جمالية الصلاة

“الصلاة هي معراج المؤمن اليومي إلى ربه، وهي النافذة التي يطل منها على جمال القرب الإلهي. فمن عرف أسرار الصلاة، وجد فيها راحته وسعادته وجنته. ومن أقامها بخشوع، عاش في الدنيا كأنه في الجنة.”

هل تجد في صلاتك راحة وسعادة، أم أنها أصبحت مجرد عادة تؤديها بجسد حاضر وقلب غائب؟ الصلاة ليست حركات وأقوالاً، بل هي معراج الروح إلى الله، وجنة الدنيا قبل الآخرة. تعرف على جمالية الصلاة التي تغيّر حياتك.

الصلاة – أم العبادات وجمالها

لو تأملنا العبادات في الإسلام، لوجدنا أن الصلاة تحتل مكانة فريدة لا تضاهيها أي عبادة أخرى. فهي:

أول ما افترضه الله على الأمة الإسلامية في رحلة الإسراء والمعراج، مباشرة بعد فرض التوحيد.

أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله.

آخر ما أوصى به النبي ﷺ أمته قبل أن يفيض إلى الرفيق الأعلى، وكان يقول في مرض موته: “الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم”1(1) رواه أحمد في المسند (3/117) . وأبو داود (5156) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (868) وفي صحيح الجامع (2107)..

عمود الدين الذي لا يقوم إلا به، كما قال ﷺ: “رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة”2(2) رواه أحمد في المسند (5/231)، والترمذي (2616)، والنسائي في الكبرى (11394)، وابن ماجه (3973). انظر: إرواء الغليل للألباني، والمستدرك للحاكم  ..

معراج المؤمن إلى ربه، كما قال ﷺ: “الصلاة معراج المؤمن”3(3) أخرجه بعض المفسرين كالرازي والنسفي دون سند، وضعّفه أهل الحديث..

صلة بين العبد وربه خمس مرات في اليوم والليلة، يخلو فيها بربه، ويناجيه، ويشكو إليه همه، ويسأله حاجته.

لكن مع كل هذه المنزلة العظيمة، نجد أن الكثير من المسلمين يصلون وكأنها عادة يومية لا راحة نفسية. يصلون وكأنهم يؤدون واجباً ثقيلاً، لا لقاءً مع حبيب. يصلون بأبدانهم، وقلوبهم معلقة في الأسواق والمشاغل. يصلون كالذي يؤدّي ضريبة لا كالذي يستمتع بلقاء.

هذا هو جوهر المشهد الخامس من كتاب الشيخ فريد الأنصاري “جمالية الدين”. يريدنا الشيخ أن نعيد اكتشاف الصلاة من جديد: ليس كمجرد حركات وأقوال، بل كـ جمال نعيشه، وراحة نجدها، وسكينة نغوص فيها، ومعراجاً يومياً من عالم المادة إلى عالم الروح، ومن ضجيج الحياة إلى هدوء المناجاة.

يقول الشيخ فريد: “لو عرف الناس ما في الصلاة من جمال، لهرعوا إليها هرولة العطشان إلى الماء. لكن الغفلة أعمت البصائر، فتحولت الصلاة عند كثيرين إلى عادة ثقيلة، لا إلى لقاء جميل” .

الصلاة في المنهاج القرآني – تأصيل ومكانة

  • تعريف الصلاة

الصلاة في اللغة: الدعاء. ومنه قوله ﷺ: “إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطراً فليصل، وإن كان صائماً فليصل”4(4) رواه مسلم في صحيحه (1431) عن أبي هريرة. ورواه أبو داود (2460) والترمذي (780) وأحمد (2/279، 507) وغيرهم . أي فليدع.

والصلاة في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، بقصد التعبد لله تعالى.

أهمية الصلاة ومكانتها في القرآن

ذُكرت الصلاة في القرآن في أكثر من مئة موضع، وهذا يدل على عظم شأنها وأهميتها في حياة المسلم. ومن أبرز هذه الآيات:

  • أولاً: الأمر بإقامتها:

قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43].

وقال: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103].

  • ثانياً: وصفها بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر:

قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].

هذا من أعظم أسرار الصلاة: أنها إذا أُقيمت حق الإقامة، صار لها تأثير مباشر في سلوك المسلم، فتبعده عن المعاصي وتقرّبه من الطاعات.

  • ثالثاً: الأمر بالمحافظة عليها:

قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].

  • رابعاً: وصف المؤمنين بأنهم يخشعون فيها:

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2].

إذاً، الفلاح الكامل مرتبط بخشوع الصلاة، والصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح.

  • خامساً: ذم التهاون بها:

قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].

جمالية الصلاة – رحلة من التكبير إلى التسليم

الجمال الأول: الوضوء – مدخل الجمال والطهارة

قبل الصلاة، هناك طقس جميل: الوضوء. غسل اليدين، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والأذنين، وغسل الرجلين إلى الكعبين.

ليس مجرد تنظيف، بل هو تطهير روحي أيضاً. فكما يغسل الماء البدن من الأوساخ الحسية، تغسل التوبة القلب من الأوساخ المعنوية.

يقول الشيخ فريد: “الوضوء هو استعداد للقاء الله. فكما يستعد الإنسان للقاء ملك من ملوك الدنيا بتحسين هيئته ولباسه، فكيف بلقاء ملك الملوك؟ إن الوضوء هو زيارة المؤمن لربه، فيحسن طهوره كما يحسن ثيابه” .

جماليات الوضوء:

  • الماء ينساب على الجسد: وكأنه يغسل الذنوب التي تعلق به.
  • الذكر عند كل عضو: “أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله”.
  • الدعاء بعد الوضوء: “اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين”.

هذا هو جمال البداية: طهارة حسية ومعنوية، تستعد بها للوقوف بين يدي الملك الجبار.

الجمال الثاني: التكبير – قطع الصلة بما سوى الله

عندما يقول المصلي “الله أكبر”، فهو يعترف بأن الله أكبر من كل شيء: أكبر من همه، أكبر من مشكلته، أكبر من فرحه، أكبر من حزنه، أكبر من أهله وماله، أكبر من الدنيا وما فيها.

تأمل هذا الجمال:

“الله أكبر” من كل ما يقلقك: فلماذا القلق؟

“الله أكبر” من كل ما يخيفك: فلماذا الخوف؟

“الله أكبر” من كل ما تشتهي: فلماذا الطمع؟

يقول الشيخ فريد: “التكبير هو سكين تقطع به كل علائق القلب بما سوى الله. فإذا قالها العبد بصدق، انقطعت حبال قلبه عن الأرض، وطار إلى السماء” .

هذه الكلمة العظيمة تطلق العبد من قيود الأرض ليطير إلى سماء الروح. إنها لحظة الانفصال عن عالم الشهادة إلى عالم الغيب.

الجمال الثالث: القيام – الوقوف بين يدي الملك الجبار

القيام في الصلاة هو أشرف أوضاع العبد، لأنه يقف بين يدي ربه، كأنه يخاطبه وجهاً لوجه (بالمعنى اللائق بالله).

قال النبي ﷺ: “إن أحدكم إذا قام يصلي، فإنه يناجي ربه” 5(5) رواه مالك في الموطأ (1/80)، وأحمد (4/344)، وأبو داود (1332)، والحاكم (1/310)..

تأمل هذا الجمال العظيم:

أنت تقف، والله يقابلك (بالمعنى اللائق).

أنت تناجيه، وهو يستمع إليك.

أنت تسأله، وهو يعطيك.

أنت تشكو له، وهو يفرج عنك.

أتدري أي مقام هذا؟ إنه مقام العبودية الخالصة، ومقام العزة والكرامة معاً. فالعبد في آن واحد: خاضع لربه، ومكرم بالوقوف بين يديه.

يقول الشيخ فريد: “القيام بين يدي الله هو أجمل لحظة في حياة المؤمن. فيها ينسى الدنيا وهمومها، ويشعر بأنه في عالم آخر، عالم النور والسكينة والجمال” .

الجمال الرابع: القراءة – كلام الحبيب يخاطب قلبه

قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن هي لُبّ الصلاة وجوهرها. فيها يتلو العبد كلام ربه، فيتفاعل معه آية آية، ويتأثر بها، ويستجيب لها.

تأمل جمالية سورة الفاتحة:

الآية المعنى تفاعل العبد
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يحمد ربه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى   يقولها بخشوع، مستحضراً نعم الله عليه
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يستشعر رحمة الله التي وسعت كل شيء يرجو رحمة الله في كل أموره
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يذكر يوم الحساب والجزاء يخاف من ذلك اليوم، فيستعد له
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يعلن العبودية الخالصة والاستعانة بالله وحده يقطع التعلق بكل ما سوى الله
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} يسأل الله الهداية إلى الطريق الحق يدعو لنفسه بالإيمان والاستقامة
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يطلب أن يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يتطلع إلى الصحبة الطيبة في الجنة
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} يستعيذ من طريق الكفر والضلال يخاف من مصير المغضوب عليهم والضالين

يقول الشيخ فريد: “من تدبر الفاتحة في صلاته، وجد فيها من الأسرار والجمال ما لا ينطق به لسان. إنها أم الكتاب، فيها كل معاني الدين: الثناء على الله، والخوف والرجاء، والطلب والدعاء، والتوجه إلى الصراط المستقيم” .

الجمال الخامس: الركوع – تعظيم الجبار

الركوع هو خضوع العبد لعظمة الله. فيه يقول: “سبحان ربي العظيم”. يعترف بعظمة الله، ويضع رأسه بين يدي ربه، ويخفض جناح الذل له.

جماليات الركوع:

الانحناء لله وحده: لا ينحني العبد لأي إنسان، لكنه ينحني لله خضوعاً وتعظيماً.

تسبيح الرب العظيم: يقول “سبحان ربي العظيم”، أي ينزه الله عن كل نقص، ويعظمه بما هو أهله.

الدعاء في الركوع: كان النبي ﷺ يقول: “سبوح قدوس رب الملائكة والروح”6(6) رواه مسلم (487)، وأبو داود (872)، والنسائي في المجتبى (2/190)، وأحمد (24685)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1318).. والبعض يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.

يقول الشيخ فريد: “الركوع هو لحظة الاعتراف بالعجز أمام جلال الله. العبد يقف عاجزاً خاضعاً، يعترف بأنه لا شيء أمام عظمة الخالق. هذا هو جمال التواضع” .

الجمال السادس: السجود – أقرب ما يكون العبد من ربه

قال النبي ﷺ: “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء” 7(7) رواه مسلم في الصلاة (482)، وأبو داود (875)، وأحمد (2/421). .

السجود هو قمة الخضوع، حيث يضع العبد أشرف أعضائه (وجهه) على التراب، بين يدي ربه، معترفاً بعبوديته، متذللاً لجلاله.

جماليات السجود:

وضع الوجه على التراب: أشرف أعضاء الإنسان على أحقر شيء (التراب)، إعلاناً بالتذلل لله.

لحظة القرب: أقرب لحظة من الله، فينبغي أن يكثر فيها الدعاء.

تسبيح الرب الأعلى: يقول “سبحان ربي الأعلى” ثلاثاً، أو أكثر.

الدعاء في السجود: كان النبي ﷺ يكثر الدعاء في السجود، ومن أدعيته: “اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه”8(8) رواه مسلم (483)، وأبو داود (878)، وابن حبان (1931)، وابن خزيمة (672)..

يقول الشيخ فريد: “السجود هو لحظة الصفاء التام. لحظة تنسى فيها الدنيا وهمومها، وتذوق فيها حلاوة القرب من الله. إنها الجنة العاجلة للمؤمن في صلاته” .

تأمل هذا الجمال: الجبين على الأرض، والأنف على التراب، واليدان والركبتان والقدمان على الأرض… كل الجوارح ساجدة خاضعة لله. أي جمال هذا؟!

الجمال السابع: الجلوس بين السجدتين – لحظة الراحة والدعاء

بين السجدتين، يجلس العبد جلسة خفيفة، ويدعو: “رب اغفر لي، رب اغفر لي”. هذه لحظة راحة ودعاء، يتنفس فيها العبد قبل أن يعود إلى السجود.

يقول الشيخ فريد: “الجلوس بين السجدتين يرمز إلى أن رحمة الله تأتي بين الخضوعين. فالعبد يركع ويسجد، ثم يرفع رأسه ليجد رحمة الله تغشاه” .

الجمال الثامن: التشهد – تحية الملك

في التشهد، يحيي العبد ربه، ويسلم على النبي ﷺ، ويسأل الله الصالحات.

جماليات التشهد:

التحيات لله: كل التحيات والصلوات والطيبات لله وحده.

السلام على النبي ﷺ: “السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته”.

السلام على عباد الله الصالحين: “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”.

شهادة التوحيد والرسالة: “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله”.

الصلاة على النبي ﷺ: “اللهم صل على محمد وعلى آل محمد…”

الجمال التاسع: التسليم – تحية الملائكة والمؤمنين

ينهي العبد صلاته بالتسليم على يمينه وعلى شماله: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

بهذا التسليم، يحيي العبد الملائكة الذين عن يمينه وعن شماله، ويحيي المؤمنين الذين معه في الصف، ويكون ختام الصلاة بالسلام الذي هو من أسماء الله الحسنى.

الخشوع – روح الصلاة وجمالها الباطن

كل هذه الأركان والأفعال والأقوال لن تجدي العبد شيئاً إن لم يصاحبها الخشوع أي حضور القلب مع الله.

قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2].

ما هو الخشوع؟

الخشوع هو: حضور القلب في الصلاة، واستشعار عظمة الله، والوقوف بين يديه بخشوع وتذلل، مع تدبر ما يقوله ويفعله.

أقسام الخشوع:

خشوع القلب: أن يكون القلب حاضراً مع الله، غير غافل ولا ساهٍ.

خشوع البدن: أن يكون البدن ساكناً متطامناً، غير عابث ولا متلفت.

ثمرات الخشوع:

تحقيق معنى العبودية: فالخاشع حقاً هو الذي عبد الله بقلبه قبل جوارحه.

قبول الصلاة: الصلاة بلا خشوع قد تكون صحيحة شكلاً، لكنها ناقصة المعنى والثواب.

الطمأنينة والسكينة: الخاشع يشعر براحة نفسية لا توصف.

تأثير الصلاة على السلوك: من خشع في صلاته، خشعت جوارحه خارج الصلاة أيضاً.

يقول الشيخ فريد: “الخشوع هو روح الصلاة وجمالها الباطن. الصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، وكنهر بلا ماء، وكشجرة بلا ثمر. إنها صورة بلا معنى” .

جمالية الخشوع – كيف نصل إليها؟

العوائق التي تمنع الخشوع (لماذا لا نصل إلى جمالية الصلاة؟)

الغفلة والذهول: العبد يصلي وقلبه في السوق أو في العمل.

سرعة الصلاة وعدم الاطمئنان: يسرع في صلاته كالديك ينقر.

الوساوس: الشيطان يأتي إلى العبد في صلاته فيشغله بأمور الدنيا.

كثرة الالتفات: يلتفت يميناً وشمالاً في صلاته.

ترك التدبر: يقرأ القرآن في صلاته دون أن يتدبر معناه.

  • الخطوات العملية للوصول إلى جمالية الخشوع

الخطوة الأولى: الاستعداد النفسي قبل الصلاة

قطع الشواغل: قبل أن تسمع الأذان، جهز نفسك. أنهِ ما أنت فيه، أو اتركه مؤقتاً.

الوضوء بتأنٍ: توضأ بخشوع، وتذكر أنك تستعد للقاء الله.

الذهاب إلى المسجد مبكراً: قال ﷺ: “لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا”9(9) رواه البخاري (615) ومسلم (437). .

النية الخالصة: جدد نيتك قبل الصلاة: “اللهم إني أريد أن أصلي لوجهك خالصاً”.

الخطوة الثانية: أثناء الصلاة

استشعار أن الله أمامك: قال ﷺ: “اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”10(10) رواه مسلم (8). .

التأني والاطمئنان: لا تسرع في صلاتك. أطمئن في ركوعك وسجودك. تذوق حلاوة الوقوف بين يدي الله.

تدبر ما تقول: لا تمر على الكلمات كما تفعل الببغاوات. عند كل جملة، توقف قليلاً، وتأمل معناها، واشعر به في قلبك.

تلاوة القرآن بتدبر: اقرأ سورة الفاتحة وما تيسر من القرآن ببطء وتدبر، كأنك تسمعها من الله.

الابتعاد عن الالتفات: قال ﷺ: “لا تلتفتوا في الصلاة، فإنه لا صلاة لمن التفت”11(11) رواه الترمذي (589) وقال: “غريب”، والنسائي في الكبرى..

الدعاء في السجود: اغتنم أقرب لحظات القرب من الله. ادعُ لنفسك، لوالديك، للمسلمين.

الخطوة الثالثة: بعد الصلاة

المكث في المسجد: لا تنصرف فوراً. اجلس لدقائق تذكر الله وتدعوه.

الدعاء بعد الصلاة: استغفر الله ثلاثاً، وقل: “اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام”.

مراجعة الصلاة: فكر في صلاتك: هل خشعت؟ هل تدبرت؟ ما الذي يمكن تحسينه في الصلاة القادمة؟

أسرار جمالية الصلاة – ما وراء الحركات

السر الأول: الصلاة معراج الروح

قال النبي ﷺ: “الصلاة معراج المؤمن”. كلمة “معراج” تعني الصعود إلى الله. فالصلاة ليست مجرد عبادة، بل هي وسيلة للصعود إلى الله، وعيش في ملكوته، والتمتع بقربه.

يقول الشيخ فريد: “كما عرج النبي ﷺ إلى ربه في السماوات العلى، كذلك يعرج المؤمن في صلاته بروحه إلى ربه. الصلاة هي معراج كل مؤمن” .

السر الثاني: الصلاة صلة لا تنقطع

الصلاة هي “الصلة” بين العبد وربه. فيها يناجي العبد ربه، ويشكو إليه همه، ويطلب منه حاجته. هذه الصلة تتجدد خمس مرات كل يوم، فلا تنقطع أبداً.

يقول الشيخ فريد: “لو أن ملكاً من ملوك الدنيا جعل لك موعداً خمس مرات في اليوم، لكنت تتهيأ وتستعد. فكيف بملك الملوك، الذي يفتح لك الباب في كل وقت، ويدعوك إلى لقائه؟” .

السر الثالث: الصلاة راحة للقلب

كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة. وكان يقول لبلال: “يا بلال، أرحنا بالصلاة”12(12) رواه أبو داود (4985)، وأحمد (5/364). وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (2107).. لم يقل “أرحنا من الصلاة”، بل قال “أرحنا بالصلاة”. لأن الصلاة عنده كانت راحة وسعادة، لا تعباً وثقلاً.

يقول الشيخ فريد: “الصلاة الحقيقية هي التي تريح القلب، لا التي تثقله. من صلى بخشوع، خرج من صلاته أخف همّاً، وأكثر طمأنينة، وأقرب إلى الله” .

السر الرابع: الصلاة جناحا الخوف والرجاء

في الصلاة، يجتمع الخوف والرجاء معاً:

الخوف: يخاف العبد أن لا تقبل صلاته، أو أن يكون مقصراً فيها.

الرجاء: يرجو العبد قبول صلاته، ومغفرة ذنوبه، وقربه من ربه.

هذا التوازن الجميل بين الخوف والرجاء هو ما يجعل الصلاة عبادة متكاملة، تدفع العبد إلى الإخلاص والاجتهاد، مع البقاء في دائرة الأمل والمحبة.

الصلاة – جمال الدين وأم العبادات

المشهد الخامس من كتاب “جمالية الدين” يأخذنا في رحلة داخل رحلة: رحلة الصلاة التي هي معراج المؤمن إلى ربه.

الصلاة ليست مجرد حركات وأقوال نؤديها خمس مرات في اليوم. الصلاة هي:

  • طهارة وجمال في الوضوء.
  • انقطاع عن الدنيا في التكبير.
  • وقوف بين يدي الملك في القيام.
  • مناجاة للحبيب في القراءة.
  • تعظيم للجبار في الركوع.
  • قرب من الله في السجود.
  • سلام على المؤمنين في التسليم.

من عرف هذه الجماليات، وعاشها في صلاته، تحولت صلاته من عادة ثقيلة إلى جنة عاجلة، ومن واجب يؤديه إلى لقاء ينتظره، ومن تكليف يثقله إلى تشريف يرفعه.

يقول الشيخ فريد: “صلاتك هي جنتك في الدنيا قبل الآخرة. فإذا أردت أن تعيش طعم الجنة الآن، فأقم صلاتك بخشوع وحضور، وستجد فيها من النعيم ما لا تجده في أي شيء آخر” .

ربنا تقبل صلاتنا، واجعلها نوراً في قلوبنا، وطمأنينة في صدورنا، وارزقنا الخشوع فيها والحضور معك، واجعلها قرة أعين لنا كما كانت قرة عين لنبيك محمد ﷺ.

الهوامش

(1) رواه أحمد في المسند (3/117) . وأبو داود (5156) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (868) وفي صحيح الجامع (2107).

(2) رواه أحمد في المسند (5/231)، والترمذي (2616)، والنسائي في الكبرى (11394)، وابن ماجه (3973). انظر: إرواء الغليل للألباني، والمستدرك للحاكم  .

(3) أخرجه بعض المفسرين كالرازي والنسفي دون سند، وضعّفه أهل الحديث.

(4) رواه مسلم في صحيحه (1431) عن أبي هريرة. ورواه أبو داود (2460) والترمذي (780) وأحمد (2/279، 507) وغيرهم .

(5) رواه مالك في الموطأ (1/80)، وأحمد (4/344)، وأبو داود (1332)، والحاكم (1/310).

(6) رواه مسلم (487)، وأبو داود (872)، والنسائي في المجتبى (2/190)، وأحمد (24685)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1318).

(7) رواه مسلم في الصلاة (482)، وأبو داود (875)، وأحمد (2/421).

(8) رواه مسلم (483)، وأبو داود (878)، وابن حبان (1931)، وابن خزيمة (672).

(9) رواه البخاري (615) ومسلم (437).

(10) رواه مسلم (8).

(11) رواه الترمذي (589) وقال: “غريب”، والنسائي في الكبرى.

(12) رواه أبو داود (4985)، وأحمد (5/364). وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (2107).

المصدر

كتاب فضيلة الشيخ فريد الأنصاري – رحمه الله -: “جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح، المشهد الخامس من الإشراق الرابع – في جمالية الصلاة .

اقرأ أيضا

جمالية المحبة: روح الدين وجماله الأسمى

جمالية الخوف والرجاء

جمالية التوبة

جمالية الإيمان بالغيب

التعليقات معطلة