القوى الكبرى

كيف وصلنا إلى هذا المشهد؟ ولماذا لم تقم القوة السنية في المنطقة بمشروع مقابل للمشروعين الإسرائيلي والإيراني؟ ولماذا امتلأت سجون الأنظمة العربية برموز المشروع السني لا بأفراد المشروعين الآخرين؟ وكيف أعان ذلك المشروع الإيراني على التمدد؟ ومن يصف الواقع دون الرجوع إلى العقود الماضية هل يقدم صورة كاملة أم ناقصة؟

الفراغ السني وسجون الأنظمة: كيف تمدد المشروعان الإسرائيلي والإيراني؟

كيف وصلنا إلى هذا المشهد الذي نعيشه اليوم؟ ولماذا صار نتنياهو يعرض خارطته على التلفاز دون مواربة؟ ولماذا لم تقم القوة السنية في المنطقة بمشروع مقابل للمشروعين الإسرائيلي والإيراني؟ ولماذا امتلأت سجون الأنظمة العربية برموز المشروع السني لا بأفراد المشروعين الآخرين؟ وكيف أعان ذلك المشروع الإيراني على التمدد وتقوية أذرعه وترسانته؟ ثم لماذا تعيش المنطقة حالة من التيه وضياع البوصلة وفقدان المشروع؟ ومن يصف الواقع اليوم دون الرجوع إلى العقود الماضية، هل يقدم صورة كاملة أم ناقصة؟ هذا ما يحاول هذا المقال بيانه.

القوى الكبرى في المنطقة — ثلاثة مكونات

تقسيم القوى قبل التصنيف الجديد

إذا نظرنا إلى منطقتنا، سنجد أن من أهم القوى – أو يمكن تقسيم القوى في المنطقة إلى ثلاثة أقسام كبرى – قبل التصنيف الجديد الذي عرضه نتنياهو:

أولًا: المشروع الإسرائيلي وما يتبعه من المظلة الأمريكية وبعض القوى الغربية.

ثانيًا: المشروع الإيراني وأذرعه.

ثالثًا: الأنظمة العربية – الأنظمة السياسية العربية في المنطقة.

هذه أبرز ثلاث مكونات سياسية مؤثرة في الأحداث في المنطقة.

المشروع الإسرائيلي — ولد من رحم الاستعمار الغربي

ولادته برعاية استعمارية

المشروع الإسرائيلي هو مشروع بطبيعة الحال ولد من رحم الاستعمار الغربي كما هو معلوم، وأنه لولا الاستعمار البريطاني – الاستعمار الغربي عمومًا والبريطاني خصوصًا – لما ولدت إسرائيل أو لما ولد الكيان المحتل. وهذا الأمر معروف ومشهود وموثق في التاريخ، ولا يحتاج إلى كلام كثير وإلى إثباتات كثيرة.

الرعاية الأمريكية التامة

ثم بعد ذلك ورثت أمريكا الرعاية التامة لهذا الكيان والحماية التامة لهذا الكيان، ورعاية هذا الكيان على كل المستويات: سواء على المستوى السياسي، على المستوى الأمني، على المستوى العسكري. وهذا كله واضح وضوح الشمس، والأحداث التي في السنوات الأخيرة هي مؤكدة وكاشفة عن هذا المشهد.

المشروع الإيراني — مشروع ديني عقدي سياسي

طبيعته

من جهة أخرى، المشروع الإيراني – والذي ولد قبل عقود من هذه المرحلة – وهو مشروع بطبيعة الحال ديني عقدي سياسي، وهذا المشروع اشتغل في المنطقة خلال العقود الماضية اشتغالًا أعانه عليه أن الطرف الثالث – الذي هو من المفترض أن يكون القوة السنية في المنطقة – لم يشتغل على مشروع مقابل لهذين المشروعين.

تقوية الأذرع والميليشيات

اشتغل المشروع الإيراني على تقوية أذرعه، على تقوية ميليشياته، على تقوية مخالبه، على تقوية ترسانته العسكرية، ترسانته الصاروخية، وعلى نشر فكرته العقدية، ودخل في المنطقة وحارب في الوقت الذي كانت هذه الأنظمة السياسية العربية – أو كما قلنا جزء من هذه الأنظمة – مشتعلة الهمة في محاربة المشاريع السنية في داخل المنطقة.

الأنظمة العربية — الانشغال بمحاربة المشاريع السنية

السجون الممتلئة برموز المشروع السني

وإنما كانت هذه الأنظمة السياسية – التي كان من المفترض أن تكون راعية للمشهد السني في المنطقة، والحامية له، والمنشئة لمشروعه، والراعية له – انشغلت كما لا يخفى في الخمس والعشرين سنة الأخيرة بمحاربة المشاريع السنية الداخلية.

ليس صعبًا أن تنظر في السجون في عدد من هذه الأنظمة السياسية لترى أن السجون ليست ممتلئة بأفراد المشروع الصهيوني ولا بأفراد المشروع الإيراني، وإنما هي ممتلئة برموز المشروع السني: بمشايخ المشروع السني، بدعاة المشروع السني، بمجاهدي المشروع السني، إلى آخره. وهذا الاستدلال عليه ليس صعبًا، بمعنى أنه هذا هو الواقع في هذه الأنظمة السياسية.

أثر ذلك على تمدد المشروع الإيراني

هذا الاشتغال من الأنظمة السياسية التي من المفترض أن تكون هي الراعية لهذه المشاريع السنية جعل المشروع الإيراني يشتغل اشتغالًا آمنًا في تطوير بنيته العسكرية، وفي تطوير قوته الأمنية، وفي صناعة أذرعه، والتمكين لها.

التقاطع مع المشروع الأمريكي

طبعًا هذا المشروع الإيراني تقاطع في بعض المراحل مع المشروع الإسرائيلي – أو لنقل المشروع الأمريكي تحديدًا – تقاطع في بعض المراحل قبل أيضًا 25 سنة تقريبًا من الآن، وكان في مصلحة معينة في مواجهة بعض المشاريع السنية، وبالتالي صار في تمدد كذلك للمشروع الإيراني في المنطقة.

حالة التيه وضياع البوصلة

الصعود المزدوج

كذلك الصعود للمشروع الإيراني في مقابل الصعود كذلك للمشروع الإسرائيلي جعل المنطقة تعيش حالة من التيه، وحالة من الانغلاق، وحالة من الضيق، وحالة من ضياع البوصلة، وحالة من فقدان المشروع، وحالة من الهجرة والترحل، وحالة من الخوف، وحالة من القلق.

من يصف الواقع دون الرجوع إلى العقود الماضية

أي شخص يصف الواقع اليوم دون الرجوع إلى هذه السنوات فهو يصف الواقع بطريقة ناقصة، وأي شخص يأتي اليوم ليكون واصفًا للمشهد وكأنه بدأ من هذه الساعة، وكأنه بدأ من هذه السنة، فهو يقدم صورة ناقصة. هذا الكلام ليس كلامًا تحريضيًّا، وهذا الكلام ليس كلامًا لإثارة شيء، هذا الكلام لوصف ما جرى في الواقع، ولوصف ما جرى في التاريخ، ولإدراك أن التاريخ لا يرحم، وأن سنن الله سبحانه وتعالى ماضية.

دروس من العقود الماضية

الفراغ السني

إن الفراغ السني الذي تركته الأنظمة العربية بانشغالها بمحاربة المشاريع السنية الداخلية، هو الذي أتاح للمشروع الإيراني أن يتمدد ويقوي أذرعه، وللمشروع الإسرائيلي أن يستعلي ويتجبر. فغياب المشروع السني المقابل لم يكن فراغًا محايدًا، بل كان فراغًا ملأه الخصوم.

الدرس المستفاد

والدرس المستفاد أن الأمة لا يمكن أن تواجه مشروعين كبيرين – إسرائيلي وإيراني – بمشاريع داخلية متفرقة، ولا بأنظمة تنشغل بمحاربة رموز السنة بدلًا من مواجهة الخصوم الحقيقيين. فالتفرق الداخلي هو الذي يفتح الأبواب للخارج، والانشغال بالمعارك الصغيرة هو الذي يضيع المعركة الكبرى.

ضرورة المشروع السني الجامع

وهذا يقتضي من الأمة أن تعيد النظر في أولوياتها، وأن تدرك أن مواجهة المشروعين الإسرائيلي والإيراني لا تكون إلا بمشروع سني جامع، يحفظ للأمة هويتها وعقيدتها، ويحمي بلادها ومقدساتها، ويستعيد دورها الحضاري.

المصدر

أحمد السيد، “أين المشروع السني؟!، صراع المشاريع في المنطقة”، بتصرف.

اقرأ أيضا

خارطة نتنياهو — الانكشاف الواضح ودلالات الخطر

الأمة الإسلامية ومفاصل الاقتصاد العالمي: من امتلاك الموقع إلى امتلاك القرار

التشابه بين هرتزل والخميني

سنن سقوط الأمم: في اختلال موازين القوى وتراكم الأعطاب البنيوية

التعليقات معطلة