كيف يكون الدين الذي بدأ بكلمة “اقرأ” وتأسس على “لا إله إلا الله” ديناً للأخلاق في جوهره؟ وما سر هذا الربط الوثيق بين التوحيد وحسن الخلق؟ ولماذا كان أول ما خطب به النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة دعوةً إلى مكارم الأخلاق؟
أيهما أهم: العقيدة والتوحيد أم حسن الخلق؟
س/ شيخنا أيهما أهم صحة: الاعتقاد والتوحيد والعناية به أم حسن الخلق وتربية النفس؟
الأخلاق والتوحيد شيء واحد
ج/ كلاهما يجب العناية به، بل هما في الحقيقة شيء واحد، فمكانة الأخلاق وحسن الخلق في الإسلام مكانة التوحيد نفسه منه، كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] يعني دين عظيم هو الخلق الكامل، وكما قالت عائشة رضي الله عنها وقد سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: “كان خلقه القرآن”.
فإن أول خطبة نبوية في المدينة.. دعوة إلى مكارم الأخلاق
ولهذا كان أول ما خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس حين دخل المدينة فأوجز دعوة الإسلام لهم قال: “أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام”.
فكان ذلك أول ما سمعه منه عبدالله بن سلام عالم اليهود في المدينة فبادر إلى دخول الإسلام لدعوته إلى مكارم الأخلاق!
الأحكام كلها جاءت بأكمل الأخلاق
وقد جاء الإسلام في كل أحكامه وعقائده وشرائعه بأكمل الأخلاق وأكرمها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم اهدني إلى أحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي إلى أحسن الأخلاق إلا أنت”.
وقال صلى الله عليه وسلم: “إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن من أبغضكم إلي، وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقا الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون المتكبرون”.
الربط بين التقوى (عمل قلبي) وحسن الخلق (سلوك عملي)
وكل سوء خلق في العبد دليل على خلل في الاعتقاد، وضعف في التقوى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، التقوى ههنا” وأشار إلى صدره.
فربط بين التقوى وهو عمل قلبي، وحسن الخلق وهو سلوك عملي، وجعل احتقار المسلم من أعظم الآثام، فلا يحقر أخاه المسلم من كان في قلبه تقوى وخوف من الله الذي أوجب الأخوة بين المؤمنين، وفرض حقوقها، وحرم كل ما ينافيها، ومن ذلك الكبر وغمط الناس واحتقارهم، وهو ما يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”.
فجعل الإسلام الكبر وهو من مساوئ الأخلاق مانعا من دخول الجنة كالشرك بالله، وهو نقيض التوحيد الذي هو أصل الدين والاعتقاد!
لا حقيقة للإسلام بلا خلق كريم
وكما قال صلى الله عليه وسلم: “أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور”!
فلا حقيقة للإسلام والتوحيد ولا حسن الاعتقاد بلا خلق كريم، وحسن خلق، وإحسان إلى الخلق، وصلة للرحم، وبر للوالدين، وصدق في القول، ورحمة للخلق، بل “شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه” كما قال صلى الله عليه وسلم!
فلا يكون مؤمنا موحدا حقيقة الإيمان والتوحيد من لم يتحل بخلق القرآن وأدبه، فالأخلاق وحسن الخلق ثمرة الإيمان ودليل حسن الاعتقاد.
الحياء خلق يمنع من كل قبيح
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعظ أخاه في الحياء ويعيب عليه شدة حيائه! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “دعه فإن الحياء من الإيمان”، وقال أيضا: “الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان”.
وهو خلق كريم يمنع صاحبه من كل فعل قبيح ومن كل خلق ذميم!
الخوارج نموذج للخلل بين التدين والأخلاق
ولهذا السبب لم ينفع الحرورية صلابة دينهم وشدتهم في تدينهم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: “يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”، ووصف أخلاقهم فقال: “سفهاء الأحلام”، وقال: “يقتلون أهل الإسلام”!
فقد كان سلوكهم تجاه المسلمين، واستباحتهم دماءهم وأموالهم وأعراضهم دليلا على انحراف خطير في اعتقادهم وخلل في دينهم!
المسلم مصدر سلام والمؤمن مصدر أمان
فما عرف الإسلام ولا التوحيد ولا الإيمان من قصره على مسائل الاعتقاد النظرية دون حقائقها وغاياتها العملية الأخلاقية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن: من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد: من جاهد نفسه”!
فهنا يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم الارتباط الوثيق بين الإسلام الذي هو الفرائض الخمس، وغايتها وثمرتها وهو أن يكون المسلم مصدر سلام، فلا يصدر عنه ما ينافي السلم كالعدوان على الناس باليد واللسان، وكذا الارتباط بين الإيمان وأركانه الستة (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله..) فالغاية أن يكون المؤمن أمنا وأمانا لكل من حوله، فبقدر تقواه من الله وإيمانه به وباليوم الآخر وخشيته منه، يكون خلقه مع الناس فيأمنونه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
انتهاك الأعراض دليل خلل في فهم الدين
وما استحل أحد الخوض في أعراض المسلمين والطعن فيهم واحتقارهم والإزراء بهم – فضلا الأموات عن علمائهم وصالحيهم – إلا لخلل في فهم حقيقة الدين والإسلام والتوحيد وغاياته ومكانة الأخلاق منه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه”.
المصدر
صفحة د. حاكم المطيري، على منصة X بتصرف.


