تصميم صور المنشورات 6

خسرت أوزباكستان من البرتغال بخماسية.. هل سأتحدث عن كرة القدم؟ لا.. عن قصة شديدة الألم، قصة لا يجرؤ الأوزبكيون أبدًا على حكايتها.. قصة الإسلام.

أوزباكستان: بلد مسلم غنيٌّ بثرواته، فقيرٌ بحريته

أوزباكستان بلد مسلم، يعتنق أكثر من 90% من سكانه الإسلام، وهو بلد غني بالثروات الطبيعية؛ فهو من أكبر سبع دول في العالم إنتاجًا للذهب، ومن الثلاثة الكبار في إنتاج القطن، فضلًا عن ثروات أخرى في الغاز والفضة، موزعة على مساحة نصف مليون كيلومتر مربع.

لكن على سجل ميلاد الدول، أوزباكستان بلد جديد، عمره في البطاقة يعود لعام 1991، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي. وهنا المأساة الكبرى: السوفييت رحلوا، لكن رجالهم ظلوا في السلطة.

آسيا الوسطى: خمس دول إسلامية تحت قبضة الخوف

آسيا الوسطى مكونة من خمس دول: أوزباكستان، طاجيكستان، تركمانستان، قرغيزستان، وكازاخستان. وكلهم بلا استثناء بلاد إسلامية، وكلهم بلا استثناء مرعوبون من الإسلام.

بعد انهيار الإمبراطورية السوفييتية، لم يترك الروس الجدد العالم القديم بسهولة، بل عينوا في كل دولة رجلًا من رجالاتهم القدامى. ونصيب أوزباكستان كان رجال المخابرات الباطش، إسلام كريموف.

إسلام كريموف: رجل المخابرات الذي خاف من الإسلام

كان كريموف يواجه مشكلة كبيرة: الوعي العام للسكان يميل للإسلام. أوزباكستان هي بلاد بخارى وسمرقند وطشقند، التي كانت من أهم قلاع المسلمين في عصور الخلافة، وعلوم الحديث والتفسير ازدهرت منها. الضمير القديم لتلك البلاد إسلامي بالكامل، والجوار الجديد كان إسلاميًا كذلك.

144 كم هي الحدود الفاصلة بين أوزباكستان وأفغانستان. في التسعينيات، كانت الجارة الأفغانية من أبطال العالم الإسلامي، مع انتصارها على السوفييت وحكم الطالبان الواسع. نموذج مغري للأوزباك الجدد.

ولم تكن أفغانستان وحدها المصدر، فإيران الثورة كانت موجودة بقوة، تفصلها عن أوزباكستان تركمانستان الصغيرة، والإيرانيون تأثيرهم عظيم في آسيا الوسطى عمومًا. نموذج الخوميني السياسي كان الخوف الأكبر للحكام الجدد بعد الحقبة الشيوعية.

أفغانستان السنية وإيران الشيعية، وبينهما أوزباكستان الخارجة من عباءة الشيوعية. بالضبط، سوف يأتي موعد الصدام، وكان مروعًا.

استئصال الإسلام: سياسة الحديد والنار

خاف كريموف من الصعود الإسلامي، وكان لابد أن يجد حلًا يضمن به استمرار حكمه بالحديد والنار. أوزباكستان انفصلت عن الاتحاد السوفييتي، لكن يجب أن تظل شيوعية في القلب.

ماذا فعل؟ استئصالًا تامًا لأي مظهر حضاري يشي بوجود الإسلام من قريب أو بعيد.

لو لم تشاهد كريموف صوتًا وصورة، يمكنك أن تشاهد جاره الذي ما يزال على قيد الحياة ويحكم دولة أخرى: إمام علي رحمانوف في طاجيكستان. حتى اللحظة، يُمنع دخول المساجد على من هم دون الثامنة عشر، ولو صادف شرطي طاجيكي شابًا بلحية طويلة، يقوم بقصها له في الشارع أمام الناس. البعثات الدراسية للأزهر تُرفض بشكل كبير، فيلجأ الشباب لدفع رشاوي للدراسة هناك.

أوزباكستان في عهد كريموف كانت أسوأ: تفعل ما سبق، وفوقه الاحتجاز العشوائي للأسرة لو اشتبهت فقط أن فردًا واحدًا يحفظ أجزاءً من القرآن. جنون مطبق.

الذراع الخارجي: عبد الرشيد دستم ومجازر أفغانستان

ولأن مكافحة الإسلام في الداخل لا يمكن أن تكون العلاج الوحيد، كان لابد أن يكون هناك أذرع لكريموف في الخارج، في مصدر الخطر الكبير: أفغانستان. ذلك الذراع كان اسمه عبد الرشيد دستم.

كيف أحكي قصة ذلك الرجل؟ من أين أبدأ؟ ربما من “دشت ليلى”.

في أفغانستان قبل الغزو الأميركي، كان هناك رجال بارزون متنافرون، كل يخدم مصالح عرقيته. الطاجيك كان زعيمهم أحمد شاه مسعود، والأوزباك كان قائدهم عبد الرشيد دستم، رجل إسلام كريموف القوي داخل كابول.

بدأ الغزو الأميركي العملاق لأفغانستان، وبحث الأميركيون عن حلفاء في آسيا الوسطى لتوفير قواعد عسكرية. آسيا الوسطى مساحة نفوذ روسية بالكامل، لكن رجلًا واحدًا سوف ينشق عن بوتين ويمنح جورج بوش الابن قاعدة عسكرية عملاقة. كان المنشق هو كريموف، وكانت القاعدة تحمل اسم “كاراشي خانباد / K2”.

لم يكن هذا فقط، فدستم شكل ما عُرف باسم “قوات تحالف الشمال” لمساعدة الأميركيين على الأرض في إسقاط نظام طالبان. وهكذا كانت المساعدة الأوزبكية مزدوجة: من داخل أوزباكستان بالقاعدة، ومن داخل أفغانستان برجل العصابات دستم.

دشت ليلى وجانجي: مذابح لا تُنسى

جمّع دستم 3000 من أبناء طالبان في حاويات، ثم أطلق عليهم الرصاص فأرداهم جميعًا. لم يهتز المجتمع الدولي، ولم يتحدث أحد عن حقوق الإنسان.

أما جانجي، فتبدأ قصتها عام 2001 باستسلام ألوف من عناصر طالبان. دخلت عناصر الاستخبارات الأميركية لاستجوابهم، ثم فجأة قام رجل من طالبان بتفجير نفسه. سقط كل عناصر الـ CIA، واحتمى المتبقون من طالبان في قلعة جانجي، واختبأوا في المصارف وقنوات المجاري، وخاضوا حربًا ضروسًا لأيام ضد الأميركيين وقوات دستم، ببسالة منقطعة النظير.

لكن دستم لم يكتفِ بالمجازر، بل امتد سلوك رجاله للنيل من ذكورة ألوف البشر، لدرجة أن البعثة العسكرية الدنماركية اشتكت للأميركيين، فجاء الجواب الأميركي بضرورة غض البصر عن تلك الأفعال لأنها من عادات المجتمع الأفغاني. ما أنذل الأميركي، وما أنذل دعاة حقوق الإنسان الغربيين!

أنديجان 2005: كابوس كريموف يتحقق

بعد كل ذلك، هل نجح الرئيس الأوزبكي في منع الصعود الإسلامي في بلاده؟ لا.

في صباح 17 مايو 2005، احتشد عشرات الألوف من الأوزباك في ساحة “أنديجان”: رجال أعمال محليون يطالبون بفتح الأسواق، شباب يسعون لعدم التمييز ضدهم لأنهم يطلقون لحاهم، ومعترضون على خدمة الجيش الأوزبكي للأميركيين. كل مجموعة لها طلباتها، وكلهم ضد كريموف.

كيف كان رد الشرطة الأوزبكية؟ حصار مطبق فُرض على المعتصمين، ثم سيول من الرصاص المضاد للدروع أُطلقت على المدنيين. النتيجة في ظرف ساعات: رقم هائل من الضحايا يتجاوز في أقل تقدير 1500، ويرتفع في تقارير غير رسمية إلى 4000.

كانت أنديجان نقطة فاصلة في الوعي الأوزبكي: رعب قادم، ملاحقة في كل منزل وكل بقعة لأي شخص له قريب شارك في الاعتصام، هروب بالألوف إلى الخارج، ومحاولة من الأوزباك لإيجاد أوطان بديلة.

بالمناسبة، بعض الفارين الأوزباك جاءوا إلى مصر واستقروا في مدينة نصر، درسوا في الأزهر، ولم يعودوا لوطنهم، وفضلوا البدء في مشاريع تجارية، غالبًا مطاعم، تقدم المأكولات الأوزبكية الشهيرة مثل البلوف.

نهاية كريموف: موت على فراشه

مهلًا.. أكيد الحق سوف ينتصر، أليس كذلك؟ للأسف، الدنيا ليست دار عدل منشود كما يتوهم كثيرون.

تُوفي كريموف على فراشه عام 2016، وأقيمت له جنازة حاشدة، وخلفه شوكت ميرزاييف الذي يحكم منذ ذلك الحين، وقام بتعديل الدستور لزيادة مدته الرئاسية.

نسيت أن أخبرك أن أميركا وجهت اعتراضًا لكريموف على مجزرة أنديجان، فطرد الأميركيين من أرضه وأغلق القاعدة العسكرية، وأعاد الروس منذ 2006 لأوزباكستان. ولا أحد ينافس بوتين حتى الآن في ذلك البلد سياسيًا سوى الصين اقتصاديًا.

لماذا نحكي هذه القصة؟

ليست هناك خاتمة عن تحقيق العدالة.. لماذا تحكي القصة إذن؟ أين العبرة والعظة؟

ببساطة، أحكيها لأنهم إخوتنا. لأن شعوب آسيا الوسطى منسيون من واقعنا العربي. لأننا لا نعرف عنهم شيئًا إلا بعض المأكولات ومنتخبات الكرة، وربما بعض المقاصد السياحية.

في حين أننا نتحدث عن 85 مليون مسلم هم قوام تلك الدول الخمس مجتمعة، تشكل أوزباكستان وحدها نصف عددهم. ولأن الميراث السوفييتي في تلك المنطقة مهول في بشاعته.

كوارث أخرى خلفها السوفييت

بحيرة آرال، رابع أكبر بحيرة في العالم، الممتدة بين أوزباكستان وكازاخستان، بفضل السوفييت فقدت 90% من مياهها، وأصبحت واحدة من أكبر الكوارث البيئية في التاريخ، بفضل تحويل السوفييت لمسارات الأنهار.

تركمانستان، التي حكمها صابر مراد نيازوف، رجل روسيا الوفي، الذي أغلق البلاد أمام العالم، وبنى تماثيل لشخصه بطول البلاد وعرضها، وألّف كتابًا اسمه “روح نامه” يحفظه التركمان، وغير أسماء الشهور حتى سمى شهر إبريل باسم أمه “قوربان صولتان إيجي”، ويوم الأحد باسمه. جنون كان بطله نيازوف، السكرتير الأول للحزب الشيوعي التركماني، الذي توفي عام 2006 مخلفًا واحدة من أفقر الدول رغم امتلاكها سابع أكبر احتياطي من الغاز في العالم.

آسيا الوسطى: مركز العالم وقلبه

نحكي عن آسيا الوسطى لأنها مركز العالم وقلبه، ولأنها محط تنافس عملاق بين الروس والصينيين والأميركيين، وبين الإيرانيين والأتراك الذين يخوضون صراعًا ثقافيًا هائلًا للسيطرة على المنطقة.

إلا العرب، لا يعرفون شيئًا عن تلك البقعة، ولا يرغبون.

مصر وباقي بلاد العرب، ماذا نعرف عنهم؟ لا شيء. وهذا مما يحزن القلب، أن ينصرف العرب لتقديس الأميركي والانحناء أمام الأوروبي، في حين أن لهم إخوة، عشرات الملايين، لا يعرفون عنهم شيئًا.

بابر: رجل أوزباكستان الذي غير تاريخ الهند

يومًا ما ظهر رجل غير شكل آسيا، كان صبيًا نما في وادي فرعانة في أوزباكستان الحالية، نظم جيوشًا من مئات الألوف من الأفراد وغزا بهم الهند، وأقام إمبراطوريته المغولية الشاسعة. كان هو السلطان ظهير الدين بابر الذي نشر الإسلام في الهند عام 1526.

ولو لم يفعل الأوزباك شيئًا في التاريخ غير ذلك لكفاهم. ربع مليار مسلم في آسيا، خُمس قوة المسلمين السكانية على مستوى العالم، كان بفضل هذا الرجل، الرجل القادم من أوزباكستان، الذي خفت اسمه اليوم، وأصبح مدافع أوزباكستان “خوسانوف” أكثر منه شهرة في قلوبنا.

كنز أضعناه

في هذه البلاد ما يتجاوز الكرة، فيها زادنا وفقهنا وعلوم حديثنا ومهد انتصاراتنا، فيها كتبنا ومكتباتنا ومشايخنا وعظام قادتنا وجيوشنا.

في هذه البلاد ما يستحق انتباهنا أكثر بكثير جدًا من كرة القدم. فيها شعوب مسلمة تعرض دينهم وثقافتهم لكل أشكال المحو والتدجين، ومع ذلك ما يزالون، في صمود أسطوري، محافظين على عقيدتهم.

لو تعرضت شعوب غيرهم لواحد على مليون مما تعرضوا له على يد السوفييت ورجالاتهم، لما استقام لهم دين، وما بقت في قلوبهم شعيرة.

ولا يُدرك العربي فيما فرط عندما تناساهم، ولن يعلم أبدًا كنزه الذي أضاعه لصالح أقوام أخرى.

المصدر

صفحة عبده فايد، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

أمة واحدة.. قوة لا تُقهر

التعليقات معطلة