المعلوم -ابتداء- أنّ الشريعة نصّت نصاً صريحاً في آيات وأحاديث كثيرة على كثير من الحقوق التي تجب على الزوج تجاه زوجته، وعلى الزوجة تجاه زوجها، لكنّ الحياة الزوجية تفاصيلها كثيرة ومعقدة ومتداخلة، وهي كذلك متغيرة بتغير الزمان والمكان والظروف والأحوال؛ فهل الصحيح أن ننظر إلى مسألة خدمة الزوجة لزوجها من واقع النصوص الشرعية؛ بحيث إذا كان فيها ما يثبت وجوبها على الزوجة قلنا به، وإلّا فلا يلزمها؟ أم الصحيح أن نراعي قواعد العدل في شريعة الله، ونُعْمِل عمومات النصوص، دون تجاوز للنصوص الشرعية الخاصّة؛ فنقول بوجوب الخدمة على المرأة، إمّا ديانة وقضاءً، وإمّا ديانة فقط؟
خلاف الفقهاء في وجوب خدمة الزوجة
أولاً: «اختلف الفقهاء في وجوب خدمة الزوجة لزوجها، فذهب جمهور الفقهاء -الشافعية والحنابلة وبعض المالكية- إلى أنه لا يجب على الزوجة خدمة زوجها، والأَوْلى لها فعل ما جرت به العادة، وذهب الحنفية إلى وجوب خدمة الزوجة زوجَها ديانةً لا قضاء، وذهب جمهور المالكية إلى أنّ على المرأة خدمةَ زوجها في الأعمال الباطنة -أي الداخلية- التي جرت العادة بقيام الزوجة بمثلها»11 الموسوعة الفقهية الكويتية (41/ 316)..
محل الخلاف في المسألة
ومن الملاحظ أنّ الخلاف ليس في مشروعية خدمة الزوجة لزوجها ولا في استحبابه، فإنّها مشروعة ومستحبة باتفاق، على أن تكون بما جرت به العادة، وإنما الخلاف في الوجوب؛ هل هي واجبة عليها قضاء وديانة، أم هي من باب الإحسان وحسن العشرة فقط؟
والذين قالوا بعدم الوجوب دعوا الزوجة إلى خدمة زوجها وأولادها، وعدُّوا ذلك من فضائل الأعمال، واعتمد الجمهور على أنّ النصوص التي نظَّمت العلاقة بين الزوجين قد تطرقت إلى أمور كثيرة ولم تتطرق إلى وجوب الخدمة على الزوجة.
لكنّ الذين قالوا بوجوب الخدمة لم يعدُّوا النصوص الواردة في الباب جامعة للواجبات والحقوق على وجه الحصر؛ فاعتمدوا النصوص العامة في الباب، كقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، وما لهنّ وما عليهنّ يصعب حصره حتى يقال: هل ورد النص بذلك أو لم يرد؛ إذْ «ليس من السهل تفصيلُ حقوق كل من الزوجين قِبَلَ الآخر، أو تفصيل حقّ واحد منهما لكثرة تنوع تلك الحقوق وتجددها، لأنها تشمل كل ملابسات الحياة في جميع حقائقها ومظاهرها.
ولقد فصّل القرآن الكريم بعض الحقوق التي لكل منهما على الآخر، وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة بذكر شيء منها زائداً على ما ورد في القرآن، وجماع هذه الحقوق قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾..»22 فتاوى دار الإفتاء المصرية (7/ 353)..
القول الراجح في المسألة
ثانياً: ومن خلال ما تقدّم، يتضح لنا رجحان القول بالوجوب؛ اعتماداً على هذه الآية التي قررت القاعدة العامة، وردّت التقادير للعادة الجارية؛ لذلك قال العلماء: «وأما خدمة البيت كالعجن والكنس والطبخ فعلى العوائد ومقادير النساء واليسار»33 إكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 76).، ولأنّ «العقود المطلقة إنما تنزل على العرف، والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلية»44 زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 170).، «وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا، ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك»55 تفسير القرطبي (3/ 154)..
الأدلة من السنة النبوية
وقد ثبت في صحيح مسلم أنّ أسماء ذات النطاقين كانت تخدم زوجها الزبير وتسوس له فرسه، فعن ابن أبي مليكة، أن أسماء، قالت: «كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد عليَّ من سياسة الفرس، كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه»66 صحيح مسلم (4/ 1717) (2182)..
بل إنّ فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم شكت إليه ما أصابها من الخدمة لزوجها، فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك، وقولهم: إن خدمة فاطمة، وأسماء، كانت تبرعاً وإحساناً، يَرُدُّه أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما «هي عليك»، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي في الحكم أحداً.
ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه لم يقل له: لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأق
ر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه77 زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 171).، غير أنّ الوجوب -على الراجح- ديانة لا قضاء؛ بحيث إذا قصرت المرأة فيما يجب عليها من الخدمة تأثم بذلك، لكنْ لا يعطى الزوج الحقّ في أن يكارهها ويضاجرها لتفتدي نفسها ويسقط بذلك حقوقها، أو يدعي عليها بالنشوز؛ ولعلّ الاحتراز من هذا هو ما دفع جمهور العلماء إلى القول بعدم الوجوب.
الإفتاء المعاصر في المسألة
ثالثاً: وعلى هذا جرى الإفتاء في المؤسسات المعاصرة، منها اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، فمما ورد في فتاواها: «وجعل عليها حقوقاً للرجل، فأوجب عليها القيام بما يناسبها من شؤون البيت وتربية الأولاد ورعايتهم أيام الطفولة وما في حكمها، وبهذا يكون سبحانه قد شرع في حق كل منهما ما يوافق استعداده من الحقوق كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾»88 «فتاوى اللجنة الدائمة- 1» (21/ 157)..
وهذا الحكم هو الصحيح المتسق مع مقاصد الشريعة من التعاون على البرّ والتقوى وإقامة العلاقات -ولا سيما الأسرية- على ميزان العدل الذي يجعل كلّ حقّ يقابله واجب، ويجعل على كلّ صاحب حقّ من الواجبات مثل ما له من الحقوق.
دوافع الفتاوى المغرضة
رابعاً: وليس خافياً ما وراء هذه الفتاوى من دوافع سيئة ومن جهات مغرضة، تستهدف الأسرة المسلمة التي صارت في زماننا الحصن الأخير للقيم والأخلاق بعد انهيار النظم الإسلامية وانفصال السلطان عن القرآن، ولعلّ هذه الفتوى جاءت على هذا النحو من حيث البحث عن الحكم الشرعيّ الصحيح ومن خلال إعادة النظر في أقوال العلماء وترجيح الرأي الصحيح بالأدلة المعتمدة، ولعلنا في قابل الأيام نتناول القضايا الأخرى التي تثيرها هذه الجهات المدخولة، كحق «الكد والسعاية» وغيره من دعاوى النسوية.
الهوامش
1 الموسوعة الفقهية الكويتية (41/ 316).
2 فتاوى دار الإفتاء المصرية (7/ 353).
3 إكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 76).
4 زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 170).
5 تفسير القرطبي (3/ 154).
6 صحيح مسلم (4/ 1717) (2182).
7 زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 171).
8 «فتاوى اللجنة الدائمة- 1» (21/ 157).
المصدر
مجلة المجتمع – د. عطية عدلان، بتصرف.
اقرأ أيضا
فتوى رقم (19) حكم الشرع في خدمة المرأة لزوجها وأولادها


