تصميم صور المنشورات 23

هل تعجبك محاولات البعض لتأصيل أوضاع علمانية مفروضة بالقوة على المجتمعات المسلمة من نصوص الشريعة؟! كيف لفقيه أن يبرر واقعاً لم تختره الأمة ولم يُستشر فيه دينها، ثم يأتي ليُنزل النصوص عليه وكأنها جاءت لتوافقه لا لتهديه؟!

 جوهر الإشكالية: عندما تصبح الشريعة تابعة لا مقررة

أكثر ما يستفزني هو محاولة بعض المحسوبين على العلم الشرعي تأصيل أوضاع اجتماعية علمانية مفروضة بنظم وقوانين وتشريعات دولية، لم تخترها المجتمعات المسلمة، ولم يكن لها حتى حق مناقشتها.. فرضت عليها بالقوة والبطش العالمي، ثم يأتي من يحاول التأصيل لها من الشريعة الإسلامية! ليحاول عبثاً إبراز تأقلم الدين مع هذه القوالب العلمانية التي في جوهرها الفلسفي لا تقيم للرأي الديني وزناً.

 قضية عمل المرأة: مثال صارخ على الخلط المنهجي

خير مثال على هذا هو موضوع عمل المرأة، الذي يحاول البعض عبثاً التأصيل له، ثم يذهب لتنزيل النصوص على واقع علماني محض.

لا أحد يجادل في أن الإسلام أباح عمل المرأة، ولكن:

لماذا لا يتحدث أحد عن حكم عملها دون ضوابط شرعية؟!

وأين هي هذه الضوابط اليوم؟!

وأتحدى كل من يزعم أنها متوفرة في مجتمعاتنا اليوم وفي فضاءات العمل.

كيف يمكننا من خلال هذا أن نؤصل لوضع علماني تقرّ فيه المرأة بتمردها على النظم والأعراف، بل ترفض حتى الأوامر الإلهية لها بطاعة زوجها في غير معصية؟!

 المواريث والأسرة: حين تُقرر النظم العلمانية وتُحاكم الشريعة إليها

إن وضع المرأة قديماً عليه بُنيت منظومة المواريث، وعليه تقررت الأحكام الأسرية الخاصة بواجبات وحقوق كل من الزوجين. واليوم تعيش مجتمعاتنا أوضاعاً قررتها نُظُم علمانية، ثم نأتي لمحاولة محاكمة جزئياتها إلى الشريعة التي لم نستشرها في شيء مما صار مقرراً ومعروفاً بيننا اليوم.

بل لو رجعنا قليلاً إلى مجتمع التسعينات أو الثمانينات، لم يكن مثلاً موضوع عمل المرأة فيه إلا استثناء، بينما صار في مجتمع اليوم أصلاً، بل صار كثير من الآباء يطالبون بناتهن بالعمل والإنفاق على أنفسهن، وصارت المرأة معنية بمفهوم البطالة بعدما كانت نسب البطالة قديماً تحسب بين الرجال فقط.

فهذه التحولات الاجتماعية العالمية لا علاقة لها بتقريرات الشريعة الإسلامية، ومن الخطأ المعرفي الجسيم محاولة التأصيل لهذه الأوضاع الاجتماعية بالشريعة، بل أراه من العبث بدين الله!

 شهادة وائل حلاق: النصوص أُفرغت من روحها

يقول وائل حلاق ما مفاده أنه حتى تلك النصوص التشريعية الخاصة بالأحوال الشخصية، والتي تستمد من أحكام الشريعة الإسلامية في الدولة الحديثة، قد أُفرغت من محتواها وروحها.

أذكر لما كنت طالباً جامعياً، كنا نناقش تاريخ التعديلات التي مر بها قانون الأسرة الجزائري، ووصلنا إلى التعديل الأخير الذي كان عام 2005، والذي ألغى وجوبية تلك التراتبية لولي المرأة في عقد الزواج التي كان يقرها قانون 1984، وراح البعض عبثاً يحاول تبرير ذلك بأن هذا يوافق رأي الحنفية الذين يرون جواز تزويج المرأة نفسها.

فقلت: هل واضع هذا النص راعى فعلاً رأي الحنفية، أم أنه أراد فقط إلغاء قيد من القيود التي كانت تضبط عقد الزواج؟! ثم يكفي السؤال عن أعضاء لجنة التعديل لمعرفة المقصد من هذا التعديل.

  •  مصر نموذجاً: المفتي يخضع لوزير العدل!

وفي مصر، يتبع المفتي في اختصاصاته القضائية لوزير العدل، الذي بدوره يخضع لمنظومة قانونية جلها منقول من القوانين الفرنسية! فانظر كيف صار القانون الغربي حاكماً على المُفتي الذي يفترض أن لا يرجع لغير نصوص الشريعة!

  •  تونس: العلمنة الشاملة تنتصر رسمياً

وخير مثال هي تونس، التي قطعت أشواطاً كبيرة في علمنة منظومتها التشريعية والقانونية، وظلت بها بعض التناقضات في الاحتكام إلى أحكام الشريعة الإسلامية في مسائل فرعية كالمواريث وبعض قضايا الأحوال الشخصية، قبل أن تنتهي مؤخراً إلى العلمانية الشاملة على المستوى الرسمي، فألغت حتى المادة التي تنص على أن الإسلام دين الدولة.

وكانت حجتها في ذلك أن الدولة كيان اعتباري لا يُتصور له دين، وهذا تحريف ساذج لمعنى المادة، لأن هذه الأخيرة تعني أن الدين هو المرجع والمصدر التشريعي الأول للمنظومة القانونية للدولة.

 لماذا لا نملك تصوراً فقهياً للتعامل مع هذا الوضع؟

لهذا، لم يتصور أحد من علماء السلف أن يعيش المسلمون يوماً تحت منظومات تشريعية غير إسلامية، وبسبب ذلك لا نملك تصوراً فكرياً أو فقهياً للتعامل مع هذا الوضع الحضاري غير المسبوق في تاريخنا.

ثم انعكست هذه الأوضاع المختلة حتى على سلوكاتنا كأفراد، فقد تجد اليوم مسلماً:

  • يصلي ويمنع ابنته من ارتداء الحجاب!
  • أو لا يتحرج من التعامل بالربا!
  • أو تراه منافحاً عن العلمانية!
  • أو عضواً في حزب يتبنى أيديولوجية مناقضة للدين!

 دعوة صريحة: من تكريم الشريعة ألا تكون تابعة تبرر

لهذا أرى أن من تكريم الشريعة الإسلامية أن لا تُجعل تابعة تبرر ولا تقرر، وينبغي أن يفهم المسلمون في شتى البلاد أنهم لا يعيشون وفق التصورات الإسلامية.

والفقيه الذي لا يدرك هذا لا يُؤتمن على الفتوى، بل فتواه قاصرة إن كان جاهلاً بهذه النوازل التي عرفتها الأمة منذ عهد الاستعمار.

بل حتى لو أرادت حكومة من الحكومات الخروج عن التصورات التشريعية العالمية والتوجه للمنظور الإسلامي، فستُتهم في الغد بالإرهاب وقمع الحريات، وستجد نفسها غداً محل حرب المنظومة الغربية الصهيونية.

ومن لم يستوعب هذا، سيعسر عليه إدراك المفاصلة الإسلامية للنظم المخالفة.

المصدر

صفحة ياسين إعمران، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

حاكمية الشريعة

جريمة إقصاء الشريعة

التعليقات معطلة