تصويرُ النازلة وسؤالُها
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد هلاك المجرم (خامنئي) ويوم تشييع جنازته، انطلقت الأقلام والأبواق من كثير من الأفراد والجهات المنتسبة للعلم والدعوة والجهاد؛ بالثناء عليه والتفخيم والتعظيم من مكانته؛ بدعوى أنّه ذهب شهيدًا من أجل قضيته، وأنّه قُتل على يد أعداء الإسلام من الصهاينة والأمريكان، وبحجة أنّه – ومَنْ معه من الحرس الثوري الإيراني والمسئولين الإيرانيين – وقفوا بجانب القضية الفلسطينية، وتعاونوا مع المجاهدين في غزة ضد الاحتلال؛ فهل هذا يجوز أم لا يجوز؟ وهل لإخواننا الذين يفعلون هذا مسوغ شرعيّ؟
التكييف الشرعيّ لواقع النازلة وتحرير محلّ النزاع
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
في الوقت الذي قامت فيه إيران – بإيعاز من الأمريكان – بتدمير حواضر العالم الإسلاميّ الكبرى (العراق والشام واليمن)، وبقتل وسجن وسحل مئات الآلاف من المسلمين السنة على الهوية، وبتشريد الملايين منهم في سياق التطهير العرقيّ المغرق في الإجرام، في هذا الوقت وفي ظل هذه الظروف وبمنتهى النفاق والكذب الدعائيّ كانت إيران تدّعي الاختصاص والتفرد بدعم القضية الفلسطينية، وساعدها على الظهور بهذا المظهر المخاتل الخدّاع أنّ الأنظمة العربية المجرمة تخلت عن القضية الفلسطينية وتآمرت على أهل غزة، وأنّ الحقد الصهيونيّ الطائش العجول تغلب على المكر الصليبيّ الأمريكيّ المتئد الخبيث؛ لتقع الحرب على إيران وتظهر إيران بمظهر البطل الذي بُغي عليه بسبب وقوفه مع الجهاد الفلسطينيّ.
بينما الواقع أنّ إيران – بأذرعها – تحاول أن تتخذ من الانحياز الظاهريّ للقضية الفلسطينية واجهة لتحسين صورتها على حساب أهل السنة، الذين لا يقاسون بالأنظمة المجرمة التي تحكمهم، هذا الانحياز الظاهريّ تطور تحت ضغط إلحاح رجال المقاومة الأفذاذ إلى معونات لا تبلغ مستوى النصرة الحقيقية، وجميعها جاءت في سياق الترويج في كل بلاد العالم الإسلاميّ للمذهب الشيعي باسم الوقوف مع القضية الفلسطينية، ولقد نجحت إيران بسبب ذلك في قسم العالم الإسلامي إلى فريقين، لم يكن بينهما في الأصل خلاف، فاختلفوا في الحكم عليهم والموقف منهم؛ بسبب اضطراب الرؤية الذي أحدثه الختل الإيراني والنفاق الخامنئي والمواقف المتناقضة للمشروع الإيرانيّ الذي أبى أن يتوسع إلا على حساب السنة.
ولأنّ المسلمين يحبون الجهاد الفلسطينيّ ويتعاطفون بصدق مع القضية الفلسطينية ويبغضون العدو الصهيونيّ الغادر؛ كان من الطبيعيّ أن ينحازوا إلى كلّ من يحدث نكاية في الكيان الصهيونيّ، ومما زادهم انحيازًا لهذه القوى التي تسمى (محور المقاومة) أنّ ما يسمى كذبًا (الحاضنة السنية) خذلوا القضية الفلسطينية وتآمروا عليها، والواقع أنّ الحاضنة السنية الحقيقية هي الشعوب المسلمة المقهورة التي حيل بينها وبين الجهاد لتحرير الأمة الإسلامية بما فيها القدس وفلسطين، أمّا الأنظمة التي تحكم بلاد الإسلام فليست من السنة في شيء، بل ليست من الإسلام نفسه في شيء، وأنّ ما يسمى بمحور المقاومة ليس سوى طوق لحماية مصالح المشروع الإيراني الذي صار يزاحم المشروع الصهيوني على حساب السنة أي على حساب الأمة الإسلامية الحقيقية، ومن الطبيعيّ أن يتسربل هذا المحور بحماية المقاومة ودعمها، وهذا كذب صراح.
الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.
أولًا: يُشرع للمسلمين الفرح بما يصيب العدو الصهيونيّ على يد إيران وأذرعها، وبما يصيب إيران وأذرعها على يد الصهاينة والأمريكان؛ لأنّهما مشروعان محاربان للإسلام وأهله، ولا مانع إذا رأى البعض أنّ استمرار المعركة مدة أطول سوف يضعف المشروعين ويخفف من وطأتهما على المسلمين أن يتمنى ذلك ويرجوه ويدعو به، ولا اعتداد في ذلك بكون أحدهما يصرح بالعداوة للإسلام والمسلمين والآخر لا يصرح بها، ولا بكون أحدهما ظالم للآخر باغ عليه؛ إنّما العبرة بما هو حاصل في الواقع من تطاحن المشروعين فوق جثتنا.
ثانيًا: أمّا الممنوعُ المحظورُ المحرَّمُ المجَرَّمُ فهو أن يَدْفَعَ المسلمَ بغضُه لإيران إلى الإعجاب بالصهاينة والتفخيم من شأنهم والتمجيد لقادتهم وزعمائهم؛ فإنّهم أعدى الخلق لأمة الإسلام، أو أن يدفع المسلمَ بغضُه لإسرائيل إلى الإعجاب بإيران والتفخيم من شأنها والتمجيد لقادتها ورموزها؛ فإنّ المشروع الإيراني الذي يتفق عليه الملالي مع السياسيين قائم على إبادة السنة الذين هم أمة الإسلام على الحقيقة، والمفاضلة بين عدوين لدودين لا تنفي أنّهما عدوّان لدودان، ولا تُنْسِي المسلمَ أنّ الأصل هو البراءة من جميع أعداء الإسلام، فالولاء والبراء أصل عظيم في دين الله، وقد سبق في فتاوى ماضية للهيئة بيان عداوة المشروع الإيرانيّ للأمة.
ثالثًا: وعليه فإنّه يحرم الاحتفال والاحتفاء أو إبداء الإعجاب بمشهد تشييع جنازة المجرم عدوِّ الله (خامنئي)، ولا يجوز الاغترار بمثل هذا؛ لما أسلفنا، ولأنّ نظام خامنئي – ومن قبله الخميني – نظام قائم على اعتبار أهل السنة غير متدينين بالدين الصحيح الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأنّ وجود السنة وانتشار مذهبهم خطر على الإسلام وانحراف عن دين خير الأنام، وأنّ الشيعة الروافض هم أهل الإسلام على الحقيقة؛ ومن ثم يجب التطهير العرقي لأهل السنة للتمكين للمشروع الإيرانيّ؛ وهذا هو الذي أعطاهم المسوغ العقدي لارتكاب الجرائم البشعة التي فاقت بكثير الجرائم التي ارتكبها العدو الصهيوني، وإن كان الصهاينة أشد عداوة للإسلام وأهله، وأشدّ بعدًا عن دين الله وعهده، هذا بالإضافة إلى أنّ دين الملالي لم يعد هو مذهب التشيع الذي كان أهل السنة ينظرون إليه على أنّه بدعة ضلالة، وإنّما صار – على يد البويهيين ثم الصفويين ثم الخمينيين ثم الخامنئيين – دينًا جديدًا يقوم على تكفير جمهور الصحابة الذين نقلوا إلينا الإسلام، وعلى التعبد والتحنث في محراب الحسين، وغير ذلك من الشركيات والكفريات، وإذا كان هؤلاء قد اتخذوا منذ القِدَم عقيدة (التقية) ملجأً ومدخلًا للفرار من مواجهتهم بكفرهم؛ فإنهم اليوم زادوا عليها التستر والتدثر بهذه التمثيلية التي يحسنون حبكها وهي تمثيلية محور المقاومة، وإنّهم لكاذبون في ذلك كلّه.
آن للمسلمين أن يقتدوا بنبيهم وبسلفهم الصالح وبأبي الأنبياء إبراهيم ومن معه من الحنفاء في البراءة من المجرمين وإعلان الكفر بهم جميعًا، وبقولهم: (إنّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ). [الممتحنة: 4]


