بسم الله الرحمن الرحيم
تاريخ الفتوى
الإثنين الموافق 10 من ربيع الآخر 1448ه 21 من سبتمبر 2026م
تصويرُ النازلة وسؤالُها
قام وزير الثقافة السوريّ برعاية حفل لتكريم مغنية سورية تدعى (أصالة)، هذه المغنية متبرجة وتغني للجماهير كسائر المغنيات، وإن كانوا يصفونها بأنّها وطنية متحررة من سطوة النظام البائد ومؤيدة للثورة السورية؛ فهل هذا التصرف الذي وقع بشكل رسميّ من الوزير جائز شرعًا؟ وما التصرف حيال ذلك؟
التكييف الشرعيّ لواقع النازلة وتحرير محلّ النزاع
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
بغضّ النظر عمّا يصفونها به؛ فكل امرئ يكدح لنفسه، ولقد بذلت سوريا من أجل التحرر من الطاغوت مئات الآلاف من الشهداء وملايين من المشردين، سوى الذين عذبوا في سجون الطاغية ونُكِّلَ بهم، فما كرموا ولا نال أهلهم وذووهم عشر معشار هذا التكريم، فأين ما فعلته هذه المغنية مما فعله أبناء الشعب السوري المجاهدون المحتسبون؟ وأين ما نالوه هم وأسرهم مما نالته هي من الإشادة والتكريم، ثمّ إنّها في نهاية الأمر مغنية متبرجة تمارس الغناء للرجال والنساء، وتمارس بذلك الفتنة؛ فما حكم تكريمها؟
على الجانب الآخر يوجد وزير الثقافة، في دولة شابّة إسلامية الهوية، جاءت بعد ثورة جهادية إسلامية الهوية؛ فهي بذلك تُعَدُّ – إلى الآن – خارجة عن الحكم الشرعيّ العام بانعدام شرعية الأنظمة العربية، ومثل هذا النظام في ظروفه العصيبة التي يمرّ بها يجوز له التدرج في إقامة الحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة وأسلمة المجتمع، وقد يجد لنفسه مسوغًا في تمرير مثل هذه التصرفات، اعتمادًا على جواز التدرج والمرحلية، واتكاء على اختلاف الحكم في حال الاضطرار عنه في حال الاختيار، فما الحكم في هذا؟
الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.
أولًا: بموجب الشرعية التي نراها قائمة للنظام السوريّ؛ نخاطبه بخطاب الشرع، ونوجه إليه النصح، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم)([1])، ويقول: (إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)([2])؛ فالنصيحة له واجبة.
ثانيًا: لا ريب أنّ الشريعة حَرّمت مثل هذا التبرج ومثل هذا الغناء ومثل هذه الحفلات المختلطة، والنصوص في ذلك أكثر من أن تحصر، وعلم النظام ورموزه وعلم وزير الثقافة بها يغني عن ذكرها، ومن ثمّ فإنّ قيام وزير الثقافة برعاية مثل هذا الحفل يعدّ من قبيل السعي في نشر الفسق في المجتمع، وهو محرم بقواطع الشرع، فإنّ الوظيفة المحورية لولي الأمر هي: «حراسة الدين وسياسة الدنيا به»([3])، أو هي: «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها»([4]).
ثالثًا: إذا كان التدرج مشروعًا؛ فإنّ هذا ليس من التدرج في شيء، إذْ إنّه يكفي للتدرج في هذه الأمور أن يترك النظام من يفعل هذا من الشعب دون أن يتدخّل بالمنع، أمّا أن يقوم الوزير بصفته الرسمية بهذا العمل؛ فإنّ هذا ليس من التدرج وإنّما من صور التزوير لعملية التدرج واتخاذها تكأة للانحراف والتحلل.
رابعًا: يجب على الرئيس أن يعزل هذا الوزير إن كان قد تصرف هذا التصرف دون عودة إليه، أمّا إن كان ما جرى بعلم الرئيس وإقراره فإنّه يجب عليهما أن يتوبا إلى الله، وألّا يعودا إلى مثل ذلك، ويجب على النظام ومن حوله من أهل العلم واهل الشورى أن يضعوا للتدرج خطة لا تجعله مجرد تسويف.
خامسا: يجب على العلماء أن ينصحوا للحاكم ووزرائه ومعاونيه، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ»([5]).
هوامش
([1]) سنن الترمذي ت شاكر (5/ 34) برقم (2658)، عن ابن مسعود
([2]) صحيح مسلم (3/ 1340) برقم (1715) مسند أحمد ط الرسالة (14/ 400) برقم (8800)، عن أبي هريرة
([3]) الأحكام السلطانية للماوردى (ص 5)
([5]) رواه مسلم ك الإيمان باب بيان أن الدين النصيحة برقم “85” [ج 1ص114]، عن تميم الداري


