تصميم صور المنشورات 16

هل تصدق أن جيشاً فرنسياً مؤلفاً من خمسة آلاف جندي، مدججاً بالمدافع والعتاد، وبقيادة جنرال من أشرس قادة الاحتلال، خرج من وهران ليقتحم قلب الجزائر، فلم يعد منه سوى ثمانية عشر جندياً؟! وهل تساءلت يوماً عن القائد العبقري الذي نصب لهم فخاً في مكانٍ أسماه المؤرخون “المذبح العام”، فحشرهم بين جبالٍ وعرة ونهرٍ جارف، وجعل سيوف المجاهدين تحصد رقابهم كالجزار في غنم محبوسة، حتى ارتدوا منهزمين يتسلقون جثث موتاهم عند أبواب سور أرزيو؟!

حين قيست البطولة بالألوف

في ذكرى ملحمة المقطع، يتجدد المجد لمولانا أمير المؤمنين، وتُستعاد المذبحة الفرنسية العامة التي جعلت جيش الاحتلال يذوق طعم الهوان لأول مرة في الجزائر.

فللّه ذاك الفردُ قد قيس بالألف

الزحف إلى المجهول: تريزيل يخرج من وهران في موكب الغطرسة

خرج الجنرال تريزيل من وهران في خمسة آلاف من المشاة وفرقة من الخيالة وأربع قطع مدافع جبلية وعشرين مركبة زاد ومركبات احتياط، يقدم جيشه حلفاؤه من قبائل الدوائر والزمالة، يبغي نقض العهد مع المسلمين.

فلما علم الأمير بخروجه قام إليه في ألفي فارس وألف من المشاة، وعزم على الإقامة في حرش مولاي إسماعيل في سيڨ حتى تصله أمداد أجناده، لكنّ الجنرال الفرنسي عاجله، فاقتتل الجيشان ثلاثة أيام، ارتدّ الكفّار بعدها على أعقابهم منهزمين بعد هلاك كبار قادتهم.

 بين العطش والثبات: حين عادت الجيوش إلى سيڨ

حينئذ ظنّ المسلمون أنّ مَعْرَكَهم انتهت، فتفرّقوا راجعين طلباً للماء بعد أن أجهدهم العطش والتعب، ولم يبق يومئذ في الحرش سوى أمير المؤمنين ومعه عمه علي أبو طالب.

غير أنّ جموع المسلمين لما رأت أنّ الأمير لم يترك محلّه، عادت إليه حتى امتلأ سهل سيڨ بالمجاهِدين، الذين قطعوا طريق العودة عن الفرنسيين إلى وهران.

فاختار قائدهم تريزيل العودة عن طريق أرزيو عبر جبال حميان، مروراً بنهر مهرة المعروف بالمقطع.

 المقطع: حين نصب الأمير الفخ ودفن الجيش الفرنسي

وقد لخّص محمد باشا خبر الملحمة من كتابات المؤرخين الفرنسيين، قال:

“وملخص ما انتخبته من أقوالهم أنه لما علم الجنرال تريزيل وقواد العسكر أن طريقهم التي جاؤوا عليها من وهران قد سُدّت عليهم، عرجوا على طريق أرزيو، فبلغهم أن الأوعار التي في تلك الجهة يتعذر المرور فيها بمركبات الذخائر ومركبات المدافع، فاعتمدوا على السير فيما وراء جبال حميان ويعبرون نهر هبره.

ولما نظر الأمير إلى الطريق التي سلكوها، علم أنه إذا سبقهم إلى المقطع يتمكّن من جوزه قبل أن يصلوا إليه، وبذلك يُمسون في قبضته، وكان الأمر كذلك، وقد أدرك منهم ما أراد وارتاد.

وقال آخر: سبقُ الأمير إلى مجاز النهر وضبطُه، من نتائج التصورات السعيدة التي تكلل صاحبها بالنجاح.

وقد وصل الجنرال تريزيل وجيشه إلى المقطع عند انتصاف النهار بعد أن أعياهم السير، ودوختهم جيوش العرب التي كانت تحيط بهم، وتجاذبهم القتال، وبينما هم في حالة الدفاع نظروا، فإذا الأمير قد انقض عليهم هو ومن معه كالعقبان على مستضعف الطيور، فتحيّرت عساكر فرنسا واستولى عليها الدهش، ولم يجد الجنرال مسلكاً يقودهم إليه ولا مغيثاً يفرّج عنهم ما هم فيه.

فاندفع آخر العسكر إلى الأمام وأولهم إلى الخلف، وأخذ الطوبجية ذات اليمين فغرقت عجلاتهم بمدافعها في تلك المخاضات المهلكة التي لا اطلاع لهم عليها من قبل، وتفرقت كتائب العسكر وانقلبت من هنا إلى هناك ابتغاء الخلاص ولات حين مناص، واقتحم أكثرهم مسيل النهر فأخذهم.

ولم يأتِ الغروب إلا وقد تشتت من بقي منهم، وتركوا موتاهم وجرحاهم وسائر ذخائرهم في يد العرب، وأسرعوا متسابقين إلى ناحية أرزيو دون انتظام، لا يأوي بعضهم على بعض، فوصلوها ليلاً في الساعة السابعة.

وأما العرب فإنهم باتوا تلك الليلة في ابتهاج لا مزيد عليه، وارتفعت أصواتهم وتعالت مشاعلهم وأقاموا على ذلك طول الليل، ولو صعد إنسان إلى الجو لرأى منظراً عجيباً وسمع أصواتاً كالرعد القاصف، وتراءت له هضبة مجتمعة من روؤس الجيوش الفرنسوية.

وقال غيره: لما ارتحل الجنرال تريزيل من حرش مولاي إسماعيل قاصداً أرزيو، حشرته جيوش العرب عند المقطع، وهو المحل الذي أعده الأمير عبد القادر لدفن العساكر الفرنسوية، ثم هجمت عليه جموع المسلمين يقدمها حضرة الأمير كالعقبان على الطيور الضعيفة.

وفي أول زمان فتكت في العساكر فتكاً لم يُعهد نظيره، وكرّت على باقي الجيش فشتتت شمله، ولم تكتفِ حتى حَكَّت سيوفها في أعناقهم، وقد حاول العسكر الفرنسي الذي أكثره جرحى أن يفروا فلم يهتدوا إلى الطريق، ومن اقتحم النهر منهم هلك، والعرب في وسطهم كالجزار استعمل مُديته في أعناق غنم محبوسة.

وفي وقت الغروب تلاحق الباقون وفيهم الجنرال تريزيل في سهل ممتد على سيف البحر، وساروا إلى أرزيو، ولو اتبعهم العرب ما تركوا منهم مخبراً.” انتهى.

 سور أرزيو: المذبحة الأخيرة التي ركبت فيها الجثث بعضها

قلت: لم يوقف فرار الفرنسيين إلا سور أرزيو الذي ازدحموا على أبوابه حتى ركب بعضهم بعضاً، فهلك منهم خلق كثير رفساً بالأقدام وحوافر الخيل.

وقد ذكر المؤرّخون الأجانب أنّ عدد قتلى الفرنسيين كان بالآلاف، ونقل محمد باشا عن أحد القادة الفرنسيين أنه كان تحت إمرته يومئذ ألف وثمانمئة جندي، لم يبق منهم بعد المعركة سوى ثمانية عشر.

 شهادات الأعداء: المذبح العام وأعظم انتصار

ووصفها الرحالة الألماني هاينريش فون مالتسان ب “المذبح العام” و”أعظم انتصار أحرزه الأمير ضد فرنسا انتقاماً لرعيته”.

ولما بلغ خبر المقطع حاكم الجزائر، عزل الجنرال تريزيل عن وهران، وطيّر الخبر إلى فرنسا، فاحتدم الخلاف فيها عن جدوى الحرب في الجزائر، ونودي في محافلها:

“العرب هدموا شرف فرنسا”

 خطاب الأمير: رسالة إلى القبائل المترددة

أما أمير المؤمنين، فأرسل إلى خلفائه يحذرهم من الانتقام الفرنسي، ويأمرهم بدعوة القبائل التي لم تجبه بعد إلى أن تدخل في إمرته وتضع يدها في يده، فكان مما خاطب به خليفتَه على مليانة محيي الدين بن علال القبائلَ القريبة منه:

“أما تذكرون الآخرة وأهوالها؟! أما تعلمون أن المسلمين كالبنيان يشد بعضهم بعضاً؟! أما سمعتم قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وأيُّ برّ أعظم من أداء فريضة الجهاد، وأي إثم يقاس بطاعة الكفار والدخول في زمرتهم والانحياز إليهم؟! أما بلغكم قوله تعالى: {ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم}؟

وبالجملة، فما أنتم عليه ضلال مبين وخسران لا يقاس به خسران، فبادروا – رحمكم الله – إلى الإقلاع عما أوجب لكم ذلك، وتوبوا إلى الله تعالى أيها المؤمنون، وهلموا إلى الانضمام إلى إخوانكم المسلمين، وهاجروا إلى مواطنهم واتركوا منازلكم… فافهموا كلامي وتعالوا نتفق على كلمة واحدة وقلب متّحد، بحيث إذا حرّك أحدنا يده تحرّكت جميع الأيدي.” انتهى.

 ثمرة الخطاب: قبائل تهرع للجهاد وجيوش تزحف للعاصمة

وقد أثّر هذا الخطاب في هذه القبائل، فأجابت جميعها إلى طاعة أمير المؤمنين، وهجرت أراضيها وانخرطت في سلك المجاهدين، فاستثمر الأمير الفرصة وجيَّش جيشاً من خمسة آلاف رجل تتقدّمه هذه القبائل، وأمر خليفته ابن علال أن يغزو بهم الجزائر.

فساروا إليها عبر سهول متيجة، وأثخنوا في المستوطنين وأعظموا فيهم النكاية قتلاً وأسراً، حتى ردتهم أبواب العاصمة، فانقلبوا بما في أيديهم من الأسرى وضروب المغانم.

 حصار وهران: حين صار الفرنسيس كالمغلول

وفي تلمسان، أرسل الأمير إلى خليفته البوحميدي أن يغزو وهران، فسار إليها الخليفة وضرب عليها حصاراً شديداً.

وصف المؤرخون الفرنسيون حال المحتلّين فيها:

“وصار الفرنسيس داخل وهران في أشد الضيق، إلاّ أنّهم أحسن حالاً من أسرى الحرب، وكاد الأمير أن يُحقِّق قوله: إنه لا يسمح للطير أن يجول من غير إذنه فوق المُدن التي استولى عليها الفرنسيس، الذين أمسَوا كالمغلول يطلب الخلاص من قيوده.” انتهى

 المجد لا يُنسى: ذكرى المقطع في عيني الأمير حتى بعد النفي

قلت: وقد ظلّ أمير المؤمنين ذاكراً لهذا المجد حتى بعد أسره ونفيه إلى الشام، فقد ذكر الرحّالة مالتسان أنّه بمجرّد أن ذكر اسم “المقطع” في لقائه مع الأمير: “ارتسم المرح على وجهه، والتمعت عيناه السوداوان في حماس”.

وفي لقائه الثاني معه سنة 1860، لما سأله: إن كان لا يزال يذكر المقطع؟

قال الأمير: “أعتقد أنّ تريزيل سيذكره أحسن منّي.”

قلت: هكذا هي الأمجاد.. لا تُنسى ولا تُنسخ، وإن لم يبلغ أصحابها غاياتهم، فما صنعته الكرامة والبطولة والشجاعة لا تمحوه الهزائم.

 قصيدة الخال: مديح السيد علي أبو طالب لأمير المؤمنين

بعد انتصار المقطع، مدح السيد علي أبو طالب ابن أخيه أمير المؤمنين بأبيات جاء فيها:

هنيئاً لك البشرى نُصرت على العدى *** ودمّرت جيش الكفر بالقتل والخسف

وحُزت مقاماً دونه كلّ باسل *** يرى الحرب ميدان الخلاعة والقصف

بجيش عظيم قد تفرد في الوغى *** له سطوة عزّت وجلّت عن الوصف

قلبنا لهم ظهر المجن عشية *** فمالوا إلى حبّ الحياة عن الحتف

وبدّد شمل المشركين بنصرة *** أزالت غياهيب الضلالة باللطف

إمامٌ له تبدو المعالي بقطرنا *** فللّه ذاك الفردُ قد قيس بالألف

أميرٌ شريفٌ في البريّة مفرد *** وفرع لمحيي الدين أغنى عن الوصف

صرفنا به غمّ الزمان وكربه *** وغبنا عن الدهر المروع بالصرف

ألا لا أرانا الله فيك إساءة *** فَدُم لعروس الملك زاهية العطف

ملحمة خالدة في سجل البطولة

بهذا الانتصار المدوي، سطّر الأمير عبد القادر أحد أعظم انتصارات المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي. معركة المقطع لم تكن مجرد اشتباك عسكري، بل كانت درساً في القيادة الحكيمة، والتخطيط العبقري، والتضحية والفداء، وإعلاء كلمة الله، ونصرة المظلومين.

وما زالت هذه الملحمة حية في وجدان الجزائريين، تذكرهم بأن الكرامة لا تُشترى، وأن النصر حليف الإيمان والصبر، وأن الأمجاد الخالدة تبقى نبراساً للأجيال تتوارثه جيلاً بعد جيل.

المصدر

صفحة صفحة أبو عبد الرزاق دبوزة، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

عداوتنا مع فرنسا أقدم من 1832م بقرون

حروب طرابلس: عندما كانت تدفع أمريكا الجزية

التعليقات معطلة