فتوى رقم 21 حكم الشرع في الهوَس الكُرَوِيِّ الذي أصاب الكثيرين من المسلمين

تصويرُ النازلة وسؤالُها

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذه الأيام التي تتفاقم فيها مصائب الأمة يزداد هوس الكثيرين من المسلمين بمتابعة كرة القدم المحلية والعالمية، إلى حدّ أنّها صارت تسيطر على عقول الناس ومشاعرهم وأوقاتهم واهتماماتهم، وقد رأينا بالأمس القريب (7/ 2026) كيف احتفل الشعب التركيّ بقدوم لاعب كرة القدم المصري محمد صلاح، بصورة يكاد المرء يجزم بأنّه لو بُعث السلطان محمد الفاتح أو البطل صلاح الدين الأيوبي فَلَرُبّما لم يحظ بمثل هذا الاهتمام، ومِنْ قبلُ شاهدْنا هَوَسَ المسلمين (والمسلمات!) بمتابعة مباريات كأس العالم (أمريكا، 2026)، ورأينا المعارك الكلامية على مواقع التواصل الاجتماعي حول المنتخبات والنجوم الدوليين؛ فهل للشرع حكم وكلمة في هذا (الْهَوَس)؟

التكييف الشرعيّ لواقع النازلة وتحرير محلّ النزاع

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

النازلةُ هي على وجه التحديد ما يصوره السؤال من (الهوس الكروي) لدى المسلمين، وهذا هو موضع السؤال، فليس السؤال عن المسائل الجزئية التي تصاحب هذا الهوس، ليست النازلة متمثلة فيما يتصل بهذا الهوس من أمور قد يجوز بعضها ولا يجوز البعض الآخر منها، وقد يُخْتَلَفُ في الحكم في بعضها من عالِمٍ لآخر ومن مذهب لآخر، كالنظر إلى فخذ اللاعب، أو الاستماع إلى ما يصاحب إذاعة المباريات من موسيقي، أو جمع الصلوات بسبب عدم القدرة على مفارقة الملاعب لمن يشاهد مشاهدة مباشرة، وغير ذلك من الأمور الجزئية الكثيرة والمتناثرة هنا وهناك، فهذه الأمور – على أهميتها وعلى الرغم من عدم إهمال الشريعة لها – ليست هي موضع السؤال؛ لأنّ الطامّة الكبرى غشّت عليها، فإن كان الأمر فيها هَيّنٌ ولم تكُنْ في نظر الشرع طامَّةً؛ ساغَ الالتفات إلى ما يحيط بها من مثل هذه المسائل، وإلّا فإنّ البحر اللجيّ إذا اضطرم موجُه وأظلم ليلُه وأحدقت بالخلق مخاطرُه لم يَعُدْ يجدي النظر إلى مَكَابِحَ تَصَرَّمتْ هنا وهناك.

الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.

أولًا: ما المقصود بالهوس الكرويّ؟ أهو حالة من حالات المرض العقليّ؟ أم هو مرض خلقيّ اجتماعيّ؟ ما حقيقته وما كُنْهُه؟ فنقول: الهوس الكرويّ انحراف جماعيٌّ، يقع عن إرادة واختيار، ويكون بالتفكير والمشاعر والعواطف والاهتمامات، ويسيطر على الإنسان إلى حدٍّ قد يُنْسِيه – ولو لوقت – قضاياه الدنيوية والأخروية، فإن لم يُنْسِهِ هذه القضايا أضعف من إحساسه بها وقلل من اهتمامه والْتِفاتِهِ إليها، ويَلْزَم له طاقات وأوقات وأموال وممارسات، ووقوعُه يكون بسبب العشق المبالغ فيه للعبة كرة القدم، ويصاحبُهُ تَعَصُّبٌ وتحزُّب وتشنج وتوتر وانتماءات وولاءات لأندية ولاعبين وبلدان، ويجعل المرءَ يعيش في عالم وهميٍّ يبتعد فيه عن عالمه الواقعيّ، وعن القضايا التي خُلق من أجلها وأُنيطَتْ به كإنسان، وهو على درجات متفاوتة، ومن ثمّ فإنّ آثاره مختلفة من شخص لآخر، لكنّ الآثار الجماعية تكاد تكون واحدة.

ثانيًا: كثيرٌ من الأمور التي نعيشها ونمارسها في هذه الحياة الدنيا – ولاسيما هذا الزمان – لم تتمحض للمصلحة ولا للمفسدة، ولا يمتهد السبيل للحكم على كثير منها إلّا من خلال معرفة الغالب عليها أهو المصلحة والمنفعة أم المفسدة والمضرَّة، فإذا انطلقنا من قول الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ ‌عَنِ ‌الْخَمْرِ ‌وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) (البقرة: 219)، ثمّ نظرنا في السلوك الذي يمارسه الناس من خلال متابعتهم للمباريات وتشجيعهم للأندية وشغفهم بكرة القدم؛ وجدنا جملة من المصالح والمنافع، منها المتعة التي يشعر بها الإنسان من مشاهدة لَعِبٍ ليس في أصله حرامًا، وقضاءِ أوقات يستفرغ المرء فيها كثيرًا من طاقاته وأوقاته بدلًا من إنفاقها في محرمات صريحة، وربما وجدْنا لاعبين على قدر من الخلق والانضباط يتخذون من مراكزهم في هذه اللعبة وسيلة للدعوة إلى مكارم الأخلاق، وغير ذلك، لكنّ هذه الإيجابيات يقابلها سلبيات ومخالفات شرعية كثيرة – ولا سيما إذا تحول إلى ما أطلقنا عليه (الهوس الكروي) – هذه المخالفات أنتجت مفاسد يطيش أمامها ما يصاحب هذا الهوس من مصالح.

ثالثًا: هناك مفاسد كثيرة تنتج عن الهوس الكرويّ – بتعريفه الآنف – تأتي في سياق المصادمة المباشرة والبالغة التأثير لمقاصد الشريعة ولطبيعة الإسلام، ونحاول توضيحها في هذه النقاط:

1-           بهذا السلوك وبهذه المنهجية المطَّردة؛ ينصرف همّ المسلم عن الاهتمام بالمهام العظام التي خلق لها، إلى الاهتمام بأمور تافهة في حقيقتها وجوهرها، فأمور اللعب وما يتعلق به من متابعات ومشاهدات – إن سلمت من المخالفات الصريحة – لا يصحّ أن تخرج عن إطار كونها أوقات ترفيه عابرة لا تأخذ هذا الحيّز الكبير من الاهتمام والاحتفال، الذي يطغى في حسّ المسلم على ما يجب أن يأخذ الحيز الأكبر من اهتمامه، كوظيفة العبادة لله وحده، ووظيفة الخلافة في الأرض وإعمارها بمنهج الله، وما يترتب على هاتين الوظيفتين من مهام شعائرية وأخرى سلوكية أو خلقية أو شعورية، وما ينبثق عن ذلك من واجبات كمقاومة الظلم، ومدافعة الطغيان، ودفع العدوان، وحماية حقوق الإنسان، وغير ذلك مما لا تتحقق إنسانية الإنسان إلا به.

2-           قد علم القاصي والداني من المسلمين وغير المسلمين أنّ أحد معاول الهدم الكبرى في المخطط الشيطاني هو تَتْفِيهُ الجماهير، والتتفيه يتمثل أول ما يتمثل في جعل اللعب شأنًا عالميًّا كبيرًا تنظمه قوانين دولية، وترعاه حكومات وتقوم عليه اقتصادات، وتُبْرَمُ العقود بالملايين والمليارات، وتنعقد المباريات بتوقيتات أدقّ من عقارب الساعات، وتقوم الدنيا فلا تقعد حتى تستقرّ الكرة في الشباك، فعندئذ يكون نيل الجوائز الثمينة التي تقوم الزعامات بتوزيعها، هذا التَّتْفِيْهُ أَحَدُ أكبر معاول الهدم، وأحد أعنف الأمور المضادة للمنهج الربّانيّ القائم على الجدّ لا الهزل.

3-           نحن أمة أخرجت للناس، أخرجت لتكون خير أمة يتعدّى خيرها للناس؛ دعوةً وجهادًا وإقامةً لصروح العدل، ونحن كذلك أمةٌ وسطٌ عدلٌ معها الميزان والمنهج الربانيّ الذي به تتحدد مواقف الخلق ومنازل العباد، وما ينبغي للأمة التي لها هذه الخيريّة وهذه المكانة، ومعها هذا المنهج، وأنيطت بها الواجبات الكبرى، التي يتصدرها واجب إخراج العباد من العبودية للعباد إلى العبودية لربّ العباد أنْ تلهو هذا اللهو، إنَّ أمّةً بهذا القدر لا يصح لها أن تلعب، إلا بالقدر الذي يحقق للنفس استرواحًا ويقطع الملل والرتابة التي تحدث بسبب توالي المهام، أمّا الزيادة على ذلك إلى حدّ الاشتغال بالأمر ليلا ونهارًا، في الملعب وفي البيت وعلى المقاهي وفي صفحات الجرائد والصحف، وشاشات الميديا بكافّة أنواعها ومواقع التواصل بجميع صنوفها، حتى يقال: تعاقَدَ فلانٌ مع نادي كذا، وهذه صفقةٌ كروية تساوي كذا، وتلك هزيمة منكرة وفضيحة مدوّية، وما إلى ذلك مما يُعَدُّ من قبيل التلبيس على الخلق، وإلباس اللعبَ أرديةَ الجدّ؛ فهذه زيادة جنونية مفسدةٌ، تُفسد النفوس والقلوب، وتقلب المعايير وتُسَفِّه العقول.

4-           لم يعد خافيًا قيام النظام الدولي الذي يحكم العالم بأنظمةٍ بعضُها جزءٌ لا يتجزأ من منظومته وبعضها ليست سوى دُمَى يتلاعب بها، لم يعد خافيًا قيام هذا النظام المجرم المتألّه الذي يحمل لواء الحرب على الإسلام وأهله، لم يعد خافيا قيامُه على محاور ارتكاز كبرى، منها الأندية الكروية وغيرها من المنتديات التي تشغل الجماهير، وتستخرج طاقات الشعوب، وتجعلها تتلهّى عن الحقّ بتلك الملهيات، التي تتطور وتتحور لتصبح الشُّغل الشاغل لشعوب غافلةٍ، وأممٍ مستنعَجة، وبشريَّةٍ يقوم النظام الدوليّ – بما يملكه من قوى ناعمة وخشنة – على صدِّها عن سبيل الله، وشغلِها عن الحقّ، وإقصائها عن خالقها، فالتماهي مع هذا النظام رُكُونٌ – بصورة أو بأخرى – إلى الطاغوت الأكبر والصنم الأخطر، كأنّ الناس – إذْ يحيون في طول الأرض وعرضها – على هذه المهرجانات يمارسون طقوسًا ترفيهية في معبد (هُبَلْ) وهم غافلون.

5-           ليس خافيا ما في هذا الْمَهْوَى من شرورٍ جمّة، على المجتمع وعلى رابطة الأمة العامّة، شرورٍ تُفَرِّق الصفّ وتشتت الولاءات؛ فهذا ينتمي لفريق وذاك ينتمي لفريق آخر، وقد يكون الْحُبّ والولاء والمناصرة لنادي من أندية الكفار، وقد يكون الشغف الشديد بلاعب كافر ومعادٍي لقضايا الأمة، وغالبًا ما يكون لكل فريق رابطة مشجعين، وتجري بين الروابط مشاحنات، بل واقتتال في كثير من الأحيان، وقد تجد هذا الهرج في البيت الواحد والأسرة الواحدة، وقد يجري التناوش ويعلو إلى حدٍّ قد يصل إلى العراك بالأيدي، كلّ هذه مفاسد تهدد وحدة الأمة وروح الجماعة، هذا إلى جانب المفاسد الجزئية كمخالطة النساء العاريات للرجال المتحرشين، والتلفظ بالألفاظ النابية وترديد الشعارات غير المنضبطة، وغير ذلك من المخالفات.

رابعًا: وبناء على ما سبق فإنّ الحكم الشرعيّ هو وجوبُ الإقلاع عن هذا الهوَسِ، وحُرْمَةُ تَرْكِ النفس للسقوط في هذا الْمَهْوَى الْمُسِفّ، ولاسيما مع ما يلوح في الأفق من خطورة هذا الأمر على معاقد الإيمان ومفاصل الالتزام الشرعيّ، كالموالاة لأندية كافرة، والشغف بلاعبين مارقين بصورة تقترب من التصنيم، فيجب على الآباء وعلى العلماء ورجال الدعوة ألا يكونوا قدوة سيئة للناس بمتابعتهم للمباريات واهتمامهم بها ودخولهم في تعليقات ومنافسات تهبط بقدرهم، كما يجب على المعلمين أن يلقنوا تلاميذهم الترفع عن هذه السفاسف، بدلا من أن يناقشوا معهم داخل غرف الدراسة ومراكز الدروس الخصوصية أحداث المباريات وما جرى في الأندية والمسابقات، كل هذه الواجبات تتوزع بحسب المقامات.

خامسًا: كما ينبغي ألّا نغفل عن الدور الإجراميّ للأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين وتتحكم في مصائر أهل الإسلام، وتُخضعُهم طوعًا وكرهًا للأنظمة الدولية، فهذه الأنظمة لا تمثل المسلمين ولا تنتمي لدينهم، وإنّما هي في حقيقتها وكيلُ المحتلّ، فبلادُنا محتلةٌ بالوكالة، فالأصيل هو النظام العالميّ الذي تتزعمه أمريكا حاملةُ لواءِ الحرب على الله، والوكيلُ لها هو هذه الأنظمة المجرمة العميلة التي تتوكّل عن النظام العالميّ المحتل الأصيل، تتوكل عنه في قهر المسلمين وإفقارهم وتجهيلهم وتتفيههم وإبعادهم عن دينهم .. والله أعلم.

 

التعليقات معطلة