تصميم صور المنشورات 21 2

كيف تحول حزبٌ يرفع راية الإسلام في قلب المغرب العربي إلى أداةٍ لتمرير التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتبريرِه والدفاعِ عنه بكلِّ جرأة؟ وماذا يقول لنا سقوطُ هذا الحزب في صناديق الاقتراع، وعقابُ الشارعِ المغربي له، عن أزمةِ الحركات الإسلامية التي راهنت على العمل تحت سقف الأنظمة، فدفعت الثمن غاليًا؟

قراءة في انهيار حزب العدالة والتنمية

مشهد غريب لا يستوعبه العقل

في ديسمبر 2020، شهد العالم العربي مشهدًا أثار الصدمة والاستغراب: حزب ذو مرجعية إسلامية، في قلب المغرب العربي، يحظى بحاضنة شعبية إسلامية عريضة، يتصدر ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني، أحد أكثر الملفات حساسية وإيلامًا في الأمة. ولم يكتفِ الحزب بتمرير التطبيع، بل قام رئيسه آنذاك سعد الدين العثماني بالدفاع عنه وتبريره.

كيف حدث هذا؟ كيف يمكن لحزب إسلامي أن يقود مشروعًا تطبيعيًا؟ هل هو انتهازية سياسية؟ أم قراءة خاطئة للمشهد؟ أم ابتزاز من السلطة؟ وماذا كان موقف العلماء والشارع المغربي من هذه الكارثة؟

في حواره العميق، يقدّم الدكتور حسن سلمان، عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين، تحليلاً نقديًا قاسيًا لهذه الحالة، مستعرضًا السياقات السياسية والنفسية التي أدت إلى هذا السقوط، ومشيرًا إلى دروس قاسية يجب أن تستخلصها الحركات الإسلامية في كل مكان.

المشهد كما رآه العالم

يصف الدكتور حسن الحدث بوجع واضح:

«استغربنا جميعًا في ديسمبر 2020 لما رأينا حزبًا يقول إن مرجعيته إسلامية في مغرب عربي، يحوي حاضنة شعبية إسلامية يمكن أن تمده بالكثير من الدعم، هو يتصدر ملف التطبيع، أكثر الملفات حساسية في المنطقة».

هذه الجملة تحمل في طياتها عدة مستويات من الاستغراب:

المستوى الأول: الحزب ذو المرجعية الإسلامية. ليس حزبًا ليبراليًا، وليس حزبًا علمانيًا، بل حزب يرفع شعار الإسلام. أن يقود هذا الحزب التطبيع هو تناقض صارخ مع ما يفترض أن يمثله.

المستوى الثاني: المغرب العربي. قلب العالم العربي، بلد له تاريخه ومكانته، ليس بلدًا صغيرًا هامشيًا. التطبيع هنا يحمل رمزية كبيرة.

المستوى الثالث: الحاضنة الشعبية. الحزب ليس فاقدًا للشعبية، بل لديه قاعدة إسلامية عريضة يمكن أن تسنده وتدعمه. فلماذا اختار طريق التطبيع؟

المستوى الرابع: التطبيع نفسه. ليس ملفًا ثانويًا، بل هو أكثر الملفات حساسية في المنطقة، خاصة في ظل العدوان المستمر على غزة والأقصى.

هذه المفارقات جعلت المشهد غريبًا ومحيرًا لكل متابع.

من قاد التطبيع؟ العثماني تحت المجهر

يُسمّي الدكتور حسن الأسماء بصراحة:

«سعد الدين العثماني هو من قاد إطار التطبيع وتماهى مع الضغوطات السياسية للمملكة آنذاك، ووقع بيده التطبيع مع الكيان الصهيوني».

هذا التصريح يحمل نقدًا شخصيًا واضحًا. العثماني، الذي كان يوصف بأنه رجل دولة ووجيه، تحول إلى أداة لتمرير مشروع خطير. وليس فقط التوقيع، بل الدفاع عنه أيضًا:

«نراهم يتصدروا، سعد الدين العثماني يتصدر المشهد ويدافع عن هذا الإطار، عن إطار التطبيع، حتى القضايا يبررها ويدافع».

إذاً، التطبيع ليس مجرد قبول واقع مفروض، بل كان هناك دفاع نشط عنه، وتبرير له، وإقناع للناس بشرعيته أو على الأقل بضرورته.

ويشير الدكتور حسن إلى التبريرات التي ساقها العثماني:

«بحجة أن هذا اتفاق قديم مع دولة الكيان، وأنه لا يتعارض مع السياسات، وأنه في صالح المملكة».

لكن الدكتور لا يكتفي بعرض التبريرات، بل يحكم عليها ضمنيًا بأنها غير مقبولة، كما سنرى من خلال تحليله لنتائج هذه السياسة.

كيف وقع الحزب في هذا الفخ؟ (السياق التاريخي)

لا يمكن فهم ما حدث دون فهم السياق الأعمق الذي سبقه. يقدم الدكتور حسن تحليلاً تاريخيًا للعلاقة بين الحركات الإسلامية في المغرب العربي والسلطة:

«ظواهر الحركات الإسلامية في المغرب العربي التي ارتبطت مثلًا بفكرة العمل تحت سقف النظام السياسي. هذه الحالات حصلت في الجزائر وحصلت في المغرب وحصلت في تونس، أكثر من دولة، حتى قد تكون في موريتانيا: الرضا بأننا لا نحاول أن نرفع السقف أكثر من اللازم».

هذه هي القضية الجوهرية: تسليم الحركات الإسلامية بشرعية اللعبة السياسية التي رسمتها الأنظمة الحاكمة، والرضا بالعمل تحت “سقف” محدد لا يمكن تجاوزه. هذا القبول، وإن كان قد حقق بعض المكاسب في البداية، جعل هذه الحركات أسيرة للنظام في النهاية.

ويضرب الدكتور مثالاً حيًا على كيف استخدم النظام هذه الحركات لإجهاض الحراك الشعبي:

«حتى في اللحظة التي جاءت فيها الثورات العربية واجتاحت المنطقة، كلنا يذكر بأن المغرب كانت دولة متصدرة في التظاهر، وحصلت حركة 20 أو 22 فبراير التي تحركت وملأت الشوارع. ولكن كان المخزن أو السلطة السياسية في المغرب قادرة وفاهمة تمامًا لتركيبة ونفسية الإسلاميين في تلك البلدان، فاستطاعت أن تسحب حزبًا إسلاميًا، احتضنت هذا الحزب وأجهضت به الحراك في الشارع».

هذه العبارة خطيرة جدًا: الحزب الإسلامي الذي كان من المفترض أن يكون رأس حربة في التغيير، تحول إلى أداة لإجهاض التغيير. كيف تم ذلك؟ ببساطة: السلطة احتضنت الحزب، وأعطته مكاسب سياسية، فآثر هو البقاء في دائرة الضوء على خوض معركة الشارع. مقابل هذا الاحتضان، كان على الحزب أن يدفع الثمن لاحقًا.

وهذا هو الثمن:

«ثم للأسف الشديد مررت كل القضايا اللي كان متوقف فيها التيار القومي، متوقف فيها اليسار، متوقف فيها التيارات العلمانية، وكانوا لا يرونها. الناس خلي بالك، فقط ملتفة إلى التطبيع، لكن هنالك ملفات داخلية مغربية مُررت كذلك، جزء منها في التعليم، جزء منها… كلها مُررت تحت الإسلاميين».

إذاً، التطبيع لم يكن القضية الوحيدة. كان هناك حزمة كاملة من الملفات الداخلية الخطيرة التي مررت بفضل هذا الحزب. لقد كان الحزب غطاءً لتمرير سياسيات غير شعبية.

هل فهم النظام نفسية الإسلاميين؟

يكشف الدكتور حسن عن بعد نفسي عميق في هذه المعادلة:

«النظام كان قادرًا وفاهمًا تمامًا لتركيبة ونفسية الإسلاميين في تلك البلدان».

ما هي هذه “النفسية” التي فهمها النظام جيدًا واستغلها؟

من سياق كلام الدكتور حسن، يمكننا استخلاص عدة سمات:

  • حب البقاء في السلطة وتجنب المواجهة المباشرة.
  • الرضا بالمكاسب التدريجية مقابل التخلي عن الأهداف الكبرى.
  • الخوف من الفتنة ومن تهمة “الخروج على الحاكم”.
  • الإيمان بأن العمل السياسي المؤسسي هو السبيل الوحيد للتغيير، حتى لو كانت هذا المؤسسة فاسدة.

النظام الذي فهم هذه السمات استطاع أن يستنزف الحزب سياسيًا، ثم يتخلص منه بعد أن أدى دوره.

ويصف الدكتور حسن هذه المرحلة بعبارة قاسية:

«بعد كده، الإسلاميون إذا كانوا هم المعارضة القوية والشرسة، بعد ما تم استنفاذ أغراض هذا الحزب، ببساطة جديدة استغفلهم».

لقد استُغِل الإسلاميون، ثم استُغفِلوا. أدوا دورًا قذرًا، ثم وجدوا أنفسهم مهمشين ومتروكين.

رد الشعب المغربي.. عقاب في صناديق الاقتراع

إذا كان الحزب قد خذل الأمة في قضية التطبيع، فإن الأمة لم تخذل نفسها. يرصد الدكتور حسن بإنصاف كيف عاقب الشارع المغربي هذا الحزب:

«الشارع المغربي عاقب هؤلاء. وكان سقوط الحزب بعد ذلك مؤشرًا مهمًا جدًا. إلى يومنا هذا، يكاد يكون الشارع المغربي من أقوى الشوارع حتى في المظاهرات الأخيرة. بقية البلدان في العالم العربي يمكن ما تكاد تلمس تحركات، بينما في المغرب رغم وجود هذا التطبيع، لكن المزاج العام المغربي والحالة الإسلامية العامة، والشارع ببساطته شارع مسلم وشارع عربي منتمٍ إلى هذه الأمة، من جاكرتا إلى الدار البيضاء، فهي أمة تتحرك».

هذه الجملة تضع إصبعها على نقطة فارقة: الشعب المغربي لم يمت ضميره، رغم أن قادته الإسلاميين خانوا الأمانة.

ويصف الدكتور كيف نظر الشعب إلى الأداء وليس إلى الانتماء فقط:

«تعاقب لو كان إسلاميًا، لا تنظر إلى انتمائه، تنظر إلى أدائه. كونك إسلاميًا ولكنك تفعل الأفاعيل، لا يعفيني ذلك، أنا أسحب منك التمثيل وأعطيه إلى جهة أخرى».

هذا مبدأ مهم جدًا: الانتماء الإسلامي لا يعطي تراخيص للفشل أو الخيانة. الشعب يريد أداءً، لا مجرد شعارات.

وكانت النتيجة:

«في تقديري ما حصل في المغرب بالذات من سحب التمثيل من حزب العدالة والتنمية، وأن تكون حصيلته بسيطة جدًا في الانتخابات الأخيرة، هذه كانت رسالة واضحة من الشعب المغربي عن رفض الأداء».

رسالة الشعب وصلت: لا تسامح مع من يبيع القضايا الكبرى مقابل مكاسب سياسية زائلة.

هل من مخرج؟ رسالة إلى السياسيين

بعد هذا التحليل القاسي، يوجه الدكتور حسن رسالة مباشرة إلى السياسيين الذين يمررون سياسات غير شعبية تحت ضغوط الأنظمة:

«يبقى بعد كده أنت كسياسي تريد أن تنظر إلى المزاج العام وتقرأه بشكل جيد وتصحح مسارك وتراجع مواقفك، وإلا فمصيرك أن تذهب في الدفاع عن تلك المواقف الخاطئة التي ربما أفقدتك وستفقدك أيضًا الكثير».

هذه النصيحة تأتي في وقتها. فالسياسيون الذين يعتقدون أن الدفاع عن المواقف الخاطئة سينقذهم، ينسون أن الناخبين لهم ذاكرة طويلة. الحزب الذي يسقط مرة، قد لا ينهض مرة أخرى.

ويضيف الدكتور في جزء آخر من الحوار نقدًا لظاهرة استخدام العلماء كأدوات تبرير:

«التعامل مع الأدلة بمأخذ الافتقار أم بمأخذ الاستظهار؟ هل أنت تحاول أن تعضد مواقفك المسبقة بالدليل، أم أنت محتاج إلى الدليل ومفتقر إليه؟ سمي الدليل دليلاً ليكون هو المتقدم وأنت المتأخر. فإذا كان لا، أنت يتحدد الموقف السياسي وتتم التقديرات السياسية، ثم يبقى دور العالم أنه يؤيد. هذه إشكالية».

لقد جعل حزب العدالة والتنمية العلماء في موقف حرج: إما أن يبرروا التطبيع (فيخونوا الله ورسوله)، وإما أن يعترضوا (فيخسروا الحزب وحظوتهم). كثيرون اختاروا الصمت. وقليلون تحدثوا.

مقارنة صامتة مع نماذج أخرى

في سياق حديثه عن العلماء، يقدم الدكتور حسن مقارنة غير مباشرة بين ما حدث في المغرب وبين نماذج تاريخية مشرقة للعلماء الذين وقفوا في وجه السلطان:

«الإمام النووي عليه رحمة الله… استطاع أن يوقف هذا الحاكم الذي كان يريد أن يحقق مصادرات كبيرة جدًا. فبدأ الناس ينظرون إلى الإمام النووي بأنه ليس شيخًا عاديًا، هذا قائد».

«شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما تأتي واقعة من الوقائع هو متصدر المشهد. تأتي حملات خارجية يحمل الجهاد، تسقط السلطة يقوم محل السلطة».

فأين كان علماء المغرب في لحظة التطبيع؟ بعضهم أصدر بيانات، وبعضهم سكت، وبعضهم الآخر -للأسف- برر أو سكت تحت ضغط النظام. ولكن هناك أطرافًا علمائية أخرى كان لها موقف مشرف، يشير إليها الدكتور حسن بإيجاز:

«هنالك بعض المؤسسات العلمائية التي وقفت موقفًا صارمًا وأخرجت بيانات ورفضت الموقف السياسي… رابطة العلماء المغرب العربي بمجموعها كان لها مواقف مشرفة».

لكن هذه الأصوات، رغم أهميتها، لم تكن كافية لوقف القطار التطبيعي الذي قاده الحزب الحاكم.

الدروس المستفادة 

من خلال التحليل الذي قدمه الدكتور حسن سلمان، يمكن استخلاص مجموعة من الدروس القاسية التي يجب أن تستوعبها الحركات الإسلامية في كل مكان:

الدرس الأول: العمل تحت سقف النظام لا يعني حيادية النظام. فالنظام سيستخدمك ثم يتخلص منك.

الدرس الثاني: التنازل عن القضايا الكبرى (كالتطبيع) في سبيل مكاسب صغيرة (كالمشاركة في الحكومة) هو صفقة خاسرة. الثمن الذي ستدفعه لاحقًا أكبر بكثير مما ربحته.

الدرس الثالث: الشعب ليس غبيًا. الشعب يرى، يفهم، يحكم، ويعاقب. وخيانة الشعوب لا تمر دون ثمن.

الدرس الرابع: العلماء الذين يصمتون أو يبررون هم شركاء في الجريمة. والشارع لا ينسى.

الدرس الخامس: العودة إلى المبادئ ومراجعة المواقف ليست عيبًا، بل هي من صفات المؤمنين. التمسك بالخطأ إصرارًا على الموقف هو طريق الهلاك.

الخلاصة: دروس من المغرب إلى كل إسلامي

في نهاية هذا التحليل، يمكننا أن نلخص قصة التطبيع المغربي كما رواها الدكتور حسن سلمان في هذه العبارات الموجزة:

الخطأ الأول كان الرضا بالعمل تحت سقف النظام، مما جعل الحزب أسيرًا للإرادة السلطانية.

الخطأ الثاني كان استخدام الحزب لإجهاض الحراك الشعبي في 20 فبراير، مما كشف عن أولوياته الحقيقية.

الخطأ الثالث كان قيادة ملف التطبيع وتبريره، وهو أكبر خطأ سياسي وأخلاقي يمكن أن يرتكبه حزب إسلامي.

النتيجة الحتمية كانت سقوط الحزب في الانتخابات وانتقام الشعب منه.

العبرة الأكبر أن الأمة لا تزال حية، تتحرك وتعاقب، ولا ترضى بالخيانة باسم الدين.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه على كل إسلامي في كل مكان: هل ستتعلم الحركات الإسلامية من تجربة المغرب؟ أم أن الأخطاء نفسها ستتكرر في بلدان أخرى تحت ضغوط مختلفة؟

وختامًا، كلمة الدكتور حسن التي تلخص كل شيء:

«كونك إسلاميًا ولكنك تفعل الأفاعيل، لا يعفيني ذلك، أنا أسحب منك التمثيل وأعطيه إلى جهة أخرى».

فليسمعها كل من يظن أن الانتماء الإسلامي ترخيص لفعل ما يشاء.

المصدر

بودكاست شرعي مع د. حسن سلمان – عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين (مقتبسات حرفية من حواره حول واقع العلماء في المغرب وقضية التطبيع).

اقرأ أيضا

القنديل والمنديل .. وما يجري على الدين من تبديل (4-4) مواقف مظلمة

التعليقات معطلة